الاثنين 20 نوفمبر 2017 الموافق 01 ربيع اول 1439 هـ

عبر من التاريخ

فوائد ودروس وعِبَر من صلح الحديبية

01 ربيع اول 1439 هـ


عدد الزيارات : 6050
موقع على بصيرة

هذا المقال يسلّط الضوء على أحداث صلح الحديبية؛ والظروف التي سبقته؛ والمنهج الذي اتبعه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الصلح، والفوائد والعبر والدروس المستفادة منه، والتي يحتاج إليها المسلمون في كلِّ زمان ومكان.

فمن المعلوم أنَّ الجهاد باقٍ إلى قيام الساعة، وقد يمرُّ المسلمون بحالات ضَعف تتطلّب منهم إجراء الصلح إلى مدّة معينة قبل أن يستكملوا طريق جهادهم، لإحقاق الحق، واستعادة الأرض. وفقهُ أحكام الصلح يرفع عن المسلم الجهل بهذه القضية المهمة، ويعينه على ضبط ردود أفعاله بالضوابط الشرعية؛ فلا يسارع في إنكاره، فضلًا عن تخوين أو تكفير من يقوم به وهو يسعى لحقن دماء المسلمين، وصيانة أعراضهم، والإبقاء على قوتهم. 

 

مثّل صلح الحديبية حدثاً مهماً في حياة المسلمين، ومنعطفاً بارزاً في مسيرتهم الدعوية والجهادية. وقد حمل هذا الصلح -والأحداث التي أحاطت به- الكثيرَ من الأحكام المتعلقة بالجهاد في سبيل الله، والاتفاقيات والمعاهدات التي يمكن للمسلمين أن يعقدوها مع الأعداء إذا تحققت المصلحة، وأعطاهم دروساً في فنون التفاوض، وفي فقه الموازنات.

وقد كان من بين بنود هذا الصلح أمور عدّها بعض المسلمين تنازلات غير مقبولة، لكنّ الرسول صلى الله عليه وسلم بحكمته وحنكته رأى فيها مصلحة وعزًا ونصرًا للمسلمين في القريب العاجل.

وفي هذا المقال نسلّط الضوء على أهم الفوائد والدروس والعِبَر المستفادة من هذا الصلح، لتكون للمسلمين نورًا يستضيؤون به، وهديًا يتبعونه.  

أولاً: ملخّص قصّة صلح الحديبية:ينظر: صحيح البخاري، حديث رقم (2731)، وصحيح مسلم، باب صلح الحديبية في الحديبية، ومسند أحمد، حديث رقم (18928)، وسنن أبي داوود، حديث رقم (2765)، وسنن البيهقي، حديث رقم (18807)، وسيرة ابن هشام (2/380)، والروض الأنف (7/51)، والسيرة النبوية لابن كثير (3/312).

رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه أنه يدخل هو وأصحابه المسجد الحرام، وأنهم يطوفون بالبيت، فأخبر أصحابه بذلك، ففرحوا فرحًا شديدًا، فقد اشتد بهم الحنين إلى مكة، وإلى أداء العمرة التي حُرموا منها سنوات وسنوات. وقد طمعوا في تحقق ذلك قريبًا، فرؤيا الأنبياء حق.

خرج النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة سنة ستٍ من الهجرة، في ألف وأربعمئة من أصحابه من المهاجرين والأنصار ومن لحق بهم من العرب، وكانت بصحبته زوجته أم سلمة رضي الله عنها، وساق معه الهدي وأحرم بالعمرة من ذي الحليفة، ليعلم الناس أنه إنما خرج زائرًا لهذا البيت ومعظمًا له، وأنه لا يريد حربًا.

وحين وصل إلى عسفان -مكان بين مكة والمدينة- أخبره بشر بن سفيان الكعبي أن قريشًا قد استعدّت لصدّه عن البيت، ومنْعِه من دخول مكة، فحاول النبي صلى الله عليه وسلم تجنّبهم، وسلك طريقًا آخر وعرًا بين الشعاب، فلما وصل إلى الحديبية بركت ناقته، فأقام في ذلك المكان، وأعلن النبي صلى الله عليه وسلم منهجه في التعامل مع قريش: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا).

أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قريش خراش بن أمية الخزاعي، فلما دخل مكة عقرت به قريش، وأرادوا قتله فمنعهم الأحابيش، فعاد خراش بن أمية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبره بما صنعت قريش.

ثم أرسلَ عثمانَ رضي الله عنه، وقال له: (أخْبرهُم أَنّا لم نأت لقِتَال أحد، وَإِنَّمَا جِئْنَا زوّارا لهَذَا الْبَيْت معظمين لِحُرْمَتِهِ، مَعنا الْهَدْي نَنْحَره ونَنْصَرف). فقدم عثمان مكة، وأخبر قريشًا برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبوا، وعرضوا عليه أن يطوف بالبيت فأبى، ولقي –كما أمره رسول الله صل الله عليه وسلم- المستضعفين من المسلمين بمكة وبشّرهم بقرب الفرج والمخرج.

تأخر عثمان رضي الله عنه في الرجوع إلى المسلمين، وشاع أنه قد قُتل، فدعا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى البيعة، وكان جالسًا تحت الشجرة، فبايعه الصحابة على أن لا يفرّوا، وهذه هي بيعة الرضوان التي نزل فيها قول الله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً}[الفتح:18].

بدأت الرسل بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش، فجاء بُديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، فحمّله رسول الله صلى الله عليه وسلم رسالة لقريش مفادها: (إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، وَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهِكَتْهُمُ الحَرْبُ، وَأَضَرَّتْ بِهِمْ، فَإِنْ شَاءُوا مَادَدْتُهُمْ مُدَّةً، وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ، فَإِنْ أَظْهَرْ: فَإِنْ شَاءُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَعَلُوا، وَإِلَّا فَقَدْ جَمُّوا، وَإِنْ هُمْ أَبَوْا، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي، وَلَيُنْفِذَنَّ اللَّهُ أَمْرَهُ).

ثم جاء رجل من بني كنانة يقال له مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (هَذَا مِكْرَزٌ، وَهُوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ)، فكلّمه ثم عاد إلى قريش، فأرسلوا إليه الحِلْسَ بنَ عَلقَمَةَ الكِنَانِيَّ -وهو يومئذ سيد الأَحَابِيش- فلما رآه الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إن هَذَا مِنْ قَوْمٍ يَتَأَلّهونَ –أي يعظّمون الهَدْيَ- فَابْعَثُوا الْهَدْيَ فِي وَجْهِهِ) فلما رآها وسمع الصحابة وهم يُلَبُّونَ، قَالَ: سُبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيت، فرجع ولم يصلْ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: "يا معشر قريش: قد رأيت ما لا يحلّ صدّه، فقالوا: اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك"!

ثم جاء عروة بن مسعود، فقال: أي محمد، أرأيت إن اسْتَأصَلْتَ قومك، هل سمعتَ بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى وجوهًا، وأرى أوباشًا من الناس لكأني بهم قد انكشفوا عنك غدًا، فقال له أبو بكر الصديق رضي الله عنه: أَنَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ وَنَدَعُهُ؟ ثم كلّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما كلّم به أصحابه، فأخبره أنه لم يأتِ يريدُ حربًا، ثم قام من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رأى ما يصنع به أصحابه: "إِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَلَا يَبْصُقُ بُصَاقَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَلَا يَسْقُطُ مِنْ شَعَرِهِ شَيْءٌ إِلَّا أَخَذُوهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَكَلَّمُوا خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ"وهذا الفعل من الصحابة رضي الله عنهم من التبرك المشروع؛ لأنه تبرّك بذات النبي صلى الله عليه وسلم وبآثاره الحسّية حال حياته.، فرجع إلى قريش فقال: "يا معشر قريش، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله ما رأيت مَلِكًا قطّ يعظّمه أصحابه ما يعظّم أصحابُ محمدٍ محمدًا، فلقد رأيت قومًا لا يُسْلِمونه لشيء أبدًا، وإنّه قد عرض عليكم خُطّة رشدٍ فاقبلوها".

فأرسلت قريش سُهَيل بن عَمْرٍو، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لَقَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ)، (قَدْ أَرَادَ الْقَوْمُ الصُّلْحَ حِينَ بَعَثُوا هَذَا الرَّجُلَ) فلمّا انتهَى إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تكلَّما، وَأَطَالَا الكلامَ، وَتَرَاجَعا حتَّى جَرَى بينهما الصلح، وأُمِر عليٌّ رضي الله عنه بالكتابة.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، قال سهيل: أمّا الرحمن، فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللهُمَّ) ثم قال: (هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ)، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وَاللَّهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ، وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي، اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (عَلَى أَنْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ البَيْتِ، فَنَطُوفَ بِهِ)، فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنّا أُخذنا ضُغْطَة، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، قال المسلمون: سبحان الله، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟ فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يمشي مشيًا بطيئًا بسبب قيوده، حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّا لَمْ نَقْضِ الكِتَابَ بَعْدُ)، قال: فوالله إذًا لم أصالحك على شيء أبدًا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فَأَجِزْهُ لِي)، قال: ما أنا بمجيزه لك، قال: (بَلَى فَافْعَل)، قال: ما أنا بفاعل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يَا أَبَا جَنْدَلٍ، اصْبِرْ وَاحْتَسِبْ، فَإِنَّ اللهَ عز وجل جَاعِلٌ لَكَ وَلِمَنْ مَعَكَ مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، إِنَّا قَدْ عَقَدْنَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ صُلْحًا، فَأَعْطَيْنَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَأَعْطَوْنَا عَلَيْهِ عَهْدًا، وَإِنَّا لَنْ نَغْدِرَ بِهِمْ).

وقد اغتمّ المسلمون لهذا الشرط المُجحف وكرهوه، وقالوا: يا رسول الله أنكتب هذا؟ قال: (نَعَمْ، إِنَّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ فَأَبْعَدَهُ اللهُ، وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ سَيَجْعَلُ اللهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا)

ولما فَرَغَ رسول الله صلى الله عليه وسلم من كتابة الصلح، قال لأصحابه: (قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا)، فما قام منهم رجل! حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة رضي الله عنها فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله، أتُحبّ ذلك، اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة، حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك: نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأى الصحابة ذلك قاموا، فنحروا وحلقوا رؤوسهم.

ولما رجع النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه إلى المدينة أنزل الله عليه قوله: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا (1) لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا (2) وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3) هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4) لِّيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَٰلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا}[الفتح: 1-5]، فقال صلى الله عليه وسلم: (لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا). 

ثانيًا: بنود صلح الحديبية:

نتج عن هذا الصلح اتفاق سمّي "صلح الحديبية" وكانت بنوده تنص على:

  1. وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس، ويكفّ بعضهم عن بعض.
  2. يردّ المسلمون من يأتي إليهم من قريش مسلمًا دون علم أهله، وأن لا ترد قريش من يأتيها مرتدًا.
  3. من أحبّ من القبائل أن يدخل في عقد محمد صلى الله عليه وسلم وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه. 
  4. يرجع النبي صلى الله عليه وسلم عن مكة عامه ذاك فلا يدخلها، على أن يعود العام القابل فيعتمر.وتضمّن هذا البند بعض التفاصيل، منها: أن تخرج قريش من الحرم ليدخله النبي صلى الله عليه وأصحابه، ليس معهم من السلاح إلا سلاح الراكب، وتكون السيوف في القُرُب، ويبقى في مكة ثلاثة أيام.
  5. ترك المؤاخذة بما تقدم بين الفريقين من أسباب الحرب وغيرها، والمحافظة على الصلح. والتأكيد على ذلك بمنع ما يؤدي إلى رجوع الحرب بين الفريقين. 

ثالثًا: الفوائد والدروس والعبر:

     1. أحكامُ الصلح والمعاهدات أحكامٌ شرعية تؤخذ من الكتاب والسنّة، لذا كان صلح الحديبية من أهم ما يعتمد عليه في هذا الباب، والفوائد والدروس والعبر التي تستخلص منه في غاية الأهمية.

قال ابن القيم رحمه الله: "أخذُ الأحكامِ المتعلّقةِ بالحربِ، ومصالحِ الإسلامِ وأهلهِ وأمرهِ، وأمورِ السياساتِ الشرعيةِ من سيَره ومغازِيهِ أولى مِن أخْذِهَا من آراءِ الرّجالِ"زاد المعاد (3/129)..

     2. مشروعية المبادرة بطلب الصلح، فالرسول صلى الله عليه وسلم لما رأى المصلحة في عقد الصلح ابتدأ بطلبه وسارع إليه، قال ابن القيم رحمه الله: "فيه جواز ابتداء الإمام بطلب صلح العدو، إذا رأى المصلحة للمسلمين فيه، ولا يتوقف ذلك على أن يكون ابتداء الطلب منهم"زاد المعاد: (3/270).

     3. مشروعية عقد الصلح مع الأعداء إذا كان فيه مصلحة للمسلمين، وفي صلح الحديبية تحققت مصالح عظيمة للمسلمين لم تكن لتتحقق بالحرب.

فمن هذه المصالح: توقّف الحرب وحصول الأمن والأمان، وهذا مطلب إسلامي أصيل، تدل عليه نصوص القرآن والسنّة. 

ومنها: الاعتراف بالمسلمين كقوّة لها وزنها، يتم التفاوض معها، ومنحهم مكاسب مهمّة ولو كانت قليلة أو مؤجّلة، كدخول مكّة، وإظهار الحلفاء من القبائل، وانضمام غيرهم معهم.

ومنها: تحييد الأعداء للتفرّغ لأمور مهمة أخرى، كنشر الدعوة، وتثبيت دعائم الدولة، وإقامة العدل، وتحقيق السلم، وحقن الدماء وصيانة الأعراض.

قال ابن القيم رحمه الله: "هذه الهدنة كانت من أعظم الفتوح، فإن الناس أمن بعضهم بعضًا، واختلط المسلمون بالكفار، وبادؤوهم بالدعوة وأسمعوهم القرآن، وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين، وظهر من كان مختفيًا بالإسلام، ودخل فيه في مدة الهدنة من شاء الله أن يدخل، ولهذا سماه الله فتحًا مبينًا"زاد المعاد، (3/268).

وقال النووي رحمه الله: "قال العلماء: والمصلحة المترتبة على إتمام هذا الصلح ما ظهر من ثمراته الباهرة وفوائده المتظاهرة، التي كانت عاقبتها فتح مكة وإسلام أهلها كلها ودخول الناس في دين الله أفواجًا، وذلك أنهم قبل الصلح لم يكونوا يختلطون بالمسلمين ولا تتظاهر عندهم أمور النبي صلى الله عليه وسلم كما هي، ولا يحلّون بمن يعلمهم بها مفصلة، فلمّا حصل صلح الحديبية اختلطوا بالمسلمين وجاءوا إلى المدينة وذهب المسلمون إلى مكة وحلّوا بأهلهم وأصدقائهم وغيرهم ممن يستنصحونه، وسمعوا منهم أحوال النبي صلى الله عليه وسلم مفصّلة بجزئياتها، ومعجزاته الظاهرة وأعلام نبوته المتظاهرة، وحسن سيرته وجميل طريقته، وعاينوا بأنفسهم كثيرًا من ذلك، فمالت نفوسهم إلى الإيمان حتى بادر خلق منهم إلى الإسلام قبل فتح مكة فأسلموا بين صلح الحديبية وفتح مكة، وازداد الآخرون ميلًا إلى الإسلام، فلما كان يوم الفتح أسلموا كلهم لما كان قد تمهد لهم من الميل، وكانت العرب من غير قريش في البوادي ينتظرون بإسلامهم إسلام قريش، فلما أسلمت قريش أسلمت العرب في البوادي، قال تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا}[النصر: 1-2]"شرح صحيح مسلم،  (12/140)..    

     4. مشروعية عقد الصلح مع الأعداء ولو كان في المسلمين قوّة وعزّة، لكنها قوة لا تكفي لاسترجاع الحق واسترداد الأرض وقهر العدو، فقبل الحديبية بسنة وقعت معركة الأحزاب، وهُزم المشركون هزيمة منكرة، حتى قال النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: (الْآنَ نَغْزُوهُمْ، وَلَا يَغْزُونَا)رواه البخاري، حديث رقم (4109)، (4110).. لكنّ هذه القوة مازالت ناشئة، والأعداء يحيطون بالمسلمين من كل جانب.

فإذا كان المسلمون في حال ضعف ومهانة وقد تكالب عليهم الأعداء، فعقد الصلح جائز من باب أولى، حفاظًا على دمائهم وأعراضهم وأموالهم وقوتهم.

     5. عقد الهدنة والصلح لا يعني بالضرورة الحصول على كافّة المكاسب، ولا استعادة كل الحقوق المسلوبة! فالنبي صلى الله عليه وسلّم قَبِلَ –من خلال صلح الحديبية- بزيارة مكّة ثلاثة أيام لا أكثر، في حين أن ديار المسلمين وأموالهم التي خلّفوها في مكة ما تزال بيد الكفّار، بل إن بعض المسلمين ما يزالون تحت سطوة المشركين مضطهدين مغلوبين على أمرهم. 

وفي هذا دلالة على أنه يجوز للمسلمين أن يعقدوا مع الأعداء هدنة إذا كان فيها مصلحة للمسلمين، ولا يشترط في الصلح أن يحقق كل المصالح! 

كما أن تحقيق بعض المصالح لا يعني بحال من الأحوال التنازل عمّا لا يشمله الاتفاق من البنود، كالتنازل عن أرض المسلمين، أو مصير أسراهم، أو نحو ذلك، فإن حصل مثل هذا التنازل والإقرار للعدو فلا شك في أنه لا يجوز.

     6. الصلح يُعقد إذا توفرت دواعيه بغض النظر عن الثقة بالأعداء من عدمه، فلا يُقال لا صلح معهم لأنهم أهل غدر، فقد استمر النبي صلى الله عليه وسلم في طلب الصلح ومضى فيه على الرغم من "أن قريشًا كانوا بعثوا أربعين رجلًا منهم أو خمسين رجلًا، وأمروهم أن يُطِيفُوا بعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليُصيبوا لهم من أصحابه أحدًا، فأُخِذوا أخذًا، فأتي بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعفا عنهم، وخلّى سبيلهم، وقد كانوا رموا في عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجارة والنبل"سيرة ابن هشام، (2/314) عن ابن إسحاق..

     7. الصلح لا يعني تعطيل الجهاد، فالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يسعى إلى الصلح قال: (يَا وَيْحَ قُرَيْشٍ، لَقَدْ أَكَلَتْهُمُ الْحَرْبُ، مَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ خَلَّوْا بَيْنِي وَبَيْنَ سَائِرِ النَّاسِ، فَإِنْ أَصَابُونِي كَانَ الَّذِي أَرَادُوا، وَإِنْ أَظْهَرَنِي اللهُ عَلَيْهِمْ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَهُمْ وَافِرُونَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا، قَاتَلُوا وَبِهِمْ قُوَّةٌ، فَمَاذَا تَظُنُّ قُرَيْشٌ، وَاللهِ إِنِّي لَا أَزَالُ أُجَاهِدُهُمْ عَلَى الَّذِي بَعَثَنِي اللهُ لَهُ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللهُ لَهُ أَوْ تَنْفَرِدَ هَذِهِ السَّالِفَةُ)رواه أحمد، حديث رقم (18910)، والسالفة: صَفْحة العُنُق , والمعنى حتى يُفَرَّق بين رأسي وجَسدي..

ثم لما أُشيع مقتل عثمان رضي الله عنه بايع أصحابه تحت الشجرة  استعدادًا للمعركة المحتملة.

ولما عقد الصلح مع قريش ومن دخل في حلفها: تفرّغ للجهاد ضد أعداء آخرين، فكانت غزوة خيبر ضد اليهود سنة سبع للهجرة.

     8. تحقيق السلم من خلال الصلح عمل مشروع، فقد سلك الرسول صلى الله عليه وسلم طريقاً وعرة عبر ثنية المرار (مهبط الحديبية) ليتفادى الاشتباك مع المشركين، وقال: (مَنْ رَجُلٌ يَخْرَجُ بِنَا عَلَى طَرِيقٍ غَيْرِ طَرِيقِهِمْ الَّتِي هُمْ بِهَا؟ فقال رجل مِنْ أَسْلَمَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَسَلَكَ بِهِمْ طَرِيقًا وَعْرًا أَجْرَلَ [كثير الحجارة] بَيْنَ شِعَاب)سيرة ابن هشام (2/309).. (ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا)رواه البخاري، حديث رقم (2731).

فالحرب لذاتها ليست هدفًا في الإسلام، وإنما هي وسيلة لنشر الدين وإحقاق الحق وإقامة العدل، وإذا تحقق ذلك بالصلح والسلم فهو الأولى وقد يكون المتعيّن، وهذا مصداق قوله تعالى: {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}[الأنفال: 61]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (أَيُّهَا النَّاسُ، لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلاَلِ السُّيُوفِ)رواه البخاري، حديث رقم (2966)، ومسلم، حديث رقم (1742)..

     9. مدة العهد والصلح:

نصّ صلح الحديبية على وقف الحرب عشر سنين، "حَتَّى وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى أَنْ تُوضَعَ الْحَرْبُ بَيْنَهُمَا عَشْرَ سِنِينَ ، وَأَنْ يَأْمَنَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ"البيهقي في السنن الكبرى، (18809).، لكن هل يجوز أكثر من عشر سنين؟

قال القاضي: "إنما هادنهم عشر سنين لضعف المسلمين وهي أقصى مدة المهادنة عند الشافعي، فلا يجوز الزيادة عليها: لأنه تعالى أمر بقتال الكفار في عموم الأوقات والأحوال، فلا يستثنى منه إلا القدر الذي استثناه الرسول صلى الله عليه وسلم، وقيل: لا يجوز أكثر من ثلاث سنين، إذْ الصلح لم يبق منهم أكثر من ذلك، فإن المشركين نقضوا العهد في السنة الرابعة، فغزاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الفتح، ضَعْفُهُ ظَاهرٌ، وقيل: لا حدّ لها وأنّ تقدير مدتها موكول إلى رأي الإمام واقتضاء الحال. 

قال ابن الهمام: لا يقتصر جواز مدة الموادعة على المدة المذكورة وهي عشر سنين: لأن ما علل جوازها به هو حاجة المسلمين، أو ثبوت مصلحتهم، فإنه قد يكون بأكثر، بخلاف ما إذا لم تكن الموادعة أو المدة خيرًا للمسلمين، فإنه لا يجوز: لأنه تركٌ للجهادِ صورةً ومعنىً، وما أبيح إلا باعتبار أنه جهاد، وذلك إنما يتحقق إذا كان خيرًا للمسلمين، وإلا فهو ترك للمأمور به، وبهذا يندفع ما نقل عن بعض العلماء من منعه أكثر من عشر سنين"مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/2624)..

قال ابن القيم رحمه الله: "وفيها: جواز صلح أهل الحرب على وضع القتال عشر سنين، وهل يجوز فوق ذلك؟ الصواب أنه يجوز للحاجة والمصلحة الراجحة، كما إذا كان بالمسلمين ضعف وعدوهم أقوى منهم وفي العقد لما زاد عن العشر مصلحة للإسلام"زاد المعاد، (3/371)..

     10. العناية بفقه الموازنات، والترجيح بين المصالح والمفاسد، والدفع بأقل المفاسد: فالنبي صلى الله عليه وسلم قَبِلَ أن يردّ من يأتيه من قريش مسلمًا دون علم أهله، وبدأ بأبي جندل رضي الله عنه، (وَلَمْ يَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدٌ مِنَ الرِّجَالِ إِلَّا رَدَّهُ فِي تِلْكَ المُدَّةِ، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا)رواه البخاري، حديث رقم (4180)..

وقبول الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الشرط -رغم ما فيه من المفسدة على المسلمين المهاجرين، والمصلحة للمشركين-  كان لتحقيق مصلحة أكبر، وهي إتمام الصلح وما سيترتب عليه من مصالح لعامة المسلمين. قال الخطابي رحمه الله: "وفي إجابته صلى الله عليه وسلم إياهم إلى ذلك أن يرد إلى الكفار من جاءه منهم مسلمًا دليل على جواز أن يقرّ الإمام فيما يصالح عليه العدو ببعض ما فيه الضيم على أهل الدين، إذا كان يرجو لذلك فيما يستقبله عاقبة حميدة، سيما إذا وافق ذلك زمان ضعف المسلمين عن مقاومة الكفار وخوفهم الغلبة منهم"معالم السنن، (2/331)..

وقال ابن القيم رحمه الله: "مصالحة المشركين ببعض ما فيه ضيم على المسلمين جائزة للمصلحة الراجحة، ودفع ما هو شر منه، ففيه دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما"زاد المعاد، (3/268)..

     11. التنازل عن بعض الشكليات لتحقيق الصلح، فقد تنازل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الأمور التي اعترض عليها سهيل بن عمرو رضي الله عنه، ككتابة "بسم الله الرحمن الرحيم" ووصف محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة، وذلك في سبيل إتمام الصلح.

قال الخطابي رحمه الله: "وفي امتناع سهيل بن عمرو على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصدّر كتاب الصلح بـ"بسم الله الرحمن الرحيم" ومطالبته إياه أن يكتب "باسمك اللهم" ومساعدة رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه على ذلك بابٌ من العلم فيما يجب من استعمال الرفق في الأمور، ومداراة الناس فيما لا يلحق دين المسلم به ضرر، ولا يبطل معه لله سبحانه حق"معالم السنن، (2/330)..  

وكذلك فعل عليٌ عندما عقد الصلح مع أهل الشام، فقد كتب اسمه المجرّد دون وصف أمير المؤمنينلا يُفهم من هذه الرواية أن معاوية رضي الله عنه كان ينازع عليًا رضي الله عنه الخلافة، وإنما كان خلافهما لأمر آخر يتعلّق بمقتل عثمان رضي الله عنه وقتلته، فإن صحّت الرواية التي فيها الاعتراض على وصفه بأمير المؤمنين فلعله من فعل المفاوضين دون علم معاوية بذلك، والله أعلم.، فنقم عليه الخوارج ذلك وقالوا: "محا نفسه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين" فقال لهم ابن عباس رضي الله عنهما في مناظرته المشهورة لهم: "وأما قولكم: محا نفسه من أمير المؤمنين، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا قريشًا يوم الحديبية على أن يكتب بينه وبينهم كتابًا، فقال: (اكْتُبْ هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) فقالوا: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله، فقال: (وَاللَّهُ إِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ حَقًّا وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي، اكْتُبْ يَا عَلِيُّ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ)، فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان أفضل من علي رضي الله عنه، أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم، فرجع منهم عشرون ألفًا وبقي منهم أربعة آلاف فقتلوا"رواه عبدالرزاق في مصنّفه، حديث رقم (18678)، والطبراني في المعجم الكبير، حديث رقم (10598)..  

     12. جواز توسيط المشركين في الصلح: فقد جاء بُديل بن ورقاء في رجال من خزاعة، وكانوا عَيْبَةَ نُصْحِ رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامةينظر: صحيح البخاري، حديث رقم (2731)، والعيبة: ما توضع فيه الثياب لحفظها، أي أنهم موضع النصح له, والأمانة على سره، كأنه شبّه الصدر الذي هو مستودع السر بالعيبة التي هي مستودع الثياب.، فأخبروه خبر قريش فأخبرهم أنه لم يأت لقتال وإنما جاء معتمرًا، "فرجعوا إلى قريش فقالوا: يا معشر قريش، إنكم تعجلون على محمد، وإن محمدًا لم يأت لقتال، إنما جاء زائرًا لهذا البيت، معظّمًا لحقه ... قال الزهري: وكانت خُزاعة في غيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمُها ومشركُها لا يخفون على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا كان بمكة"رواه أحمد، حديث رقم (18910)..

     13. جواز الاستعانة بالمشركين المأمونين في الحرب: (خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا أَتَى ذَا الحُلَيْفَةِ، قَلَّدَ الهَدْيَ وَأَشْعَرَهُ وَأَحْرَمَ مِنْهَا بِعُمْرَةٍ، وَبَعَثَ عَيْنًا لَهُ مِنْ خُزَاعَةَ، وَسَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَانَ بِغَدِيرِ الأَشْطَاطِ أَتَاهُ عَيْنُهُ، قَالَ: إِنَّ قُرَيْشًا جَمَعُوا لَكَ جُمُوعًا، وَقَدْ جَمَعُوا لَكَ الأَحَابِيشَ، وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ، وَصَادُّوكَ عَنِ البَيْتِ، وَمَانِعُوكَ)رواه البخاري (4178)..

فالرسول صلى الله عليه وسلم أرسل عيناً له من خزاعة واسمه بسر بن سفيان، وهو مشرك، قال ابن القيم رحمه الله: "الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة عند الحاجة، لأن عينه الخزاعي كان كافراً إذ ذاك، وفيه من المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدو وأخذه أخبارهم"زاد المعاد، (3/268).

     14. جواز تكوين التحالفات مع غير المسلمين، إذا كان يصبّ في مصلحة المسلمين، ويزيد من قوتهم، ويصعّب على أعدائهم مهمّة قتالهم أو الاعتداء عليهم أو الغدر بهم أو حياكة المؤامرات ضدّهم، ويستفاد هذا من تحالفه صلى الله عليه وسلم مع بعض قبائل العرب الذين لم يدخلوا في الإسلام حينهاـ كخزاعة.

     15. الشورى وعدم الاستبداد بالرأي: عندما علم الرسول صلى الله عليه وسلم أن قريشاً ستصده وتمنعه من دخول البيت الحرام قام في أصحابه وقال: (أَشِيرُوا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيَّ، أَتَرَوْنَ أَنْ أَمِيلَ إِلَى عِيَالِهِمْ وَذَرَارِيِّ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَصُدُّونَا عَنِ البَيْتِ، فَإِنْ يَأْتُونَا كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ قَطَعَ عَيْنًا مِنَ المُشْرِكِينَ، وَإِلَّا تَرَكْنَاهُمْ مَحْرُوبِينَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَرَجْتَ عَامِدًا لِهَذَا البَيْتِ، لاَ تُرِيدُ قَتْلَ أَحَدٍ، وَلاَ حَرْبَ أَحَدٍ، فَتَوَجَّهْ لَهُ، فَمَنْ صَدَّنَا عَنْهُ قَاتَلْنَاهُ. قَالَ: امْضُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ)رواه البخاري، حديث رقم (4178).

فالرسول صلى الله عليه وسلم -رغم من أنه مؤيد بالوحي- لم ينفرد بالتصرّف أو يستبد بالرأي، وإنما استشار أصحابه، وأشار عليه أبو بكر رضي الله عنه وأخذ بمشورته.

وهذه الاستشارة فيها فوائد كثيرة، قال ابن القيم رحمه الله: "استحباب مشورة الإمام رعيته وجيشه استخراجاً لوجه الرأي واستطابة لنفوسهم، وأمناً لعتبهم، وتعرّفاً لمصلحة يختص بعلمها بعضهم دون بعض، وامتثالاً لأمر الرب في قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}[آل عمران: 159]، وقد مدح سبحانه وتعالى عباده بقوله: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}[الشورى: 38]"زاد المعاد، (3/268)..  

     16. مشاركة المرأة في الشورى والأخذ برأيها: فبعد أن تم عقد الصلح والذي ينصّ على عودة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة: أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلق رؤوسهم ونحر هديهم، لكن بسبب شدّة هذا الأمر على نفوسهم، ذُهلوا عن الاستجابة السريعة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، ولعلّ بعضهم كان يرجو أن يتغير هذا الواقع، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم على زوجه أم سلمة، فأشارت عليه أن يبدأ هو بالحلق والنحر، فهذا أطيب لنفوسهم، وأدعى لاستجابتهم، وهذا ما حصل بالفعل.

فالنبي صلى الله عليه وسلم استشار أم سلمة في قرار مصيري يتعلق بالمسلمين، وأشارت عليه برأي حكيم، وأخذ برأيها وعمل به، وهذا دليل على مشاركة المرأة في الشورى واعتبار رأيها.

قال ابن حجر رحمه الله: "جواز مشاورة المرأة الفاضلة، وفضل أم سلمة ووفور عقلها"فتح الباري، (5/347).

    17. من فقه المفاوض معرفته بحال المفاوضين من خصومه، والوسطاء بينهما، وطريقة تعامله مع كل منهم، وهذا يتضح من تصرّف النبي صلى الله عليه وسلم مع كل من قابلهم في هذا الصلح:ينظر: السيرة النبوية، دروس وعبر في تربية الأمة وبناء الدولة، د. علي الصلابي، (8/61).

   ♦ فخزاعة وعلى رأسهم بُديل بن ورقاء هم حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم، لذا فقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم أن يوضّح لهم موقفه، ويبرز لهم في الوقت نفسه قوّته واستعداده للحرب إن رفضت قريش الصلح، وفي المقابل عبّر عن شفقته على عدوّه الذي أنهكته الحرب، وهذا الموقف من النبي صلى الله عليه وسلم سيزيد من قوة التحالف بينه وبين خزاعة.

   ♦ وعُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيّ الذي حاول أن يستخدم الحرب النفسية مع المسلمين، بتعظيم قوة قريش، وأن المسلمين لا يملكون سوى الفرار أمامها، فأراه النبي صلى الله عليه وسلم طاعة الصحابة وحبهم له، وتفانيهم بالدفاع عنه، وما يتمتعون به من معنويات عالية جداً، واستعداد عسكري ونفسي يفوق الوصف، فعاد عروة إلى قريش محّذرًا من  التعجُّل في الدخول مع المسلمين في حرب ستأتي نتائجها لصالحهم.

   ♦ والحِلْسَ بن علقمة الكناني سيد الأحابيش، الذي علم النبي صلى الله عليه وسلّم تعظيمه للبيت وحرمته: (إنَّ هَذَا مِنْ قَوْمٍ يَتَأَلَّهُونَ)، فأمر الصحابة بأن يرفعوا أصواتهم بالتلبية، وأن يرسلوا الهدي في وجهه، فعاد إلى قريش قبل أن يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم، معترفًا بظلمها، آمرًا إياها أن تخلّي بينه وبين البيت!

   ♦ ومِكْرَزَ الذي قال عنه: (هَذَا مِكْرَزٌ، وَهُوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ).

   ♦ وسهيل بن عمرو الذي تفاءل النبي صلى الله عليه وسلم بقدومه لما يعلمه من حاله، فقال: (لَقَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ)، (قَدْ أَرَادَ الْقَوْمُ الصُّلْحَ حِينَ بَعَثُوا هَذَا الرَّجُلَ).

     18. هدي النبي صلى الله عليه وسلم في المفاوضات، والذي تتمثل في جملة من الأمور:ينظر: المرجع السابق.

   ♦ البدء بعرض الهدنة والصلح على مشركي مكة، لما سيحققه ذلك من فوائد للمسلمين.

   ♦ الحرص على إبقاء باب الاتصال مفتوحاً، ليسمع منهم ويسمعوا منه بواسطة الرسل والسفراء، وفي هذا تقريب للنفوس وتبريد لجو الحرب، وإضعاف لحماسهم نحو القتال.

   ♦ التمسك بالهدف من القدوم إلى مكّة وإظهاره وهو قصد البيت وتعظيمه وهذا يجعل الآخرين يتعاطفون معه فيقوي مركزه، ويضعف مركز قريش الإعلامي والديني في نفوس الناس.

     19. يؤخذ من جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم لبديل بن ورقاء حسن التلطف في الوصول إلى الطاعات وإن كانت غير واجبة، مالم يكن ذلك ممنوعاً شرعاً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب المشركين لما طلبوا منه، ولم يظهر لهم ما في النفوس من البغض لهم والكراهية فيهم لطفاً منه عليه الصلاة والسلام فيما يؤمل من البلوغ إلى الطاعة التي خرج إليهاصلح الحديبية لأبي فارس، (ص: 68).

     20. الصبر وتكرار المفاوضات حتى الوصول إلى المعاهدة.

فهذا الصلح يرينا "مبلغ صبر النبي صلى الله عليه وسلم واحتماله وتنازله عن بعض حقوقه في سبيل إتمام هذا الصلح، ولو أن النبي صلى الله عليه وسلم استجاب لرغبات بعض المسلمين أو لهوى في نفسه لما تم الصلح، وهذا يدل على سمو نفسه سموًّا يعلو على الجاه وعن هوى النفس وعن الألقاب، وكل ذلك حرصًا على الوفاء بما وعد به حين قال: (والله لا يسألوني خطة يعظّمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها)، وإنّ ما حصل في الحديبية ليعتبر مثالًا يُحتذى في المساهِل في الشروط طلبًا للأمن والسلام"السيرة النبوية، محمد أبو زهرة، (2/336)..

     21. الحميّة للدين، والغضب لله تعالى، والغيرة على محارم الله أمر محمود، يستفاد هذا من موقف الصحابة رضي الله عنهم من بعض بنود الصلح التي كان ظاهرها الإجحاف بالمسلمين، وأعظم ما كان من الصحابة رضي الله عنهم في ذلك موقفهم من إرجاع أبي جندل رضي الله عنه بعد أن نجا من المشركين، وقدم إلى المسلمين يرسف في قيوده، يستغيث بهم!

لكنّ هذه الحمية والغيرة وهذا الغضب يجب أن ينضبط بضوابط الشرع، فلا يُبيح بحال من الأحوال الغدر، ولا ترك الوفاء بالعهد، وهذا ما كان منهم رضي الله عنهم، فقد استطاعوا ضبط أنفسهم، والسيطرة على عواطفهم، وكتم ما اعتلج في صدورهم من الغيظ.

حتى عمر رضي الله عنه الذي راجع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يستجب له، ذهب إلى أبي بكر يسأله، فأجابه بمثل ما أجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فامتثل، رغم أنه بقي في نفسه شيء حتى (نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْفَتْحِ، فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ، فَأَقْرَأَهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوْ فَتْحٌ هُو؟ قَالَ: نَعَمْ، فَطَابَتْ نَفْسُهُ وَرَجَعَ)رواه مسلم، حديث رقم (1785).

     22. على القائد وأهل الحل والعقد الذين بيدهم إبرام العهود والمواثيق والصلح مع الأعداء أن يرفقوا بالناس ويُفهموهم المصلحة فيما قاموا به بالحكمة واللين والصبر، وهذا مستفاد من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يُطمئن أصحابه ويعدهم بالنصر: (إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ وَهُوَ نَاصِرِي)، وقوله لعمر: (فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ) يعني البيت العتيق، ويجيب على تساؤلاتهم بالعقل، فعندما سأل عمر عن الوعد بزيارة البيت والطواف به أجابه الرسول صلى الله عليه وسلم: (فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ العَامَ)؟ ثم لما ثبت صدق اجتهاده صلى الله عليه وسلم فيما ذهب إليه ونزل القرآن مبشّرًا بالفتح أرسل إلى عمر فقرأ عليه ما أنزل عليه من القرآن في شأنه. 

     23. اتهام الرأي والابتعاد عن تخطئة الآخرين وتخوينهم:

لما ردّ النبي صلى الله عليه وسلم أبا جندل بن سهيل بن عمرو إلى المشركين، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: أَلَسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا، قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ، وَعَدُوُّنَا عَلَى البَاطِلِ، قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ، وَهُوَ نَاصِرِي، قُلْتُ: أَوَلَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي البَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: بَلَى، فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ العَامَ، قَالَ: قُلْتُ: لاَ، قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ، قَالَ: فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَيْسَ هَذَا نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى البَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ، وَهُوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ"رواه البخاري، حديث رقم (2731)..

فالصحابة رضوان الله عليهم لم يكونوا راضين عن هذا الصلح، ثم تبيّن لهم خطأ موقفهم. 

قال ابن القيم: "وحقيقة الأمر أن الفتح -في اللغة- فتح المغلق، والصلح الذي حصل مع المشركين بالحديبية كان مسدودًا مغلقًا حتى فتحه الله، وكان من أسباب فتحه صدّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت، وكان في الصورة الظاهرة ضيمًا وهضمًا للمسلمين، وفي الباطن عزًّا وفتحًا ونصرًا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى ما وراءه من الفتح العظيم والعز والنصر من وراء ستر رقيق، وكان يعطي المشركين كل ما سألوه من الشروط التي لم يحتملها أكثر أصحابه ورؤوسهم، وهو صلى الله عليه وسلم يعلم ما في ضمن هذا المكروه من محبوب {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}[البقرة: 216].

وربما كان مكروه النفوس إلى ... محبوبها سببًا ما مثله سبب

فكان يدخل على تلك الشروط دخول واثق بنصر الله له وتأييده، وأنّ العاقبة له، وأنّ تلك الشروط واحتمالها هو عين النصرة، وهو من أكبر الجند الذي أقامه المشترطون ونصبوه لحربهم وهم لا يشعرون، فذلّوا من حيث طلبوا العز، وقهروا من حيث أظهروا القدرة والفخر والغلبة، وعزّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعساكر الإسلام من حيث انكسروا لله واحتملوا الضيم له وفيه، فدار الدور، وانعكس الأمر، وانقلب العز بالباطل ذلًا بحق، وانقلبت الكسرة لله عزًا بالله، وظهرت حكمة الله وآياته وتصديق وعده ونصرة رسوله على أتم الوجوه وأكملها التي لا اقتراح للعقول وراءها"زاد المعاد، (3/275).

وقد فهم سهل بن حنيف رضي الله عنه -وكان قد حضر صلح الحديبية- هذا المعنى، وقال لأصحاب علي رضي الله عنه الذين اعترضوا عليه لما قبل بالتحكيم: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ، لَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ لَوْ نَرَى قِتَالًا لَقَاتَلْنَا فِي الصُّلْحِ الَّذِي كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ"رواه أحمد، حديث رقم (15975)، ونعيم بن حماد في الفتن، وهذا لفظه، حديث رقم (199).

قال النووي رحمه الله: "أراد بهذا تصبير الناس على الصلح، وإعلامهم بما يرجى بعده من الخير، فإنه يرجى مصيره إلى خير وإن كان ظاهره في الابتداء مما تكرهه النفوس، كما كان شأن صلح الحديبية، وإنما قال سهل هذا القول حين ظهر من أصحاب علي رضي الله عنه كراهة التحكيم، فأعلمهم بما جرى يوم الحديبية من كراهة أكثر الناس الصلح وأقوالهم في كراهته، ومع هذا فأعقب خيرًا عظيمًا، فقررهم النبي صلى الله عليه وسلم على الصلح، مع أن إرادتهم كانت مناجزة كفار مكة بالقتال، ولهذا قال عمر رضي الله عنه فعلام نعطي الدنية في ديننا. والله أعلم"شرح صحيح مسلم، (12/141)..  

فالمسلم يبيّن موقفه، ويعبّر عن رأيه، وفي الوقت نفسه يحترم رأي غيره واجتهاده، فقد يكون الصواب معه. 

     24. استثناء النساء من الشروط التي تبقيهن تحت سلطة العدو وقهره، ولذلك لمّا هاجرت بعض النساء إلى المدينة بعد الصلح لم يرجعهنّ النبي صلى الله عليه وسلم إلى المشركين، ونزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَٰلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}[الممتحنة: 10]. 

قال ابن القيم رحمه الله: "الشرط الذي وقع بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الكفار في رد من جاءه مسلمًا إليهم، إن كان مختصًّا بالرجال لم تدخل النساء فيه، وإن كان عامًّا للرجال والنساء فالله سبحانه وتعالى خصص منه رد النساء ونهاهم عن ردهن، وأمرهم برد مهورهن، وأن يردوا منها على من ارتدت امرأته إليهم من المسلمين المهر الذي أعطاها، ثم أخبر أن ذلك حكمه الذي يحكم به بين عباده، وأنه صادر عن علمه وحكمته، ولم يأت عنه ما ينافي هذا الحكم ويكون بعده، حتى يكون ناسخًا"زاد المعاد (3/127-128)..  

     25. وجوب الالتزام بالعهد والمصالحة. كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّا قَدْ عَقَدْنَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ صُلْحًا، فَأَعْطَيْنَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَأَعْطَوْنَا عَلَيْهِ عَهْدًا، وَإِنَّا لَنْ نَغْدِرَ بِهِمْ).

     26. نقض العهد إذا وقع من بعض المسلمين الذين ليسوا تحت سلطة الإمام الذي أبرمه فلا مسؤولية عليه ولا ضمان، قال ابن القيم رحمه الله: "ولما صالحهم على ردّ الرجال، كان يمكنهم أن يأخذوا من أتى إليه منهم، ولا يكرهه على العود، ولا يأمره به، وكان إذا قتل منهم، أو أخذ مالًا، وقد فصل عن يده، ولما يلحق بهم، لم ينكر عليه ذلك، ولم يضمنه لهم، لأنه ليس تحت قهره، ولا في قبضته، ولا أمره بذلك، ولم يقتض عقد الصلح الأمان على النفوس والأموال إلا عمن هو تحت قهره، وفي قبضته ... ولم يقتض عهد الصلح أن ينصرهم على من حاربهم ممن ليس في قبضة النبي صلى الله عليه وسلم وتحت قهره، فكان في هذا دليل على أن المعاهدين إذا غزاهم قوم ليسوا تحت قهر الإمام وفي يده -وإن كانوا من المسلمين- أنه لا يجب على الإمام ردهم عنهم، ولا منعهم من ذلك، ولا ضمان ما أتلفوه عليهم"زاد المعاد (3/128)..

 

لتحميل الملف بجودة عالية من المرفقات أعلاه  ⤴️

1 - ينظر: صحيح البخاري، حديث رقم (2731)، وصحيح مسلم، باب صلح الحديبية في الحديبية، ومسند أحمد، حديث رقم (18928)، وسنن أبي داوود، حديث رقم (2765)، وسنن البيهقي، حديث رقم (18807)، وسيرة ابن هشام (2/380)، والروض الأنف (7/51)، والسيرة النبوية لابن كثير (3/312).
2 - وهذا الفعل من الصحابة رضي الله عنهم من التبرك المشروع؛ لأنه تبرّك بذات النبي صلى الله عليه وسلم وبآثاره الحسّية حال حياته.
3 - زاد المعاد (3/129).
4 - زاد المعاد: (3/270).
5 - زاد المعاد، (3/268).
6 - شرح صحيح مسلم،  (12/140).
7 - رواه البخاري، حديث رقم (4109)، (4110).
8 - سيرة ابن هشام، (2/314) عن ابن إسحاق.
9 - رواه أحمد، حديث رقم (18910)، والسالفة: صَفْحة العُنُق , والمعنى حتى يُفَرَّق بين رأسي وجَسدي.
10 - سيرة ابن هشام (2/309).
11 - رواه البخاري، حديث رقم (2731).
12 - رواه البخاري، حديث رقم (2966)، ومسلم، حديث رقم (1742).
13 - البيهقي في السنن الكبرى، (18809).
14 - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/2624).
15 - زاد المعاد، (3/371).
16 - رواه البخاري، حديث رقم (4180).
17 - معالم السنن، (2/331).
18 - زاد المعاد، (3/268).
19 - معالم السنن، (2/330).
20 - لا يُفهم من هذه الرواية أن معاوية رضي الله عنه كان ينازع عليًا رضي الله عنه الخلافة، وإنما كان خلافهما لأمر آخر يتعلّق بمقتل عثمان رضي الله عنه وقتلته، فإن صحّت الرواية التي فيها الاعتراض على وصفه بأمير المؤمنين فلعله من فعل المفاوضين دون علم معاوية بذلك، والله أعلم.
21 - رواه عبدالرزاق في مصنّفه، حديث رقم (18678)، والطبراني في المعجم الكبير، حديث رقم (10598).
22 - ينظر: صحيح البخاري، حديث رقم (2731)، والعيبة: ما توضع فيه الثياب لحفظها، أي أنهم موضع النصح له, والأمانة على سره، كأنه شبّه الصدر الذي هو مستودع السر بالعيبة التي هي مستودع الثياب.
23 - رواه أحمد، حديث رقم (18910).
24 - رواه البخاري (4178).
25 - زاد المعاد، (3/268).
26 - رواه البخاري، حديث رقم (4178).
27 - زاد المعاد، (3/268).
28 - فتح الباري، (5/347).
29 - ينظر: السيرة النبوية، دروس وعبر في تربية الأمة وبناء الدولة، د. علي الصلابي، (8/61).
30 - ينظر: المرجع السابق.
31 - صلح الحديبية لأبي فارس، (ص: 68).
32 - السيرة النبوية، محمد أبو زهرة، (2/336).
33 - رواه مسلم، حديث رقم (1785).
34 - رواه البخاري، حديث رقم (2731).
35 - زاد المعاد، (3/275).
36 - رواه أحمد، حديث رقم (15975)، ونعيم بن حماد في الفتن، وهذا لفظه، حديث رقم (199).
37 - شرح صحيح مسلم، (12/141).
38 - زاد المعاد (3/127-128).
39 - زاد المعاد (3/128).
ملف للتنزيل: 

إضافة تعليق جديد