الاثنين 17 يونيو 2019 الموافق 13 شوال 1440 هـ

إضاءات فكرية

فقه إدارة الخلاف

27 رجب 1440 هـ


عدد الزيارات : 805
مروان عبد الرحمن القادري

 

لقد أُتي المسلمون قديمًا وحديثًا من الاختلاف والتفرّق، ولذلك كان لا بدّ من الاستعانة بفقه إدارة الخلاف وآلياته للمحافظة على تماسك الصف الإسلامي لإنجاز مشروعه الإسلامي لسوريا الجديدة، وهو تيار يحسب له أعداء المسلمين في الداخل والخارج ألف حساب وحساب.

وما سأعرضه ما هو إلا محاولة متواضعة ومختصرة في هذا الموضوع سائلًا المولى التوفيق والسداد.

 

  أولًا: وجوب الاجتماع، ونبذ التفرّق:

وهو أصل عظيم في هذا الباب، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وهذا الأصل العظيم وهو الاعتصام بحبل الله جميعًا، وعدم التفرق، هو من أعظم أصول الإسلام،... وباب الفساد الذي وقع في هذه الأمة بل وفي غيرها هو التفرق والاختلاف، فإنّه وقع بين أمرائها وعلمائها من ملوكها ومشايخها وغيرهم من ذلك ما الله به عليم"الفتاوى (22/361).​.

 

  ثانيًا: وجوب الموالاة بين المؤمنين كل بحسبه:

قال الله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71].

لذلك فإنّ من صدق عليه وصف الإسلام لا بدّ أن ينال من الحب والولاء ولوازمهما بقدر ما معه من الإسلام والإيمان، وفي المقابل يجب أن ينال من البغض والتبري بقدر ما معه من عصيان، وأنّ الولاء والحب لا يزولان بالكلية إلا بخروج الإنسان بالكلية من الإسلام.

يقول ابن تيميه رحمه الله تعالى: "وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر، وفجور وطاعة، وسنّة وبدعة، استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا كاللص الفقير تقطع يده لسرقته ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته، هذا هو الأصل الذى اتفق عليه أهل السنة والجماعة"الفتاوى (28/208-210)..

وقال الغزالي في الإحياء: "فإنّه مهما اجتمع في شخص واحد خصال يُحَب بعضها ويُكرَه بعضها فإنّك تحبّه من وجه وتبغضه من وجه، فمن زوجة حسناء فاجرة، أو ولد ذكى خدوم ولكنه فاسق، فإنّه يحبه من وجه ويبغضه من وجه ويكون معه على حالة بين حالتين ... وطرق السلف قد اختلفت في إظهار البغض مع أهل المعاصي، وكلهم اتفقوا على إظهار البغض للظَلَمة والمبتدعة وكلِ من عصى الله بمعصية متعدّية منه إلى غيره، فأمّا من عصى الله في نفسه فمنهم من نظر بعين الرحمة إلى العصاة كلّهم، ومنهم من شدّد الإنكار واختار المهاجرة، فقد كان أحمد بن حنبل يهجر الأكابر في أدنى كلمة، حتى هجر يحيى بن معين لقوله: إني لا أسأل أحدًا شيئًا ولو حمل السلطان إليّ شيئًا لأخذته" انتهىإحياء علوم الدين (2/166-169)..

 

  ثالثًا: وجوب التعاون بين المسلمين رغم اختلافهم:

الأصل في وجوب التعاون بين المسلمين، قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:2]

فإذا اشتمل التعاون على برّ وإثم في آن واحد، رجعنا إلى الأصل الشرعي المتفق عليه وهو إذا تعارضت مصلحتان أُخِذ بالأعلى منهما، كما أنّه إذا تعارضت مفسدتان قدّم الأخف منهما، قال ابن تيميّة رحمه الله تعالى: "فإذا تعذّر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرّتها دون مضرّة ترك ذلك الواجب، كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيرًا من العكس"مجموع الفتاوى (28/212)..

ثمّ لا بدّ من التفريق بين التعاون الذي أُمرنا به وبين الحب والبغض، والولاء والبراء، الذي أُمرنا به كذلك، فحينما نقول يجب أن نتعاون مع المسلمين على البر والتقوى، هذا لا يعني أنّ الحب الكامل والولاء الكامل يجب أن يتوجّه إلى كلّ المسلمين، فالتعاون شيء والحب والبغض شيء آخر، فنحن نتعاون مع الفاسق في بناء مسجد مثلًا مع أنّنا نكرهه ونبغضه في الله، ونتعاون حتى مع الكفار إذا اقتضت مصلحة المسلمين ذلك، قال الله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ*إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الممتحنة:8-9]

وهذا ما فعله النبي -صلى الله عليه وسلم- مع اليهود في وثيقة المدينة.

 

  رابعًا: ولكن، ألا يعتبر التعاون مضادًا للهجر الذي أمرنا به للمخالفين؟

والجواب: أولًا لابدّ أن نعلم أنّ الهجر خلاف الأصل واستثناء منه، إذ الأصل وجوب الألفة والمحبة بين المسلمين، والآيات والأحاديث ونصوص العلماء سلفًا وخلفًا على ذلك متضافرة، قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا، لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث)متفق عليه..

قال النووي: "قال العلماء: وفي هذا الحديث -لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ... الحديث- تحريم الهجر بين المسلمين أكثر من ثلاث، وإباحتها في الثلاث، الأول بنص الحديث، والثاني بمفهومه"شرح النووي على مسلم (16/117)..

ثمّ إنّ الأصل في الهجر المصلحة، كما نصّ على ذلك جمع من العلماء، فحيث وجدت المصلحة جاز الهجر، أما إذا انتفت المصلحة، أو كانت المفسدة المترتبة على الهجر أكبر من المصلحة المترتبة عليه حَرُم، قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم، وقلتهم وكثرتهم، فإنّ المقصود به زجر المهجور عنه وتأديبه، ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخِفْيَتِه كان مشروعًا، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك، بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف، بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته، لم يُشرع الهجر، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف، ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتألّف قومًا ويهجر آخرين"مجموع الفتاوى (28/206).،  وقال في موطن آخر: "فإذا لم يكن في هجرانه انزجار أحد ولا انتهاء أحد، بل بطلان كثير من الحسنات المأمور بها، لم تكن هجرة مأمورًا بها"مجموع الفتاوى (28/212)..

ومن ناحية أخرى، فإنّ الهجر لا ينافي مبدأ التعاون، فإذا قبل المخالف، التعاون على أمر فيه مصلحة للمسلمين مع إصراره على التمسك بما هو عليه من مخالفة -لو تصورنا ذلك- فما المانع من التعاون معه إذا كانت مصلحة المسلمين في الأمر المتعاون عليه هي الغالبة؟ ومن ذلك صورة التحالفات السياسية لإسقاط النظام المستبد.

ولهذا أُمرنا بالجهاد مع البرّ والفاجر من أمراء المسلمين، وعلى مرّ التاريخ جاهدَ علماء المسلمين مع أمرائهم وأئمتهم ولو خالفوهم في بعض مسائل الاعتقاد، لأنّهم رفعوا راية إعلاء كلمة دين الله بصدق.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الْجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا، وَالصَّلاةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْكُمْ خَلْفَ كُلِّ مُسْلِمٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا وَإِنْ عَمِلَ الكبائر، وَالصَّلاةُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ)رواه أبو داود في كتاب الجهاد وسكت عنه [وقد قال في رسالته لأهل مكة كل ما سكت عنه فهو صالح].،  وقال البخاري: "بَابٌ، الجهاد مَاضٍ مَعَ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)صحيح البخاري كتاب الجهاد..

ولابدّ من أن نؤكّد هنا -بناءً على ما تقدّم- إلى أنّ مواقف الأئمة وأقوالهم في المخالفين ينبغي أن تُفهم في ضمن هذا الأصل، وهو أنّ الموقف من المخالف منوط بالمصلحة، فكل زمن له وضعه وأحواله، فليس زمن قوة الإسلام كزمن ضعفه.

وقد فرّق العلماء في الهجر: بين المُظهِرين للبدع الداعين إليها وبين الساكتين، وبين المجاهرين بالمعاصي والمستترين.

قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: "رأى المسلمون أن يهجروا من ظهرت عليه علامات الزيغ من المظهرين للبدع الداعين إليها والمظهرين للكبائر، فأمّا من كان مستترًا بمعصية أو مسرًّا لبدعة غير مكفّرة فإن هذا لا يُهجر، وإنّما يُهجر الداعي إلى البدعة، إذ الهجر نوع من العقوبة، وإنّما يعاقب من أظهر المعصية قولًا أو عملًا، وأما من أظهر لنا خيرًا فإنّا نقبل علانيته ونكل سريرته إلى الله تعالى، فإنّ غايته أن يكون بمنزلة المنافقين الذين كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله لمّا جاؤوا إليه عام تبوك يحلفون ويعتذرون، ولهذا كان الإمام أحمد وأكثر من قبله وبعده من الأئمة كمالِكٍ وغيرِه لا يقبلون رواية الداعي إلى بدعة ولا يجالسونه بخلاف الساكت، وقد أخرج أصحاب الصحيح عن جماعات ممن رُمِي ببدعة من الساكتين ولم يخرجوا عن الدعاة إلى البدع. والذي أوجب هذا الكلام أن وَفْدَكم حدّثونا بأشياء من الفرقة والاختلاف بينكم حتى ذكروا أنّ الأمر آل إلى قريب المقاتلة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم"الفتاوى (24/174و175)..

وقال الغزالي في الإحياء: "أمّا المبتدع الذي يدعو إلى البدعة ويزعم أنّ ما يدعو إليه حقّ فهو سبب لغواية الخلق فشرّه متعدٍّ، فالاستحباب في إظهار بغضه ومعاداته والانقطاع عنه وتحقيره والتشنيع عليه ببدعته وتنفير الناس عنه أشدّ، وإن سلَّم في خلوة فلا بأس بردّ جوابه، وإن عَلِمْتَ أنّ الإعراض عنه والسكوت عن جوابه يقبّح في نفسه بدعته ويؤثّر في زجره، فترك الجواب أولى، لأنّ جواب السلام وإن كان واجبًا فيسقط بأدنى غرض فيه مصلحة، حتى يسقط بكون الإنسان في الحمام أو في قضاء حاجته، وغرض الزجر أهم من هذه الأغراض، وإن كان في ملأ فتركُ الجواب أولى، تنفيرًا للناس عنه وتقبيحًا لبدعته في أعينهم، وكذلك الأولى كفّ الإحسان إليه والإعانة له لا سيما فيما يَظْهَر للخلق.

[أما] المبتدع العامي الذي لا يقدر على الدعوة ولا يُخاف الاقتداء به، فأمره أهون، فالأولى أن لا يقابَح بالتغليظ والإهانة، بل يُتلَطّف به في النصح فإنّ قلوب العوام سريعة التقلّب، فإن لم ينفع النصح وكان في الإعراض عنه تقبيح لبدعته في عينه، تأكّد الاستحباب في الإعراض، وإن عُلم أنّ ذلك لا يؤثر فيه لجمود طبعه ورسوخ عقده في قلبه فالإعراض أولى، لأنّ البدعة إذا لم يُبالغ في تقبيحها شاعت بين الخلق وعمّ فسادها، وأمّا العاصي بفعله وعمله لا باعتقاده فلا يخلو إما أن يكون بحيث يتأذى به غيره كالظلم والغضب وشهادة الزور والغيبة والتضريب بين الناس والمشي بالنميمة وأمثالها، أو كان مما يقتصر عليه ولا يؤذي غيره، وذلك ينقسم إلى ما يدعو غيره إلى الفساد كصاحب الماخور الذي يجمع بين الرجال والنساء ويهيئ أسباب الشرب والفساد لأهل الفساد، أو لا يدعو غيره إلى فعله كالذي يشرب ويزني، وهذا الذي لا يدعو غيره إمّا أن يكون عصيانه بكبيرة أو بصغيرة، وكلّ واحد فإمّا أن يكون مصرًّا عليه أو غير مصرّ، فهذه التقسيمات يتحصل منها ثلاثة أقسام ولكل قسم منها رتبة، وبعضها أشدّ من بعض ولا نسلك بالكل مسلكًا واحدًا"الإحياء (2/169)..

 

  خامسًا: ما هو الخلاف السائغ؟

الخلاف السائغ يكون سائغًا إذا تحقّق فيه شرط واحد فقط والله أعلم، وهو صدوره ممن يُعذر شرعًا، كأن يكون جاهلًا فيما يجوز له جهله، أو مكرهًا فيما يسوغ له أن يكره فيه، أو متأولًا فيما يصحّ التأوّل فيه، والجامع لهذه الأعذار كلّها أن يكون الباعث للفعل مقصدًا شرعيًا معتبرًا، سواء كانت المسألة التي خالف فيها من المسائل الاجتهادية، أو من غيرها.

فإن كان الفاعل ممن يُعذر: فقد دخل في عموم الآية: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}[النساء:59] فهو رادّ إلى الله ورسوله، ولا دخل لطبيعة المسألة عندئذ، حتى ولو كانت المسألة من مسائل الاعتقاد، وقد انعقد الإجماع على أنّه ليس كلّ من فعل الكفر فإنّه يكون كافرًا، إذْ قد يقوم بالفاعل موانع تمنع من مؤاخذته بما فعل، وهذه المسألة من هذا القبيل.

ومن هذا: عُذْرُ النبي -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ بن جبل، حين سجد له، (فعن ابن أبي أوفى -رضي الله عنه- قال لما قدم معاذ بن جبل من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا؟ قال يا رسول الله قدمت الشام فوجدتهم يسجدون لبطارقتهم وأساقفهم فأردت أن أفعل ذلك بك  قال فلا تفعل...الحديث)القصة رواها أبو داود، كتاب النكاح (2140)، والترمذي في الرضاع (1159)، وابن ماجه في النكاح (1853)، والإمام أحمد (4/381)، والحاكم في المستدرك (2/187) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في إرواء الغليل..  

ومنه كذلك إعذار الله -عزّ وجلّ- للرجل الذي أوصى أبناءه بحرقه، وقال: لئن قدر الله علي ليُعَذِبَنِّي، فلما بعثه الله قال له: ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك يا رب، فغفر لهالقصة مشهورة، وهي في البخاري ومسلم.،  فهذا ظاهر في أنّه متأوّل، ومن ذلك أيضًا قصة عمر مع قدامة بن مظعونالقصة مروية في مصنف عبد الرزاق (9/240)، والبيهقي في السنن الكبرى (8/16)، وذكرها الحافظ في الإصابة (3/220)، وابن الأثير في أسد الغابة بتمامها (4/395). حينما شرب الخمر متأوّلًا استحلالها من قول الله عز وجل: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} [المائدة:93] مع أنّ المستحلّ لمثل هذه الكبيرة في عصرٍ مثل عصر الصحابة ومن رجل مثل الصحابة لاشكّ أنّ فعله هذا يعدّ كفرًا مخرجًا من الملّة، ولكن استحلاله لم يكن تكذيبًا وردًا أو عنادًا واستكبارًا، بل كان اجتهادًا وخطًأ صادرًا عن حُسن نية.

أمّا إذا كان الفاعل ممن لا يعذر: فإنّه غير منتظم في سلك الآية، بل هو متّبع لأحد الأقوال، لا لأنّ الله عزّ وجلّ أمر باتباعه، بل لأمر آخر، وهذا منشأ المخالفة، حتى ولو كان ذلك في مسألة اجتهادية، ولهذا فإنّ من أنكر ولو سنّة من السنن الثابتة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المتفق عليها، حتى ولو كانت من فروع السنن -إذا وافقنا على هذه التسمية- من غير تأوّل فإنّه يعدّ مبتدعًا، وقد عدّ العلماء من بِدَعِ الشيعة: إنكارهم للمسح على الخفين.

ولهذا فإنّ الإمام أحمد لما سُئل عن الصلاة في جلود الثعالب قال: إن كان متأولًا أرجو أن لا يكون به بأس، وإن كان جاهلًا يُنهى، ويقال له إنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عنهاالآداب الشرعية لابن مفلح (1/167)..

أما المتأوّل: فهو من اعتمد على ما يصلح الاعتماد عليه من أدلّة شرعية، أو نحوها، حيث يكون بذلك داخلًا في قوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء:59]، وما في معناها من آيات وأحاديث.

ويقول ابن تيميه رحمه الله تعالى: "فالمتأول المجتهد كأهل العلم والدين الذين اجتهدوا واعتقد بعضهم حلّ أمور واعتقد الآخر تحريمها، كما استحلّ بعضهم بعض أنواع الأشربة، وبعضهم بعض المعاملات الربوية، وبعضهم بعض عقود التحليل والمتعة، وأمثال ذلك، فقد جرى ذلك وأمثاله من خيار السلف، فهؤلاء غايتهم أنّهم مخطئون، قد قال الله تعالى:{رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286]، وقد ثبت في الصحيح أنّ الله استجاب هذا الدعاء"الفتاوى (35/75)..

 

وأما الصور التي لا يُعذر أهلها:

فمنها: الهوى، كمن يأخذ ببعض الأقوال اتباعًا لهواه وشهوته -حتى لو كانت هذه الأقوال من الأقوال المعتبرة- ومن أشهر أمثلة ذلك: الذين يتتبعون رخص المذاهب من إباحة بعض صور الربا، والغناء وغيرها، اتباعًا للهوى.

ومنها: التعصّب للآباء والمشايخ، أو المذاهب، قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ومن تربّى على مذهب قد تعوّده واعتقد ما فيه وهو لا يحسن الأدلة الشرعية وتنازع العلماء، لا يفرق بين ما جاء عن الرسول وتلقته الأمة بالقبول بحيث يجب الإيمان به وبين ما قاله بعض العلماء، ويتعسّر أو يتعذر إقامة الحجة عليه، ومن كان لا يفرّق بين هذا وهذا لم يحسن أن يتكلّم في العلم بكلام العلماء، وإنّما هو من المقلّدة الناقلين لأقوال غيرهم، مثل المحدث عن غيره والشاهد على غيره لا يكون حاكمًا والناقل المجرد يكون حاكيًا لا مُفتيًا"مجموع الفتاوى (26/202)..

قال الشاطبي في الموافقات: "ومع أنّ اعتياد الاستدلال لمذهب واحد ربما يكسب الطالب نفورًا وإنكارًا لمذهبٍ غير مذهبه من غير اطّلاع على مأخذه فيورث ذلك حزازة في الاعتقاد في الأئمة الذين أجمع الناس على فضلهم وتقدّمهم في الدين واضطلاعهم بمقاصد الشارع وفهم أغراضه"(2/391)..

ومنها: الحقد والحسد والبغض.

 

  سادسًا: لا إنكار في المختلف فيه:

قال النووي: "ثمّ العلماء إنّما ينكرون ما أجمع عليه، أمّا المختلف فيه فلا إنكار فيه، لأنّ على أحد المذهبين: كلُّ مجتهد مصيب، وهذا هو المختار عند كثيرين من المحققين أو أكثرهم، وعلى المذهب الآخر: المصيبُ واحدٌ والمخطئ غير متعين لنا, والإثم مرفوع عنه, لكن إن ندبه على جهة النصيحة إلى الخروج من الخلاف فهو حسن محبوب مندوب إلى فعله برفق; فإنّ العلماء متّفقون على الحثّ على الخروج من الخلاف إذا لم يلزم منه إخلالٌ بسنّة أو وقوع في خلاف آخر"شرح النووي على صحيح مسلم (2/23).​.

وقال ابن تيمية: "مسائل الاجتهاد مَنْ عمل فيها بقول بعض العلماء لم يُنكر عليه ولم يُهجر، ومَنْ عمل بأحد القولين لم يُنكر عليه، وإذا كان في المسألة قولان فإن كان الإنسان يظهر له رجحان أحد القولين عمل به وإلا قلّد بعض العلماء الذين يُعتمد عليهم في بيان أرجح القولين، والله أعلم"الفتاوى (20/207)..

وقال: "وليس لأحد أن يحتجّ بقول أحد في مسائل النزاع، وإنّما الحجة النص والإجماع ودليل مستنبط من ذلك تقرر مقدماته بالأدلة الشرعية لا بأقوال بعض العلماء فإنّ أقوال العلماء يحتج لها بالأدلة الشرعية لا يحتج بها على الأدلة الشرعية"الفتاوى (26/202)..

وقال ابن مفلح في الآداب الشرعية: "ولا إنكار فيما يسوغ فيه خلاف من الفروع على من اجتهد فيه أو قلّد مجتهدًا فيه، كذا ذكره القاضي والأصحاب، وصرّحوا بأنّه لا يجوز، ومثّلوه بشرب يسير النبيذ والتزوج بغير ولي، ومثّله بعضهم بأكل متروك التسمية، ثم ذُكر عن ابن قدامة أنّه قال في المغني: لا ينبغي لأحد أن يُنكر على غيره العمل بمذهبه فإنّه لا إنكار على المجتهدات" انتهى كلامه، وقد قال أحمد في رواية المروذي: "لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه ولا يشدد عليهم"الآداب الشرعية (1/189)..

 

  سابعًا: المختلف فيه يؤخذ القرار فيه بغالبية الأصوات في كلّ المسائل الدينية والدنيوية:

وهذه قاعدة معتبرة في الشرع، حيث يتدرّج في ترجيح الأحكام من الإجماع إلى قول الجمهور إلى أحد الأقوال المعتبرة عند المجتهدين في الفقه، ومن المتواتر إلى المشهور عند الحنفية إلى خبر الآحاد في علوم الحديث.

ومما يدلّ على أنّ الكثرة الغالبة من أهل الاختصاص معتبرة: بيان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عصمة الأمّة من الضلالة حال اجتماعها على أمر ما، سواء كان من أمور الدين أو الدنيا، فعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنّ الله –تعالى- لا يجمع أمتي على ضلالة ويد الله على الجماعة، "ومن شذّ شذّ في النار")أخرجه الترمذي برقم (2167، ‌وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (1848)؛ وضعف ما بين القوسين..

وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يجمع الله أمتي على ضلالة أبدًا، ويد الله على الجماعة)رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وصححه الألباني في بداية السول. قال أبو عِيسَى الترمذي: وَتَفْسِيرُ الْجَمَاعَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ هُمْ أَهْلُ الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ وَالْحَدِيثِ. سنن الترمذي (4/466)..

إذن: فالأخذ بالكثرة المعتبرة آلية مشروعة وهي معمول بها في العمل الديموقراطي الآن، لتجنّب الانفراد في الرأي أو التنازع والفرقة، ويترتّب عليه التزام الأقلية بحكم الغالبية في جميع القرارات(♦).

 

  ثامنًا: هل ينكر على الحكام بالسلاح ؟

قال إمام الحرمين: "وإذا جار والي الوقت وظهر ظلمه وغشمه ولم ينزجر حين زجر عن سوء صنيعه بالقول، فلأهل الحلّ والعقد التواطؤ على خلعه ولو بشهر الأسلحة ونصب الحروب، قال النووي: هذا كلام إمام الحرمين وهذا الذي ذكره من خلعه غريب، ومع هذا فهو محمول على ما إذا لم يخف منه إثارة مفسدة أعظم منه"شرح النووي على صحيح مسلم (2/25–26)..

 

الكلام في أهل البدع وفقه التعامل معهم

  تاسعًا: أصول البدع والحكم في أصحابها:

قال ابن تيمية: "وأما تعيين الفرق الهالكة فأقدم من بلَغَنا أنّه تكلّم في تضليلهم يوسف بن أسباط، ثم عبدالله بن المبارك وهما إمامان جليلان من أجلّاء أئمة المسلمين، قالا: "أصول البدع أربعة: الروافض والخوارج والقدرية والمرجئة، فقيل لابن المبارك: والجهمية؟ فأجاب بأنّ أولئك ليسوا من أمّة محمد، وكان يقول: إنّا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية، وهذا الذي قاله اتبعه عليه طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم، قالوا: إنّ الجهمية كفّار فلا يدخلون في الاثنتين والسبعين فرقة، كما لا يدخل فيهم المنافقون الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام وهم الزنادقة.

وأمّا السلف والأئمة فلم يتنازعوا في عدم تكفير المرجئة والشيعة المفضّلة ونحو ذلك، ولم تختلف نصوص أحمد في أنّه لا يكفر هؤلاء، وإن كان من أصحابه من حكى في تكفير جميع أهل البدع من هؤلاء وغيرهم خلافًا عنه أو في مذهبه حتى أطلق بعضهم تخليد هؤلاء وغيرهم، وهذا غلط على مذهبه وعلى الشريعة.

ومنهم من لم يكفّر أحدًا من هؤلاء إلحاقًا لأهل البدع بأهل المعاصي، قالوا: فكما أنّ من أصول أهل السنة والجماعة أنّهم لا يكفّرون أحدًا بذنب فكذلك لا يكفرون أحدًا ببدعة.

والمأثور عن السلف والأئمة إطلاق أقوال بتكفير الجهمية المحضة الذين ينكرون الصفات، وحقيقة قولهم أنّ الله لا يتكلم ولا يرى ولا يباين الخلق ولا له علم ولا قدرة ولا سمع ولا بصر ولا حياة بل القرآن مخلوق وأهل الجنة لا يرونه كما لا يراه أهل النار وأمثال هذه المقالات.

وأما الخوارج والروافض ففي تكفيرهم نزاع وتردّد عن أحمد وغيره.

وأما القدرية الذين ينفون الكتابة والعلم فكفّروهم ولم يكفروا من أثبت العلم ولم يثبت خلق الأفعال.

وإذا كان كذلك، فأهل البدع فيهم المنافق الزنديق فهذا كافر، ويكثر مثل هذا في الرافضة والجهمية، فإنّ رؤساءهم كانوا منافقين زنادقة، وأول من ابتدع الرفض كان منافقًا، وكذلك التجهّم فإنّ أصله زندقة ونفاق، ولهذا كان الزنادقة المنافقون من القرامطة الباطنية المتفلسفة وأمثالهم يميلون إلى الرافضة والجهمية لقربهم منهم، ومن أهل البدع مَنْ يكون فيه إيمان باطنًا وظاهرًا، لكن فيه جهل وظلم حتى أخطأ ما أخطأ من السنة، فهذا ليس بكافر ولا منافق، ثم قد يكون منه عدوان وظلم يكون به فاسقًا أو عاصيًا، وقد يكون مخطئًا متأولًا مغفورًا له خطؤه، وقد يكون مع ذلك معه من الإيمان والتقوى ما يكون معه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه،  فهذا أحد الأصلين.

والأصل الثاني: أنّ المقالة تكون كفرًا كجحد وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج وتحليل الزنى والخمر والميسر ونكاح ذوات المحارم، ثم القائل بها قد يكون بحيث لم يبلغه الخطاب، كمن هو حديث عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه شرائع الإسلام، فهذا لا يحكم بكفره بجحد شيء مما أنزل على الرسول إذا لم يعلم أنه أنزل على الرسول"مجموع الفتاوى (3/351-354)..

 

  عاشرًا: أهل السنة لا يكفّرون مسلمًا بذنب وبدعة ولا يمنعون الصلاة خلفه:

قال ابن تيمية: "ومن أصول أهل السنة والجماعة أنّهم يصلّون الجمع والأعياد والجماعات، لا يدعون الجمعة والجماعة كما فعل أهل البدع من الرافضة وغيرهم، فإن كان الإمام مستورًا لم يظهر منه بدعة ولا فجور صلى خلفه الجمعة والجماعة باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين، ولم يقل أحد من الأئمة أنّه لا تجوز الصلاة إلا خلف من علم باطن أمره، بل مازال المسلمون من بعد نبيهم يصلّون خلف المسلم المستور، ولكن إذا ظهر من المصلي بدعة أو فجور وأمكن الصلاة خلف من يُعلم أنه مبتدع أو فاسق مع إمكان الصلاة خلف غيره فأكثر أهل العلم يصححون صلاة المأموم، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وهو أحد القولين في مذهب مالك وأحمد، وأمّا إذا لم يمكن الصلاة إلا خلف المبتدع أو الفاجر كالجمعة التي إمامها مبتدع أو فاجر وليس هناك جمعة أخرى فهذه تصلى خلف المبتدع والفاجر عند عامة أهل السنة والجماعة، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة أهل السنة بلا خلاف عندهم".

 

الصلاة خلف مستور الحال:

قال ابن تيمية: "وكان بعض الناس إذا كثرت الأهواء يحبّ أن لا يصلي إلا خلف من يعرفه على سبيل الاستحباب كما نُقل ذلك عن أحمد أنّه ذكر ذلك لمن سأله، ولم يقل أحمد إنّه لا تصح إلا خلف من أعرف حاله. ولما قدم أبو عمرو عثمان بن مرزوق إلى ديار مصر وكان ملوكها في ذلك الزمان مظهرين للتشيع وكانوا باطنية ملاحدة وكان بسبب ذلك قد كثرت البدع وظهرت بالديار المصرية، أمرَ أصحابه أن لا يصلّوا إلا خلف من يعرفونه لأجل ذلك، ثم بعد موته فتحها ملوك السنّة مثل صلاح الدين وظهرت فيها كلمة السنة المخالفة للرافضة، ثم صار العلم والسنّة يكثر بها ويظهر، فالصلاة خلف المستور جائزة باتفاق علماء المسلمين، ومن قال إنّ الصلاة محرّمة أو باطلة خلف من لا يعرف حاله فقد خالف إجماع أهل السنة والجماعة، وقد كان الصحابة -رضوان الله عليهم- يصلّون خلف من يعرفون فجوره، كما صلى عبدالله بن مسعود وغيره من الصحابة خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط وكان قد يشرب الخمر، وصلّى مرّة الصبح أربعًا، وجلده عثمان بن عفان على ذلك.

وكان عبد الله بن عمر وغيره من الصحابة يصلّون خلف الحجاج بن يوسف، وكان الصحابة والتابعون يصلّون خلف بن أبي عبيد وكان متّهمًا بالإلحاد وداعيًا إلى الضلال".

 

المصلي خلف الفاجر والمبتدع لا يعيد كأصحاب الأعذار والجاهلين:

قال ابن تيمية: "المصلي الجمعة خلف الفاجر اختلف الناس في إعادته الصلاة وكرهها أكثرهم، حتى قال أحمد بن حنبل في رواية عبدوس: من أعادها فهو مبتدع، وهذا أظهر القولين، لأنّ الصحابة لم يكونوا يعيدون الصلاة إذا صلوا خلف أهل الفجور والبدع، ولم يأمر الله -تعالى- قطُّ أحدًا إذا صلى كما أمر بحسب استطاعته أن يعيد الصلاة، ولهذا كان أصح قولي العلماء أنّ من صلى بحسب استطاعته أن لا يعيد، حتى المتيمم لخشية البرد ومن عدم الماء والتراب إذا صلّى بحسب حاله، والمحبوس وذووا الأعذار النادرة والمعتادة والمتصلة والمنقطعة، لا يجب على أحد منهم أن يعيد الصلاة إذا صلى الأولى بحسب استطاعته,

وقد ثبت في الصحيح أنّ الصحابة صلوا بغير ماء ولا تيمم لما فقدت عائشة عقدها، ولم يأمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالإعادة، فالمتأوّل والجاهل المعذور ليس حكمه حكم المعاند والفاجر، بل قد جعل الله لكل شيء قدرًا. انتهى"مجموع الفتاوى (3/288)..

وقال ابن تيمية: "ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله ولا بخطأ أخطأ فيه: كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة فإن الله تعالى قال: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ  كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة:285]، وقد ثبت في الصحيح أنّ الله تعالى أجاب هذا الدعاء وغفر للمؤمنين خطأهم.

والخوارج المارقون الذين أمر النبي بقتالهم قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين واتفق على قتالهم أئمة الدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولم يكفّرهم علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وغيرهما من الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم ولم يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم الحرام وأغاروا على أموال المسلمين فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم لا لأنّهم كفّار، ولهذا لم يَسْبِ حريمهم ولم يغنم أموالهم، وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص والإجماع لم يُكفّروا مع أمر الله ورسوله بقتالهم فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها مَن هو أعلم منهم؟ فلا يحل لأحد من هذه الطوائف أن تكفّر الأخرى ولا تستحل دمها ومالها وإن كانت فيها بدعة محققة، فكيف إذا كانت المكفّرة لها مبتدعة أيضًا؟ وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ والغالب أنّهم جميعًا جهّال بحقائق ما يختلفون فيه.

والأصل أنّ دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم محرّمة من بعضهم على بعض لا تحلّ إلا بإذن الله ورسوله، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لما خطبهم في حجة الوداع: (إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا)، وقال: (كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ) وقال: (مَنْ صَلَّى صَلاَتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَذَلِكَ المُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ)، وقال (إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ، قيل يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا القَاتِلُ فَمَا بَالُ المَقْتُولِ؟ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ)، وقال: (لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)، وقال: (إِذَا قَالَ المُسْلِمُ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهِا أَحَدُهُمَا) وهذه الأحاديث كلها في الصحاح.

ثم قال: وإذا كان المسلم متأوّلًا في القتال أو التكفير لم يكفّر بذلك، كما قال عمر بن الخطاب لحاطب بن أبي بلتعة: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ، أنَّ اللَّهَ قد اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ) وهذا في الصحيحين، وفيهما أيضًا من حديث الإفك أنّ أسيد بن الحضير قال لسعد بن عبادة: إنّك منافق تجادل عن المنافقين، واختصم الفريقان فأصلح النبي -صلى الله عليه وسلم- بينهم، فهؤلاء البدريون فيهم مَن قال لآخر منهم إنّك منافق، ولم يكفّر النبي صلى الله عليه وسلّم لا هذا ولا هذا، بل شهد للجميع بالجنة.

وكذلك ثبت في الصحيحين عن أسامة بن زيد أنّه قتل رجلًا بعد ما قال لا إله إلا الله، وعظّم النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك لما أخبره وقال: (يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وكرّر ذلك عليه حتى قال أسامة تمنيت أنّي لم أكن أسلمت إلا يومئذ، ومع هذا لم يوجب عليه قودًا ولا ديّة ولا كفّارة، لأنّه كان متأوّلًا ظنّ جواز قتل ذلك القائل لظنّه أنّه قالها تعوّذًا.

فهكذا السلف قاتل بعضهم بعضًا من أهل الجمل وصفين ونحوهم وكلهم مسلمون مؤمنون كما قال تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات:9]، فقد بيّن الله -تعالى- أنّهم مع اقتتالهم وبغي بعضهم على بعض إخوة مؤمنون، وأمر بالإصلاح بينهم بالعدل، ولهذا كان السلف مع الاقتتال يوالي بعضهم بعضًا موالاة الدين لا يعادون كمعاداة الكفار، فيقبل بعضهم شهادة بعض ويأخذ بعضهم العلم عن بعض ويتوارثون ويتناكحون ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم مع بعض، مع ما كان بينهم من القتال والتلاعن وغير ذلك، وقد ثبت في الصحيح أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- سأل ربّه أن لا يهلك أمّته بِسَنَة عامّة فأعطاه ذلك، وسأله أن لا يسلّط عليهم عدوًا من غيرهم فأعطاه ذلك، وسأله أن لا يجعل بأسهم بينهم فلم يُعطَ ذلك، وأخبر أنّ الله لا يسلط عليهم عدوًا من غيرهم يغلبهم كلهم حتى يكون بعضهم يقتل بعضًا وبعضهم يسبي بعضًا.

فالواجب على المسلم إذا صار في مدينة من مدائن المسلمين أن يصلي معهم الجمعة والجماعة ويوالي المؤمنين ولا يعاديهم وإن رأى بعضهم ضالًا أو غاويًا وأمكن أن يهديه ويرشده فعل ذلك وإلا فلا يكلّف الله نفسًا إلا وسعها. انتهى"مجموع الفتاوى (3/280–285)..

يقول الشيخ محمد رشيد رضا: "هذه الرسالة من أنفس ما كتبه شيخ الإسلام وأنفعه في التأليف بين أهل القبلة الذين فرّق الشيطان بينهم بأهواء البدع وعصبيات المذاهب، على كونه أقوى أنصار السنة برهانًا، وأبلغ المفنّدين للبدع قلمًا ولسانًا، ومنهاجه في الردّ على المبتدعة ببيان الحقّ بالأدلة، وحكم ما خالفه من شرك وكفر وبدعة، مع عدم الجزم بتكفير شخص معيّن له شبهة تأويل، فضلًا عن تكفير فرقة تقيم أركان الدين، فجزاه الله أفضل الجزاء على إرشاده ونصحه للمسلمين. انتهى"مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية نشر دار الكتب العلمية بيروت-لبنان ( 5/385)..

 

هذا والله تعالى أعلم

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

المصدر: موقع رابطة العلماء السوريين

 

ــــــــــــــــــــــــــ

() تنبيه: الحقُ والصوابُ يُعرف بموافقة كتاب الله وسنّة رسوله عليه الصلاة والسلام وما أجمع عليه سلف هذه الأمّة، لا بكثرة العدد. والمسائل التي هي محلّ اجتهاد واختلفت فيها الآراء: فإن كانت مما لا يسوغ فيها الخلاف فالتزام الحق فيها واجب. وإن كانت مما يسوغ فيها الخلاف فلا إلزام فيها لا بقول أكثرية ولا غيرها. إلا إن كانت تتعلق بالشأن العام (مسائل الحكم الاجتهادية الداخلة في السياسة الشرعية) ولا بد من اتخاذ موقف أو قرار أو إجراء فيها؛ فحينئذ يمكن البناء على قول الأكثرية. وهذه المسائل يُعبِّرُ عنها -من باب التوسّع في استعمال اللفظ- كثيرٌ من أهل العلم ومنهم الشيخ حفظه الله: بـ(الديموقراطية)؛ فليس المراد بالديمقراطية هنا حكم الشعب وترك حكم الله تعالى. [موقع على بصيرة]

1 - الفتاوى (22/361).
2 - الفتاوى (28/208-210).
3 - إحياء علوم الدين (2/166-169).
4 - مجموع الفتاوى (28/212).
5 - متفق عليه.
6 - شرح النووي على مسلم (16/117).
7 - مجموع الفتاوى (28/206).
8 - مجموع الفتاوى (28/212).
9 - رواه أبو داود في كتاب الجهاد وسكت عنه [وقد قال في رسالته لأهل مكة كل ما سكت عنه فهو صالح].
10 - صحيح البخاري كتاب الجهاد.
11 - الفتاوى (24/174و175).
12 - الإحياء (2/169).
13 - القصة رواها أبو داود، كتاب النكاح (2140)، والترمذي في الرضاع (1159)، وابن ماجه في النكاح (1853)، والإمام أحمد (4/381)، والحاكم في المستدرك (2/187) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في إرواء الغليل.
14 - القصة مشهورة، وهي في البخاري ومسلم.
15 - القصة مروية في مصنف عبد الرزاق (9/240)، والبيهقي في السنن الكبرى (8/16)، وذكرها الحافظ في الإصابة (3/220)، وابن الأثير في أسد الغابة بتمامها (4/395).
16 - الآداب الشرعية لابن مفلح (1/167).
17 - الفتاوى (35/75).
18 - مجموع الفتاوى (26/202).
19 - (2/391).
20 - شرح النووي على صحيح مسلم (2/23).
21 - الفتاوى (20/207).
22 - الفتاوى (26/202).
23 - الآداب الشرعية (1/189).
24 - أخرجه الترمذي برقم (2167، ‌وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (1848)؛ وضعف ما بين القوسين.
25 - رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وصححه الألباني في بداية السول. قال أبو عِيسَى الترمذي: وَتَفْسِيرُ الْجَمَاعَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ هُمْ أَهْلُ الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ وَالْحَدِيثِ. سنن الترمذي (4/466).
26 - شرح النووي على صحيح مسلم (2/25–26).
27 - مجموع الفتاوى (3/351-354).
28 - مجموع الفتاوى (3/288).
29 - مجموع الفتاوى (3/280–285).
30 - مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية نشر دار الكتب العلمية بيروت-لبنان ( 5/385).

إضافة تعليق جديد