الاثنين 16 يوليو 2018 الموافق 03 ذو القعدة 1439 هـ

إضاءات فكرية

الخوارج .. نشأتهم وعقائدهم وتاريخهم

26 جمادي اول 1438 هـ


عدد الزيارات : 3178
راغب السرجاني

  • نشأة الخوارج والتعريف بهم:

عرّف أهل العلم الخوارج بتعريفات، منها ما بيّنه أبو الحسن الأشعري أن اسم الخوارج يقع على تلك الطائفة التي خرجت على رابع الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وبيّن أن خروجهم عليه هو العلّة في تسميتهم بهذا الاسم، حيث قال رحمه الله تعالى: "والسبب الذي سموا له خوارج خروجهم على علي رضي الله عنه لما حكم"الأشعري: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين (1/207)، ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل (2/113)، الشهرستاني: الملل والنحل (1/132)، ابن حجر: هدي الساري في مقدمة فتح الباري ص(459)..

فالخوارج هم أولئك النفر الذين خرجوا على عليٍّ رضي الله عنه بعد قبوله التحكيم في موقعة صفّين، ولهم ألقاب أخرى عُرفوا بها غير لقب الخوارج، ومن تلك الألقاب: الحرورية والشراة والمارقة والمحكّمة، وهم يرضون بهذه الألقاب كلها إلا بالمارقة، فإنهم ينكرون أن يكونوا مارقين من الدين كما يمرق السهم من الرميّةأبو الحسن الأشعري: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين (1/207)..

ومن أهل العلم من يرجّح بداية نشأة الخوارج إلى زمن النبي عليه الصلاة والسلام، ويجعل أول الخوارج ذا الخويصرة الذي اعترض على الرسول عليه الصلاة والسلام في قسمة ذهب كان قد بعث به علي رضي الله عنه من اليمن، ويتضح ذلك من الحديث النبوي الشريف الذي رواه الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري رضي الله عنه حيث قال: (بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْيَمَنِ بِذُهَيْبَةٍ فِي أَدِيمٍ مَقْرُوظٍأديم مقروظ: في جلد مدبوغ بالقرظ. لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَاأي: لم تميز ولم تصف من تراب معدنها.. قَالَ: فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ بَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ وَالأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ وَزَيْدِ الْخَيْلِ، وَالرَّابِعُ إِمَّا عَلْقَمَةُ بْنُ عُلاَثَةَ وَإِمَّا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهَذَا مِنْ هَؤُلاَءِ. قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام، فَقَالَ: (أَلاَ تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً). قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ نَاشِزُ الْجَبْهَةِ كَثُّ اللِّحْيَةِ مَحْلُوقُ الرَّأْسِ مُشَمَّرُ الإِزَارِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اتَّقِ اللَّهَ! قَالَ: (وَيْلَكَ! أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الأَرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ). قَالَ: ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ. قَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلاَ أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟! قَالَ: (لاَ، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي). فَقَالَ خَالِدٌ: وَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلاَ أَشُقَّ بُطُونَهُمْ). قَالَ: ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ وَهُوَ مُقَفٍّ فَقَالَ: (إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ رَطْبًا لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ". وَأَظُنُّهُ قَالَ: "لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ)صحيح البخاري (4004)، صحيح مسلم (1763)، مسند أحمد (10585)..

ويعلّق ابن الجوزي -رحمه الله- على هذا الحديث فيقول: "أول الخوارج وأقبحهم حالةً ذو الخويصرة التميمي. وفي لفظ أنه قال له: (وَيْلَكَ! وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ، قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ)"صحيح البخاري (3341)، ( 5697)، (6421)، سنن ابن ماجه (168)، مسند أحمد (11112)، (14276)، (14292).! فهذا أول خارجي خرج في الإسلام، وآفته أنه رضي برأي نفسه، ولو وقف لعلم أنه لا رأي فوق رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأتباع هذا الرجل هم الذين قاتلوا علي بن أبي طالب رضي الله عنهابن الجوزي: تلبيس إبليس ص (90).، وممن أشار بأن أول الخوارج ذو الخويصرة: أبو محمد بن حزمابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/157).، وكذا الشهرستانيالشهرستاني: الملل والنحل (1/134).. ومن العلماء من يرى أن نشأة الخوارج بدأت بالخروج على عثمان رضي الله عنه بإحداثهم الفتنة التي أدت إلى قتله رضي الله عنه ظلمًا وعدوانًا، وسميت تلك الفتنة التي أحدثوها بالفتنة الأولىد. ناصر علي عائض حسن الشيخ: عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام (3/1141)..

وقد أطلق ابن كثير على الغوغاء الذين خرجوا على عثمان رضي الله عنه وقتلوه اسم الخوارجابن كثير: البداية والنهاية (7/202)..

  • الرأي الراجح حول نشأة الخوارج.

بالرغم من الارتباط القوي بين ذي الخويصرة والغوغاء الذين خرجوا على عثمان رضي الله عنه وبين الخوارج الذين خرجوا على علي رضي الله عنه بسبب التحكيم فإن مصطلح الخوارج بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة لا ينطبق إلا على الخارجين بسبب التحكيم، بحكم كونهم جماعة في شكل طائفة لها اتجاهها السياسي وآراؤها الخاصة، أحدثت أثرًا فكريًّا عقديًّا واضحًا، بعكس ما سبقها من حالاتالعواجي: فرق معاصرة (1/67)، عبد الحميد علي ناصر فقيهي: خلافة علي بن أبي طالب ص (297)، د. علي الصلابي: فكر الخوارج والشيعة في ميزان أهل السنة والجماعة ص(16)..

  • ذم الخوارج في السنة النبوية

لقد وردت أحاديث كثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام في ذمّ الخوارج، منها ما روي عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَقْسِمُ قِسْمًا أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اعْدِلْ! فَقَالَ: (وَيْلَكَ! وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ، قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ). فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي فِيهِ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ. فَقَالَ: (دَعْهُ، فَإِنَّ لَهُ أَصْحَاباً يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاَتَهُ مَعَ صَلاَتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ فَمَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ -وَهُوَ قِدْحُهُ- فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى قُذَذِهِ فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ، آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ، وَيَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ). قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فَالْتُمِسَ فَأُتِيَ بِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ النَّبِيِّعليه الصلاة والسلام الَّذِي نَعَتَهُصحيح البخاري (3341 )..

وعَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُولَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ، وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فَإِنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةٌ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (سَيَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ أَحْدَاثُ الأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الأَحْلاَمِ يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْراً لِمَنْ قَتَلَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)صحيح مسلم (1771)..

وعَنْ يُسَيْرِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَأَلْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ: هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام يَذْكُرُ الْخَوَارِجَ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُهُ وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ: (قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ بِأَلْسِنَتِهِمْ لاَ يَعْدُو تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ)صحيح مسلم (1776)..

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي اخْتِلاَفٌ وَفُرْقَةٌ، قَوْمٌ يُحْسِنُونَ الْقِيلَ وَيُسِيئُونَ الْفِعْلَ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنْ الرَّمِيَّةِ، لاَ يَرْجِعُونَ حَتَّى يَرْتَدَّ عَلَى فُوقِهِ، هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ، طُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ وَقَتَلُوهُ، يَدْعُونَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَلَيْسُوا مِنْهُ فِي شَيْءٍ، مَنْ قَاتَلَهُمْ كَانَ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْهُمْ). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا سِيمَاهُمْ؟ قَالَ: (التَّحْلِيقُ). وفي رواية عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ قَالَ: (سِيمَاهُمْ التَّحْلِيقُ وَالتَّسْبِيدُ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَأَنِيمُوهُمْ). قَالَ أَبُو دَاوُد: التَّسْبِيدُ: اسْتِئْصَالُ الشَّعْرِسنن أبي داود (4137)..

وعن أبي كَثِيرٍ مَوْلَى الأَنْصَارِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ سَيِّدِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه حَيْثُ قُتِلَ أَهْلُ النَّهْرَوَانِ، فَكَأَنَّ النَّاسَ وَجَدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْ قَتْلِهِمْ، فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ حَدَّثَنَا بِأَقْوَامٍ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لاَ يَرْجِعُونَ فِيهِ أَبَدًا حَتَّى يَرْجِعَ السَّهْمُ عَلَى فُوقِهِ، وَإِنَّ آيَةَ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِمْ رَجُلاً أَسْوَدَ مُخْدَجَ الْيَدِ إِحْدَى يَدَيْهِ كَثَدْيِ الْمَرْأَةِ لَهَا حَلَمَةٌ كَحَلَمَةِ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ، حَوْلَهُ سَبْعُ هُلْبَاتٍ فَالْتَمِسُوهُ، فَإِنِّي أُرَاهُ فِيهِمْ. فَالْتَمَسُوهُ فَوَجَدُوهُ إِلَى شَفِيرِ النَّهَرِ تَحْتَ الْقَتْلَى فَأَخْرَجُوهُ، فَكَبَّرَ عَلِيٌّ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ! صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. وَإِنَّهُ لَمُتَقَلِّدٌ قَوْسًا لَهُ عَرَبِيَّةً، فَأَخَذَهَا بِيَدِهِ فَجَعَلَ يَطْعَنُ بِهَا فِي مُخْدَجَتِهِ وَيَقُولُ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ! وَكَبَّرَ النَّاسُ حِينَ رَأَوْهُ وَاسْتَبْشَرُوا، وَذَهَبَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَجِدُونَمسند أحمد (635)..

  • مناظرة ابن عباس للخوارج

انفصل الخوارج في جماعة كبيرة من جيش علي رضي الله عنه أثناء عودته من صفين إلى الكوفة، قُدِّر عددها في بعض الروايات ببضعة عشر ألفًا، وحُدِّد في رواية باثني عشر ألفًاالبغدادي: تاريخ بغداد (1/160).، وفي أخرى بستة آلافالنسائي: خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ص(200).، وفي رواية بثمانية آلافابن كثير: البداية والنهاية (7/280، 281).، وفي رواية بأنهم أربعة عشر ألفًامصنف عبد الرزاق (10/157-160)..

وقد انفصل هؤلاء عن الجيش قبل أن يصلوا إلى الكوفة بمراحل، وقد أقلق هذا التفرق أصحاب علي رضي الله عنه وهالهم، وسار علي رضي الله عنه بمن بقي من جيشه على طاعته حتى دخل الكوفة، وانشغل أمير المؤمنين بأمر الخوارج، خصوصًا بعدما بلغه تنظيم جماعتهم من تعيين أمير للصلاة وآخر للقتال، وأن البيعة لله عز وجل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مما يعني انفصالهم فعليًّا عن جماعة المسلميند. علي محمد الصلابي: فكر الخوارج والشيعة في ميزان أهل السنة والجماعة ص(22)..

وكان أمير المؤمنين علي رضي الله عنه حريصًا على إرجاعهم إلى جماعة المسلمين، فأرسل ابن عباس إليهم لمناظرتهم، وهذا ابن عباس يروي لنا ذلك فيقول: "... فقمت وخرجت ودخلت عليهم في نصف النهار وهم قائمون فسلمت عليهم فقالوا: مرحبًا بك يا ابن عباس! فما جاء بك؟ قلت لهم: أتيتكم من عند أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام وصهره وعليهم نزل القرآن وهم أعلم بتأويله منكم، وليس فيكم منهم أحد، لأُبلِّغكُم ما يقولون وأبلّغهم ما تقولون. قلت: أخبروني ماذا نقمتم على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمه؟ قالوا: ثلاثًا. قلت: ما هن؟ قالوا: أما إحداهن فإنه حكّم الرجال في أمر الله فكفر، وقال الله تعالى:{إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ}[الأنعام:57]، ما شأن الرجال والحكم؟ فقلت: هذه واحدة. قالوا: وأما الثانية، فإنه قاتل ولم يسبِ ولم يغنم، فإن كانوا كفارًا سلبهم، وإن كانوا مؤمنين ما أحل قتالهم. قلت: هذه اثنان، فما الثالثة؟ قالوا: إنه محا اسمه من أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين. قلت: هل عندكم شيء غير هذا؟ قالوا: حسبنا هذا. قلت: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله ومن سُنَّة نبيه عليه الصلاة والسلام ما يردّ قولكم، أترضون؟! قالوا: نعم.

قلت: أما قولكم حكّم الرجال في أمر الله، فأنا أقرأ عليكم في كتاب الله أن قد صيّر الله حكمه إلى الرجال في ثُمُن ربع درهم، فأمر الله الرجال أن يحكموا فيه، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ}[المائدة: 95]. فنشدتكم بالله تعالى، أحكم الرجال في أرنب ونحوها من الصيد أفضل أم حكمهم في دمائهم وصلاح ذات بينهم؟! وأنتم تعلمون أن الله تعالى لو شاء لحكم ولم يصيّر ذلك إلى الرجال. قالوا: بل هذا أفضل.

وفي المرأة وزوجها قال الله عز وجل: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا}[النساء: 35]، فنشدتكم بالله حكم الرجال في صلاح ذات بينهم، وحقن دمائهم أفضل من حكمهم في بضع امرأة أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم.

قلت: وأما قولكم قاتل ولم يسبِ ولم يغنم، أفتسبون أُمَّكم عائشة -رضي الله عنها- ثم تستحلون منها ما يُستحل من غيرها وهي أمكم؟ فإن قلتم: إنا نستحل منها ما نستحل من غيرها فقد كفرتم، ولئن قلتم ليست بأمِّنا فقد كفرتم، لأن الله تعالى يقول: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ}[الأحزاب: 6]. فأنتم تدورون بين ضلالتين، فأتوا منها بمخرج! قلت: فخرجت من هذه؟ قالوا: نعم.

وأما قولكم محا اسمه من أمير المؤمنين، فأنا آتيكم بمن ترضون وأراكم قد سمعتم أن النبي عليه الصلاة والسلام يوم الحديبية صالح المشركين، فقال لعلي رضي الله عنه: (اكتبْ، هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ). فقال المشركون: لا والله ما نعلم أنك رسول الله، لو نعلم أنك رسول الله لأطعناك، فاكتب محمد بن عبد الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (امْحُ يَا عَلِيُّ رَسُولَ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي رَسُولُكَ، امْحُ يَا عَلِيُّ، وَاكْتُبْ هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ). فوالله رسول الله عليه الصلاة والسلام خير من عليٍّ، وقد محا نفسه ولم يكن محوه نفسه ذلك محاه من النبوة. أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم. فرجع منهم ألفان، وخرج سائرهم فقُتلوا على ضلالتهم، قتلهم المهاجرون والأنصار[23 ].

  • خروج علي لمناظرة بقية الخوارج

بعد مناظرة ابن عباس رضي الله عنه للخوارج واستجابة ألفين منهم له، خرج أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بنفسه إليهم فكلمهم فرجعوا ودخلوا الكوفة، إلا أن هذا الوفاق لم يستمر طويلاً، بسبب أن الخوارج فهموا من علي رضي الله عنه أنه رجع عن التحكيم وتاب من خطيئته -حسب زعمهم- وصاروا يذيعون هذا الزعم بين الناس، فدخل الأشعث بن قيس الكندي إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: "إن الناس يتحدثون أنك رجعت لهم عن كفرك". فلما أن كان الغد الجمعة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه فخطب، فذكّرهم مباينتهم الناس وأمرهم الذي فارقوه فيه، فعابهم وعاب أمرهم. فلما نزل المنبر تنادوا من نواحي المسجد "لا حكم إلا لله"، فقال علي: "حكم الله أنتظر فيكم". ثم قال بيده هكذا يسكتهم بالإشارة، وهو على المنبر حتى أتى رجل منهم واضعًا إصبعيه في أذنيهابن أبي شيبة الكوفي: المصنف (1/733، 734)، الطبري: تاريخ الأمم والملوك (3/114). وهو يقول: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}[الزمر: 65] فقال علي: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ}[الروم:60].

وأعلن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه سياسته الراشدة العادلة تجاه هذه الجماعة المتطرفة، فقال لهم: "إن لكم عندنا ثلاثًا: لا نمنعكم صلاةً في هذا المسجد، ولا نمنعكم نصيبكم من هذا الفيء ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا"الطبري: تاريخ الأمم والملوك (3/114)..

فقد سلّم لهم أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بهذه الحقوق ما داموا لم يقاتلوا الخليفة، أو يخرجوا على جماعة المسلمين، مع احتفاظهم بتصوراتهم الخاصة في إطار العقيدة الإسلامية، فهو لا يخرجهم بداية من الإسلام، وإنما يسلّم لهم بحق الاختلاف دون أن يؤدي إلى الفُرقة وحمل السلاححامد عبد الماجد: الوظيفة العقدية للدولة الإسلامية ص(47)..

وعنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عِيَاضِ بْنِ عَمْرٍو الْقَارِيِّ قَالَ: جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- وَنَحْنُ عِنْدَهَا جُلُوسٌ مَرْجِعَهُ مِنَ الْعِرَاقِ لَيَالِيَ قُتِلَ عَلِيٌّ رضي الله عنه، فَقَالَتْ لَهُ: "يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَدَّادٍ، هَلْ أَنْتَ صَادِقِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ تُحَدِّثُنِي عَنْ هَؤُلاَءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَلِيٌّ؟ قَالَ: وَمَا لِي لاَ أَصْدُقُكِ! قَالَتْ: فَحَدِّثْنِي عَنْ قِصَّتِهِمْ. قَالَ: فَإِنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه  لَمَّا كَاتَبَ مُعَاوِيَةَ وَحَكَمَ الْحَكَمَانِ خَرَجَ عَلَيْهِ ثَمَانِيَةُ آلاَفٍ مِنْ قُرَّاءِ النَّاسِ فَنَزَلُوا بِأَرْضٍ يُقَالُ لَهَا: حَرُورَاءُ مِنْ جَانِبِ الْكُوفَةِ، وَإِنَّهُمْ عَتَبُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا: انْسَلَخْتَ مِنْ قَمِيصٍ أَلْبَسَكَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَاسْمٍ سَمَّاكَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، ثُمَّ انْطَلَقْتَ فَحَكَّمْتَ فِي دِينِ اللَّهِ فَلاَ حُكْمَ إِلاَّ لِلَّهِ تَعَالَى. فَلَمَّا أَنْ بَلَغَ عَلِيًّا مَا عَتَبُوا عَلَيْهِ وَفَارَقُوهُ عَلَيْهِ، فَأَمَرَ مُؤَذِّنًا فَأَذَّنَ أَنْ لاَ يَدْخُلَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلاَّ رَجُلٌ قَدْ حَمَلَ الْقُرْآنَ، فَلَمَّا أَنْ امْتَلأَتْ الدَّارُ مِنْ قُرَّاءِ النَّاسِ دَعَا بِمُصْحَفٍ إِمَامٍ عَظِيمٍ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَصُكُّهُ بِيَدِهِ وَيَقُولُ: أَيُّهَا الْمُصْحَفُ، حَدِّثْ النَّاسَ. فَنَادَاهُ النَّاسُ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا تَسْأَلُ عَنْهُ إِنَّمَا هُوَ مِدَادٌ فِي وَرَقٍ وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ بِمَا رُوِينَا مِنْهُ، فَمَاذَا تُرِيدُ؟ قَالَ: أَصْحَابُكُمْ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ خَرَجُوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ كِتَابُ اللَّهِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فِي امْرَأَةٍ وَرَجُلٍ: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا}[النساء: 35]. فَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ عليه الصلاة والسلام أَعْظَمُ دَمًا وَحُرْمَةً مِنْ امْرَأَةٍ وَرَجُلٍ. وَنَقَمُوا عَلَيَّ أَنْ كَاتَبْتُ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَقَدْ جَاءَنَا سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْحُدَيْبِيَةِ حِينَ صَالَحَ قَوْمَهُ قُرَيْشًا فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). فَقَالَ سُهَيْلٌ: لاَ تَكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فَقَالَ: "كَيْفَ نَكْتُبُ؟" فَقَالَ: اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (فَاكْتُبْ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ). فَقَالَ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ أُخَالِفْكَ. فَكَتَبَ: (هَذَا مَا صَالَحَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قُرَيْشًا)مسند أحمد (621).، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ}[الأحزاب: 21]، وعندما أيقن الخوارج أن عليًّا عازم على إنفاذ أبي موسى الأشعري -رضي الله عنهما- حكمًا، طلبوا منه الامتناع عن ذلك، فأبى عليٌّ عليهم ذلك، وبيّن لهم أن هذا يعدّ غدرًا ونقضًا للأيمان والعهود، فقد كتب بينه وبين القوم عهودًا، وقد قال الله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}[النحل: 91]، فقرر الخوارج الانفصال عن عليٍّ وتعرضوا له في خطبه، وأسمعوه السبَّ والشتم والتعريض بآيات من القرآنابن كثير: البداية والنهاية (7/315)، د. الصلابي: فكر الخوارج والشيعة في ميزان أهل السنة والجماعة ص (29)..

ثم اجتمع الخوارج لتعيين أمير عليهم في منزل عبد الله بن وهب الراسبي فخطبهم خطبة بليغة زهّدهم في الدنيا ورغبهم في الآخرة والجنة، وحثهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم قال: "فاخرجوا بنا إخواننا من هذه القرية الظالم أهلها، إلى جانب هذا السواد إلى بعض كور الجبال، أو بعض هذه المدائن، منكرين لهذه الأحكام الجائرة".

ثم قام حرقوص بن زهير فقال بعد حمد الله والثناء عليه: "إن المتاع بهذه الدنيا قليل، وإن الفراق لها وشيك، فلا تدعونكم زينتها أو بهجتها إلى المقام بها، ولا تلتفت بكم عن طلب الحق وإنكار الظلم {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}"[النحل: 128]، ثم قام سنان بن حمزة الأسدي فقال: "يا قوم، إن الرأي ما رأيتم، وإن الحق ما ذكرتم، فولوا أمركم رجلاً منكم، فإنه لا بد لكم من عمادٍ وسنان، ومن راية تحفون بها وترجعون إليها". فبعثوا إلى زيد بن حصن الطائي -وكان من رؤوسهم- فعرضوا عليه الإمارة فأبى، ثم عرضوها على حرقوص بن زهير فأبى، وعرضوها على حمزة بن سنان فأبى، وعرضوها على شُريح بن أبي أوفى العبسيّ فأبى، وعرضوها على عبد الله بن وهب الراسبي فقبلها وقال: "أما والله لا أقبلها رغبةً في الدنيا ولا أدعها فَرَقًا من الموت"ابن كثير: البداية والنهاية (7/316).، واجتمعوا أيضاً في بيت زيد بن حصن الطائي السنبسي فخطبهم وحثهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتلا عليهم آيات من القرآن، منها قوله تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}[ص: 26]، وقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}[المائدة: 44]، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}[المائدة: 45]، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}[المائدة: 47]، ثم قال: "فأشهد على أهل دعوتنا من أهل قبلتنا أنهم قد اتبعوا الهوى، ونبذوا حكم الكتاب، وجاروا في القول والأعمال، وأن جهادهم حقٌّ على المؤمنين". فبكى رجل منهم يقال له: عبد الله بن سخبرة السلمي، ثم حرّض أولئك على الخروج على الناس، وقال في كلامه: "اضربوا وجوههم وجباههم بالسيوف حتى يطاع الرحمن الرحيم، فإن أنتم ظفرتم وأطيع الله كما أردتم أثابكم ثواب المطيعين له العاملين بأمره، وإن قُتلتم فأيُّ شيءٍ أفضل من المصير إلى رضوان الله وجنته؟!"

ويُعلّق ابن كثير على فساد عقيدتهم فيقول: "وهذا الضرب من الناس من أغرب أشكال بني آدم، فسبحان من نوّع خلقه كما أراد، وسبق في قدره العظيم!"المرجع السابق نفسه، الصفحة نفسها..

وما أحسن ما قال بعض السلف في الخوارج إنهم المذكورونالمرجع السابق نفسه، الصفحة نفسها. في قوله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف: 103-105].

"والمقصود أن هؤلاء الجهلة الضلاَّل، والأشقياء في الأقوال والأفعال، اجتمع رأيهم على الخروج من بين أظهر المسلمين، وتواطئوا على المسير إلى المدائن ليملكوها على الناس ويتحصنوا بها، ويبعثوا إلى إخوانهم وأضرابهم -ممن هو على رأيهم ومذهبهم، من أهل البصرة وغيرها- فيوافوهم إليها ويكون اجتماعهم عليها، فقال لهم زيد بن حصن الطائي: "إن المدائن لا تقدرون عليها، فإن بها جيشًا لا تطيقونه وسيمنعوها منكم، ولكن واعدوا إخوانكم إلى جسر نهر جوخى، ولا تخرجوا من الكوفة جماعاتٍ، ولكن اخرجوا وحدانًا، لئلاّ يفطن بكم"، فكتبوا كتابًا عامًّا إلى من هو على مذهبهم ومسلكهم من أهل البصرة وغيرها، وبعثوا به إليهم ليوافوهم إلى النهر ليكونوا يدًا واحدة على الناس، ثم خرجوا يتسللون وحدانًا لئلاّ يعلم أحد بهم فيمنعوهم من الخروج، فخرجوا من بين الآباء والأمهات والأخوال والخالات وفارقوا سائر القرابات، يعتقدون بجهلهم وقلة علمهم وعقلهم أن هذا الأمر يرضي رب الأرض والسموات، ولم يعلموا أنه من أكبر الكبائر الموبقات، والعظائم والخطيئات، وأنه مما زيّنه لهم إبليس الشيطان الرجيم المطرود عن السموات الذي نصب العداوة لأبينا آدم ثم لذريته ما دامت أرواحهم في أجسادهم مترددات، والله المسؤول أن يعصمنا منه بحوله وقوته، إنه مجيب الدعوات.

وقد تدارك جماعة من الناس بعض أولادهم وإخوانهم فردّوهم وأنّبوهم ووبّخوهم، فمنهم من استمر على الاستقامة، ومنه من فرّ بعد ذلك فلحق بالخوارج فخسر إلى يوم القيامة، وذهب الباقون إلى ذلك الموضع ووافى إليهم من كانوا كتبوا إليه من أهل البصرة وغيرها، واجتمع الجميع بالنهروان وصارت لهم شوكة ومَنَعَة"ابن كثير: البداية والنهاية (7/317)..

فكتب عليٌّ إلى الخوارج بالنهروان: "أما بعد، فقد جاءكم ما كنتم تريدون، قد تفرّق الحكمان على غير حكومة ولا اتفاق، فارجعوا إلى ما كنتم عليه، فإني أريد المسير إلى الشام. فأجابوه أنه لا يجوز لنا أن نتخذك إمامًا وقد كفرت حتى تشهد على نفسك بالكفر، وتتوب كما تبنا، فإنك لم تغضب لله، إنما غضبت لنفسك. فلما قرأ جواب كتابه إليهم يئس منهم، فرأى أن يمضي من معسكره بالنخيلة وقد كان عسكر بها -حين جاء خبر الحكمين- إلى الشام، وكتب إلى أهل البصرة في النهوض معه"البلاذري: أنساب الأشراف (1/343)..

  • معركة النهروان 38هـ

سبب المعركة: كانت الشروط التي أخذها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه على الخوارج أن لا يسفكوا دمًا ولا يروعوا آمنًا ولا يقطعوا سبيلاً، وإذا ارتكبوا هذه المخالفات فقد نبذ إليهم الحرب، ونظرًا لأن الخوارج يكفّرون من خالفهم ويستبيحون دمه وماله، فقد بدأوا بسفك الدماء المحرمة في الإسلام، وقد تعددت الروايات في ارتكابهم المحظورات، فعن رجل من عبد القيس قال: "كنت مع الخوارج فرأيت منهم شيئًا كرهته، ففارقتهم على أن لا أكثر عليهم، فبينا أنا مع طائفة منهم إذ رأوا رجلاً خرج كأنه فزع، وبينهم وبينه نهر، فقطعوا إليه النهر فقالوا: كأنَّا رعناك؟ قال: أجل. قالوا: ومن أنت؟  قال: أنا عبد الله بن خباب بن الأرَتّ. قالوا: عندك حديث تحدثناه عن أبيك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟  قال: سمعته يقول: إنه سمع النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (إن فتنة جائية، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، فإذا لقيتهم، فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول فلا تكن عبد الله القاتل)مصنف ابن أبي شيبة (8/732).، فأخذوه وسرية له معه، فمرّ بعضهم على تمرة ساقطة من نخلة فأخذها فألقاها في فِيه، فقال بعضهم: تمرة معاهد، فبم استحللتها؟ فألقاها من فيه، ثم مروا على خنزير فنفحه بعضهم بسيفه، فقال بعضهم: خنزير معاهد، فبم استحللته؟ فقال عبد الله: ألا أدلكم على ما هو أعظم عليكم حرمة من هذا؟! قالوا: نعم. قال: أنا! فقدموه فضربوا عنقه، فرأيت دمه يسيل على الماء كأنه شراك نعل اندفر بالماء حتى توارى عنه، ثم دعوا بسرية له حبلى فبقروا عما في بطنهامصنف ابن أبي شيبة (8/732، 733)، الطبري: تاريخ الأمم والملوك (3/118)، البغدادي: تاريخ بغداد (1/94).. فأثار هذا العمل الرعب بين الناس وأظهر مدى إرهابهم ببقر بطن هذه المرأة وذبحهم عبد الله كما تذبح الشاة، ولم يكتفوا بهذا بل صاروا يهددون الناس قتلاً، حتى إن بعضهم استنكر عليهم هذا العمل قائلين: ويلكم ما على هذا فارقنا عليًّامصنف ابن أبي شيبة (8/737)..

بالرغم من فظاعة ما ارتكبه الخوارج من منكرات بشعة، لم يبادر أمير المؤمنين علي رضي الله عنه إلى قتالهم، بل أرسل إليهم أن يسلموا القتلة لإقامة الحدّ عليهم، فأجابوه بعناد واستكبار: وكيف نقيدك وكلنا قتله؟ قال: "أوَكلكم قتله؟" قالوا: نعم.المصدر السابق، الصفحة نفسها..

فسار إليهم بجيشه الذي قد أعدَّه لقتال أهل الشام في شهر المحرم من عام 38هـ، وعسكر على الضفة الغربية لنهر النهروان، والخوارج على الضفة الشرقية بحذاء مدينة النهرواند. الصلابي: فكر الخوارج والشيعة ص (33).، وكان أمير المؤمنين علي رضي الله عنه يدرك أن هؤلاء القوم هم الخوارج الذين عناهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمروق من الدين، لذلك أخذ يحث أصحابه أثناء مسيرهم إليهم ويحرضهم على قتالهم، وعسكر الجيش في مقابلة الخوارج يفصل بينهما نهر النهروان، وأمر جيشه ألاّ يبدؤوا بالقتال حتى يجتاز الخوارج النهر غربًا، وأرسل علي رضي الله عنه رسله يناشدهم الله ويأمرهم أن يرجعوا، وأرسل إليهم البراء بن عازب رضي الله عنه يدعوهم ثلاثة أيام فأبواالبيهقي: السنن الكبرى (8/179).، ولم تزل رسله تختلف إليهم حتى قتلوا رسله، واجتازوا النهر، وعندما بلغ الخوارج هذا الحد وقطعوا الأمل في كل محاولات الصلح وحفظ الدماء، ورفضوا عنادًا واستكبارًا العودة إلى الحق وأصرّوا على القتال، قام أمير المؤمنين بترتيب جيشه وتهيئته للقتال، فجعل على ميمنته حِجر بن عدي، وعلى الميسرة شبث بن ربعي ومعقل بن قيس الرياحي، وعلى الخيل أبا أيوب الأنصاري، وعلى الرَّجَّالة أبا قتادة الأنصاري، وعلى أهل المدينة -وكانوا سبعمائة- قيس بن سعد بن عبادة، وأمر عليٌّ أبا أيوب الأنصاري أن يرفع راية أمان للخوارج، ويقول لهم: "من جاء إلى هذه الراية فهو آمن، ومن انصرف إلى الكوفة والمدائن فهو آمن، إنه لا حاجة لنا فيكم إلا فيمن قتل إخواننا". فانصرف منهم طوائف كثيرون، وكانوا أربعة آلاف فلم يبقَ منهم إلا ألف أو أقل مع عبد الله بن وهب الراسبيد. الصلابي: فكر الخوارج والشيعة في ميزان أهل السنة والجماعة ص (34).].

نشوب القتال: زحف الخوارج إلى علي رضي الله عنه فقدّم عليٌّ بين يديه الخيل وقدم منهم الرماة وصفّ الرجّالة وراء الخيّالة، وقال لأصحابه: "كفوا عنهم حتى يبدؤوكم، وأقبلت الخوارج يقولون: "لا حكم إلا لله، الرواح الرواح إلى الجنة"، وبعد معركة حاسمة وقصيرة أخذت وقتًا من اليوم التاسع من شهر صفر عام 38هـ، وأسفرت هذه المعركة الخاطفة عن عددٍ كبير من القتلى في صفوف الخوارج، فتذكر الروايات أنهم أصيبوا جميعًا، ويذكر المسعودي: أن عددًا يسيرًا لا يتجاوز العشرة فرّوا بعد الهزيمة الساحقةالمصدر السابق ص (34-36)..

أما جيش علي رضي الله عنه فقد قُتل منه رجلان فقطصحيح مسلم (1773).، وقيل: قتل من أصحاب عليٍّ اثنا عشر أو ثلاثة عشرابن أبي شيبة الكوفي: المصنف (5/311).. وقيل: لم يقتل من المسلمين إلا تسعة رهطالبغدادي: تاريخ بغداد (1/83)..

ذو الثدية وأثر مقتله في جيش علي رضي الله عنه: كان علي رضي الله عنه يتحدث عن الخوارج منذ ابتداء بدعتهم، وكثيرًا ما كان يتعرض إلى ذكر ذي الثُّدَيَّة، وأنه علامة هؤلاء، ويسرد أوصافه، وبعد نهاية المعركة الحاسمة أمر علي أصحابه بالبحث عن جثة المُخْدَجِ، لأن وجودها من الأدلة على أن عليًّا رضي الله عنه على حقٍّ وصواب. وبعد مدة من البحث مرت على عليٍّ رضي الله عنه وأصحابه، وجد أمير المؤمنين عليٌّ جماعةً مكوّمة بعضها على بعض عند شفير النهر، قال: أخرجوهم. فإذا المخدج تحتهم جميعًا مما يلي الأرض، فكبّر علي رضي الله عنهثم قال: "صدق الله وبلّغ رسوله!" وسجد سجود الشكر، وكبّر الناس حين رأوه واستبشرواابن أبي شيبة الكوفي: المصنف (15/317-319)..

معاملة علي للخوارج: عامل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه الخوارج قبل الحرب وبعدها معاملة المسلمين، فما إن انتهت المعركة حتى أصدر أمره في جنده ألاّ يتبعوا مُدبِرًا أو يذففوا على جريح، أو يمثِّلوا بقتيل، يقول شقيق بن سلمة المعروف بأبي وائل أحد فقهاء التابعين وممن شهد مع عليٍّ حروبه: "لم يسْبِ عليٌّ رضي الله عنه يوم الجمل ولا يوم النهروان"البيهقي: السنن الكبرى (8/182). ومعنى لا يذففوا  على جريح أي لا يحهزوا عليه..

  • الثورة المستمرة وخلافاتهم وانقسامهم

إن فرقة من فرق الإسلام لم تسلك طريق الثورة كما سلكته فرقة الخوارج، حتى لقد أصبحت ثوراتهم وانتفاضاتهم أشبه بالثورة المستمرة في الزمان والمنتشرة في المكان ضد الأمويين، بل وضد علي بن أبي طالب رضي الله عنه منذ التحكيم وحتى انقضاء عهده سنة 40هـ، وعلى درب ثورتهم المستمرة هذه كانت معاركهم المتفرّدة بالاستبسال والفناء في الهدف والمبدأ، معالم تستنفر دماءُ شهدائهم وذكرياتُ ضحاياهم فيها اللاحقين للاقتداء بالسابقين، وبعد هزيمتهم في النهروان بشهرين تجددت ثورتهم فقاتلوا جيش علي رضي الله عنه ثانية في الدَّسْكَرَة بأرض خراسان في ربيع الثاني سنة 38هـ، وكانت قيادتهم لأشرس بن عوف الشيباني.

وفي الشهر التالي لهزيمة الدسكرة تجددت ثورتهم بقيادة هلال بن علفة وأخيه مجالد فقاتلوا جيش عليٍّ رضي الله عنه للمرة الثالثة عند (ماسبذان) بأرض فارس في جمادى الأولى سنة 38هـ.

وبعد هزيمة ماسبذان قادهم الأشهب بن بشر البجلي في خروج آخر في نفس العام، فحاربوا في جرجرايا على نهر دجلة.

وفي رمضان سنة 38هـ زحفوا بقيادة أبي مريم -من بني سعد تميم- إلى أبواب الكوفة، فحاربوا جيش علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهُزِمُوا هناك.

وبعد مقتل علي وتنازل ابنه الحسن لمعاوية رضي الله عنه بدأت حرب الخوارج لأهل الشام، ولقد كادوا يهزمون جيش معاوية رضي الله عنه في أول لقاء لهم به، لولا أن استعان عليهم بأهل الكوفة.

وفي سنة 41هـ قاد سهم بن غالب التميمي والخطيم الباهلي تمردًا داخليًّا ضد بني أمية استمر حتى قضى عليه زياد بن أبيه قرب البصرة سنة 46هـ، أي بعد خمس سنواتد. محمد عمارة: تيارات الفكر الإسلامي ص (27،28)..

واستمرت ثوراتهم ضد الأمويين، ففي آخر شوال سنة 64هـ بدأت ثورتهم الكبرى بقيادة نافع بن الأزرق، وهي الثورة التي بدأت بكسر أبواب سجون البصرة، ثم خرجوا يريدون الأهواز.

وفي سنة 76هـ وسنة 77هـ تمكّنوا بقيادة شبيب بن يزيد بن نعيم من إيقاع عدة هزائم بجيوش الحجاج بن يوسف الثقفي. وغير ذلك من الثورات التي استمرت حتى أواخر الدولة الأموية، وجدير بالذكر أن هذه الثورات الخارجية وإن لم تنجح في إقامة دولة مستقرة يستمر حكم الخوارج فيها طويلاً، إلا أنها قد أصابت الدولة الأموية بالإعياء حتى انهارت انهيارها السريع تحت ضربات الثورة العباسية في سنة 132هـ، فالعباسيون قد قعدوا عن الثورة قُرابة قرن بينما قضى الخوارج هذا القرن في ثورة مستمرة، ثم جاء القَعَدَةُ فقطفوا ثمار ما زرعه الثوّارالمصدر السابق ص(29،30).. 

  • خلافات وانقسامات الخوارج

الخوارج مثلهم كمثل سائر الفرق الإسلامية لم يمنعهم الاتفاق في الأصول من الاختلاف في الفروع والمسائل، فشهد تاريخهم عددًا من الانقسامات قادها عدد من أعلامهم وأئمتهم، ولقد ظل الخوارج بعيدين عن الانقسام حتى عهد إمامهم نافع بن الأزرق (65هـ)، الذي مثّلت فرقته "الأزارقة" أول انقسام داخل تيار الخوارج العام، وبعد أن استشرت الانقسامات والاختلافات في المسائل والفروع ظلت الجماعات الرئيسية في حركة الخوارج هي:

  1. الأزارقة: أتباع نافع بن الأزرق.
  2. النجدات: أتباع نجدة بن عامر الحنفي.
  3. الإباضية: أتباع عبد الله بن إباض.
  4. الصفرية: نسبة إلى زياد الأصفر، أو النعمان بن الأصفر، أو عبد الله بن صفّار على خلاف في ذلك.  

ولقد انقرضت هذه الفروع الخارجية ولم يبقَ من الخوارج سوى الإباضية الذين لا تزال لهم بقايا حتى الآن في أجزاء من الوطن العربي وشرقي إفريقيا، وبالذات في عُمان على الخليج العربي، وفي أنحاء من المغرب العربي (تونس والجزائر)، وفي الجنوب الشرقي للقارة الإفريقية (زنجبار)د. محمد عمارة: تيارات الفكر الإسلامي ص(31-33)..

  • عقائد الخوارج

مع مرور الزمن استقرت آراء عقائدية خاصة بفرقة الخوارج، خالفوا فيها كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، ومن هذه الاعتقادات:

1. تكفير صاحب الكبيرة: إن الخوارج يكفرون مرتكب الكبيرة، ويحكمون بخلوده في النار، وقد استدلوا على معتقدهم ذلك بأدلة، منها قوله تعالى: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}[البقرة: 81]، فقد استدلوا بهذه الآية على تخليد أصحاب المعاصي في النار، وقالوا: إنه لا أمل للعاصي الذي يموت على معصيته في رحمة اللهعلي يحيى معمر: الإباضية في موكب التاريخ (1/133).، فزعموا أن الخطيئة تحيط بالإنسان، فلا يبقى له معها حسنة مقبولة، حتى الإيمان فإنها تذهبه. ولكن الأمر عكس ما ذهبوا إليه تمامًا، وهذه الآية نفسها تردّ مذهبهم، فقد دلت على أن من أحاطت به خطيئته فإنه يخلد في النار، وليس هناك خطيئة تحيط بالإنسان وتحبط أعماله ويخلد بسببها في النار إلا الكفر والشرك بالله. ويؤيد هذا أن تلك الآية نزلت في اليهود، وهم قد أشركوا بالله وحادوا عن سبيلهالشوكاني: فتح القدير (1/105)..

2. وكان الأزارقة -فرقة من غلاة الخوارج- يقولون: إن جميع مخالفيهم من المسلمين مشركون، وإن من لا يسارع إلى دعوتهم واعتناق مذهبهم فإن دمه ودم نسائه وأطفاله حلال، وقد كفّروا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، واعتبروا قاتله عبد الرحمن بن ملجم شهيدًا بطلاًد. مصطفى الشكعة: إسلام بلا مذاهب ص (133)..

3. وإن (النجدات) من الخوارج يرون أنه لا حاجة إلى إمامٍ إذا أمكن الناس أن يتناصفوا فيما بينهم، فإن رأوا أن التناصف لا يتم إلا بإمام يحملهم على الحق فأقاموه جاز، فإقامة الإمام -في نظرهم- ليست واجبة بإيجاب الشرع، بل جائزة، وإذا وجبت فإنما تجب بحكم المصلحة والحاجةالإمام أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية..

4. الخلافة لا تنحصر في قومٍ بعينهم: كان الخوارج يرون أنّ الخلافة لا ينبغي أن تنحصر في قوم بعينهم، بل إنّ كل مسلم صالح للخلافة ما دام قد توافرت فيه شروطها من إيمان وعلم واستقامة، شريطة أن يبايع بها، ولا بأس بعد ذلك في أن يكون من الفرس أو الترك أو الحبش، فالمعنى العصبي الأرستقراطي بعيد عن تفكيرهم، بل عدو لمنهجهم ومسلكهم، واقتصار الخلافة على جنس بعينه -كالجنس العربي- أمر يحاربونه كل المحاربةد. مصطفى الشكعة: إسلام بلا مذاهب ص (130).، فخرجوا على أئمة المسلمين عند أتفه الأسباب، وقد فعلوا ذلك مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فسفكوا الدماء وقطعوا السبل وضيعوا الحقوق، وسعوا في إضعاف المسلمين حتى تكالبت عليهم الأعداء.

ومما سبق يتضح أن الخوارج خالفت ما كان عليه جمهور المسلمين من اشتراط النسب القرشي في الإمام، وقالوا: إنه لا خصوصية لقريش فيها ولا مزية لهم عن سواهم، بل كل ما صار أهلاً لها، جاز توليته من دون أي نظر في نسبهأبو الحسن الأشعري: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين (1/204)، ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/89)، د. الصلابي: فكر الخوارج والشيعة ص (55، 56)..

5. الثورة على أئمة الجور: أجمع الخوارج على وجوب الخروج (الثورة) على أئمة الجور والفسق والضعف، فعندهم أن الخروج يجب إذا بلغ عدد المنكرين على أئمة الجور أربعين رجلاً، ويسمون هذا الحد "حد الشِّراء"، أي الذين اشتروا الجنة عندما باعوا أرواحهم فعليهم وجب الخروج حتى يموتوا أو يظهر دين الله ويخمد الكفر والجور. ولا يحل عندهم المقام والقعود غير ثائرين إلا إذا نقص العدد عن ثلاثة رجال، فإن نقصوا عن الثلاثة جاز لهم القعود وكتمان العقيدة، وكانوا على "مسلك الكتمان".

وهناك غير "حد الشراء" و"مسلك الكتمان": حدّ الظهور، وذلك عند قيام دولتهم ونظامهم تحت قيادة "إمام الظهور" و "حد الدفاع" وهو التصدي لهجوم الأعداء تحت قيادة إمام الدفاعد. محمد عمارة: تيارات الفكر الإسلامي ص (22)..

ويعبر أبو الحسن الأشعري عن إجماع الخوارج على وجوب الثورة بقوله: "وأما السيف فإن الخوارج تقول به وتراه، إلا أن الإباضية لا ترى اعتراض الناس بالسيف، ولكنهم يرون إزالة أئمة الجور ومنعهم من أن يكونوا أئمة بأي شيء قدروا عليه، بالسيف أو بغير السيف"الأشعري: مقالات الإسلاميين (1/32)..

6. إثبات إمامة الصِّدِّيق والفاروق وتكفير عثمان وعلي رضي الله عنهما: فهم يعتقدون أن إمامة أبي بكر وعمر إمامة شرعية لا شك في صحتها ولا ريب عندهم في شرعيتها، وأن إمامتهما كانت برضا المؤمنين ورغبتهم، وأنهما سارا على الطريق المستقيم الذي أمر الله به لم يغيِّرا ولم يبدلا حتى توفاهما الله تعالى.

وهذا المعتقد للخوارج تجاه الشيخين حالفهم فيه السداد والصواب، لكنهم هلكوا فيمن بعدهما، حيث قادهم الشيطان وأخرجهم عن الحق والصواب في اعتقادهم في عثمان وعلي -رضي الله عنهما- فلقد حملهم على إنكار إمامة عثمان رضي الله عنه في المدة التي نقم عليه أعداؤه فيها، كما أنكروا إمامة عليٍّ رضي الله عنه  أيضًا بعد التحكيم، بل أدى بهم سوء معتقدهم إلى تكفيرهما، وتكفير طلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري وعبد الله بن عباس رضي الله عنه، وأصحاب الجمل وصفين.

وقد دوّن أهل العلم هذا المعتقد السيِّئ عنهم في كتبهمد. ناصر علي عائض حسن الشيخ: عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام (3/1157)، د. الصلابي: فكر الخوارج والشيعة ص (61).، فقد قال أبو الحسن الأشعري رحمه الله: "والخوارج بأسرها يثبتون إمامة أبي بكر وعمر، وينكرون إمامة عثمان -رضوان الله عليهم- في وقت الأحداث التي نقم عليه من أجلها، ويقولون بإمامة عليٍّ قبل أن يحكم، وينكرون إمامته لما أجاب إلى التحكيم، ويكفّرون معاوية وعمرو بن العاص وأبا موسى الأشعري"الأشعري: مقالات الإسلاميين (1/204)..

7. الاختيار والبيعة هما الطريق لنصب الإمام: يقف الخوارج مع الرأي القائل بأن "الاختيار والبيعة" هما الطريق لنصب الإمام، ومن ثَمَّ فهم أعداءٌ لفكر الشيعة القائل: إن الإمامة شأن من شؤون السماء لا اختصاص فيها للبشر، وإن السماء قد حدّدت لها أئمة بذواتهم نصّت عليهم، وأوصت لهم قبل وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، وهم أعداء كذلك لمن زعم من السُّنة أن النص والوصية والتعيين قد سبقت من الرسول عليه الصلاة والسلام بالإمامة والخلافة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، مثل فرقة "البكرية".

وعندهم -أيضًا- أن الإمامة من الفروع فليست من أصول الدين، خلافًا للشيعة، ولذلك قالوا: إن مصدرها هو الرأي وليس الكتاب أو السنةد. محمد عمارة: تيارات الفكر الإسلامي ص (23)..

8. إثبات صفة العدل لله: اتفق الخوارج على نفي الجور عن الله عز وجل بمعنى إثبات القدرة والاستطاعة المؤثرة للإنسان، ومن ثَمَّ تقرير حريته واختياره، ففعله المقدور له هو من صنعه على سبيل الحقيقة لا المجاز، ومن هنا فإن مسؤوليته متحققة عن فعله هذا، فجزاؤه بالثواب والعقاب عدل، على عكس مؤدَّى قول الجبرية الذي يقتضي قولهم بالجبر إلحاق الجور بالخالق -تعالى عن ذلك- لإثابته من لا يستحق، وعقابه من لا حيلة له في الذنب ولا سبيل له للفكاك من المكتوب المقدورالمصدر السابق ص(24)..

9. تنزيه الذات الإلهية عن أي شبهة بالمحدثات: أجمع الخوارج على تنزيه الذات الإلهية عن أي شبهة بالمحدثات بما في ذلك نفي مغايرة صفات الله لذاته، أو زيادتها عن الذات، وذلك حتى لا يفتح الباب لشبهة توهم تعدد القدماء، وانطلاقًا من هذا الموقف قالوا: بخلق القرآن -كلام الله- حتى لا يؤدي القول "بقدم الكلمة" إلى ما أدى إليه في المسيحية، عندما قال اللاهوتيون بالتثليث، لأن "كلمة الله " -عيسى بن مريم- قديمة كاللهالسابق نفسه، الصفحة نفسها..

10. صدق وعد الله ووعيده: قالت الخوارج بصدق وعد الله للمطيع، وصدق وعيده للعاصي دون أن يتخلف وعده أو وعيده لسبب من الأسبابد. محمد عمارة: تيارات الفكر الإسلامي ص (24)..

11. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: تميّز موقف الخوارج عن بعض الذين قالوا بهذا الأصل من أهل السنة وأصحاب الحديث، ذلك أن الخوارج قد جعلوا لهذا الأصل صلة وثيقة بالفكر السياسي، والتغيير للظلم والجور الذي طرأ ويطرأ على المجتمعات، كما جعلوا القوة -قضية السيف- أداة أصيلة وسبيلاً رئيسيًا من أدوات النهي عن المنكر، وسبل التغيير للجور والفسادالمصدر السابق، الصفحة نفسها..

12. وفوق ذلك فإن الخوارج قد جمعتهم تقاليد اشتهرت عنهم في القتال، وزهد اتصفوا به في الثروة، فحرّرهم ذلك من قيود الحرص على الاقتناء، وأعانهم على الانخراط في الثورات والرحيل الأسرع في ركاب الجيوش الثائرةالسابق نفسه، الصفحة نفسها.. 

  • دول الخوارج

برزت الخوارج الصفرية في المغرب الأقصى وسيطرت عليه، وظهرت الخوارج الإباضية في المغرب الأدنى والأوسط، وأخضعت أجزاء واسعة لنفوذهامحمود شاكر: الدولة العباسية (50/87)..

فقد قامت دولة للخوارج الصفرية في سجلماسة تدعى (دولة بني مدرار)المصدر السابق (5/161)..

كما قامت دولة للخوارج الإباضية في (تاهرت)، إذ أسسوا هذه المدينة عام 161هـ، وأصبح عبد الرحمن بن رستم إمامًا لهذه الدولة (الدولة الرستمية)، التي استمرت من سنة 160هـ حتى سنة 296هـالسابق نفسه (5/134)، د. مصطفى الشكعة: إسلام بلا مذاهب ص (163)..

أما القطر العماني فقد ظل منذ فجر الإسلام مستقرًّا للمذهب الإباضي، وكان من الأمور الطبيعية أن يسيطر أبناء المذهب على نظام الحكم فيه في شكل إمامة تستمد نظام حكمها وأحكامها من المذهب الشائع بين أهل البلاد.

الإمامة الأولى (إمامة الجلندى):

بدأت الإمامة الأولى في عُمان المستقلة سنة 132هـ على وجه التحديد، وهي السنة التي سقطت فيها دولة بني أمية وقامت دولة بني العباس، وكان أول إمام هو الجلندَى بن مسعود بن جلندَى الجلنداني، ومن الأحداث الطريفة التي ارتبطت بالسنة التي تولى فيها الجلندى الإمامة 132هـ أنه فضلاً عن سقوط بني أمية وقيام خلافة بني العباس، اجتمع فيها ثلاثة أئمة في وقت واحد هم: الجلندى في عمان، وطالب الحق عبد الله بن يحيى في اليمن، وأبو الخطاب المعافري في إفريقية، والأمر الأكثر طرافة أن ثلاثتهم من الإباضية، ومن ثَمَّ فقد أطلق على تلك السنة سنة الإمامة.

إمامة الخروصيين: ظلت أمور عمان مضطربة حتى قيض الله لتلك البلاد إمامًا من بني خروص هو الوارث بن كعب الذي بويع له سنة 179هـ، وقد عاشت دولة بني خروص حتى بعد سنة 400هـ بقليل، لقد انتهت إمامة الخروصيين نهاية حزينة وآلت من بعدهم إلى النباهنة الذين لم تكن حال عمان في عصرهم -من حيث الأمن والاستقرار- بأفضل من عهد سابقيهم، الأمر الذي هيأ لإمامة جديدة في أسرة جديدة.

إمامة اليعاربة: كان ناصر بن مرشد بن سلطان اليعربي الحميري الأزدي أول إمام يعربي ولي الإمامة سنة 1034هـ.

إمامة البوسعيدية: انتقل مُلك اليعاربة إلى أحمد بن سعيد البوسعيدي سنة 1154هـ، وهو جَدُّ الأسرة الحاكمة في عمان في الوقت الحاليد. مصطفى الشكعة: إسلام بلا مذاهب ص (151-159)..

 

 

1 - الأشعري: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين (1/207)، ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل (2/113)، الشهرستاني: الملل والنحل (1/132)، ابن حجر: هدي الساري في مقدمة فتح الباري ص(459).
2 - أبو الحسن الأشعري: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين (1/207).
3 - أديم مقروظ: في جلد مدبوغ بالقرظ.
4 - أي: لم تميز ولم تصف من تراب معدنها.
5 - صحيح البخاري (4004)، صحيح مسلم (1763)، مسند أحمد (10585).
6 - صحيح البخاري (3341)، ( 5697)، (6421)، سنن ابن ماجه (168)، مسند أحمد (11112)، (14276)، (14292).
7 - ابن الجوزي: تلبيس إبليس ص (90).
8 - ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/157).
9 - الشهرستاني: الملل والنحل (1/134).
10 - د. ناصر علي عائض حسن الشيخ: عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام (3/1141).
11 - ابن كثير: البداية والنهاية (7/202).
12 - العواجي: فرق معاصرة (1/67)، عبد الحميد علي ناصر فقيهي: خلافة علي بن أبي طالب ص (297)، د. علي الصلابي: فكر الخوارج والشيعة في ميزان أهل السنة والجماعة ص(16).
13 - صحيح البخاري (3341 ).
14 - صحيح مسلم (1771).
15 - صحيح مسلم (1776).
16 - سنن أبي داود (4137).
17 - مسند أحمد (635).
18 - البغدادي: تاريخ بغداد (1/160).
19 - النسائي: خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ص(200).
20 - ابن كثير: البداية والنهاية (7/280، 281).
21 - مصنف عبد الرزاق (10/157-160).
22 - د. علي محمد الصلابي: فكر الخوارج والشيعة في ميزان أهل السنة والجماعة ص(22).
23 - ابن أبي شيبة الكوفي: المصنف (1/733، 734)، الطبري: تاريخ الأمم والملوك (3/114).
24 - الطبري: تاريخ الأمم والملوك (3/114).
25 - حامد عبد الماجد: الوظيفة العقدية للدولة الإسلامية ص(47).
26 - مسند أحمد (621).
27 - ابن كثير: البداية والنهاية (7/315)، د. الصلابي: فكر الخوارج والشيعة في ميزان أهل السنة والجماعة ص (29).
28 - ابن كثير: البداية والنهاية (7/316).
29 - المرجع السابق نفسه، الصفحة نفسها.
30 - المرجع السابق نفسه، الصفحة نفسها.
31 - ابن كثير: البداية والنهاية (7/317).
32 - البلاذري: أنساب الأشراف (1/343).
33 - مصنف ابن أبي شيبة (8/732).
34 - مصنف ابن أبي شيبة (8/732، 733)، الطبري: تاريخ الأمم والملوك (3/118)، البغدادي: تاريخ بغداد (1/94).
35 - مصنف ابن أبي شيبة (8/737).
36 - المصدر السابق، الصفحة نفسها.
37 - د. الصلابي: فكر الخوارج والشيعة ص (33).
38 - البيهقي: السنن الكبرى (8/179).
39 - د. الصلابي: فكر الخوارج والشيعة في ميزان أهل السنة والجماعة ص (34).]
40 - المصدر السابق ص (34-36).
41 - صحيح مسلم (1773).
42 - ابن أبي شيبة الكوفي: المصنف (5/311).
43 - البغدادي: تاريخ بغداد (1/83).
44 - ابن أبي شيبة الكوفي: المصنف (15/317-319).
45 - البيهقي: السنن الكبرى (8/182). ومعنى لا يذففوا  على جريح أي لا يحهزوا عليه.
46 - د. محمد عمارة: تيارات الفكر الإسلامي ص (27،28).
47 - المصدر السابق ص(29،30).
48 - د. محمد عمارة: تيارات الفكر الإسلامي ص(31-33).
49 - علي يحيى معمر: الإباضية في موكب التاريخ (1/133).
50 - الشوكاني: فتح القدير (1/105).
51 - د. مصطفى الشكعة: إسلام بلا مذاهب ص (133).
52 - الإمام أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية.
53 - د. مصطفى الشكعة: إسلام بلا مذاهب ص (130).
54 - أبو الحسن الأشعري: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين (1/204)، ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/89)، د. الصلابي: فكر الخوارج والشيعة ص (55، 56).
55 - د. محمد عمارة: تيارات الفكر الإسلامي ص (22).
56 - الأشعري: مقالات الإسلاميين (1/32).
57 - د. ناصر علي عائض حسن الشيخ: عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام (3/1157)، د. الصلابي: فكر الخوارج والشيعة ص (61).
58 - الأشعري: مقالات الإسلاميين (1/204).
59 - د. محمد عمارة: تيارات الفكر الإسلامي ص (23).
60 - المصدر السابق ص(24).
61 - السابق نفسه، الصفحة نفسها.
62 - د. محمد عمارة: تيارات الفكر الإسلامي ص (24).
63 - المصدر السابق، الصفحة نفسها.
64 - السابق نفسه، الصفحة نفسها.
65 - محمود شاكر: الدولة العباسية (50/87).
66 - المصدر السابق (5/161).
67 - السابق نفسه (5/134)، د. مصطفى الشكعة: إسلام بلا مذاهب ص (163).
68 - د. مصطفى الشكعة: إسلام بلا مذاهب ص (151-159).

إضافة تعليق جديد