الاثنين 17 يونيو 2019 الموافق 13 شوال 1440 هـ

منهج وتأصيل

مفهوم السياسة الشرعية

12 رجب 1440 هـ


عدد الزيارات : 828
موقع على بصيرة

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فقد لاقت الأحكام الفقهية التي تتحدّث عن جوانب الحكم تجاذباتٍ كثيرةً في عصرنا، وأصابها ما أصاب غيرها من تطرّف الغلاة والجفاة، بسبب التيارات الفكرية التي عصف بالأمة بعد سقوط الخلافة، وبسبب تسلّط النظام العالمي على العالم وعدم انسجامه مع أحكام الشريعة الإسلامية، فاختلف المسلمون -نتيجةّ لذلك- فيما يتعلّق بنظريات الحكم، إلى مَن يريد تطويع الأحكام الفقهية لتتماهى مع النظام العالمي، ومَن يريد الجمود على اجتهادات فقهية بُنيت على عُرفٍ وزمانٍ مضى لا على دليل قطعي، فحصل التفرّق والتمزّق، وهذا مقام خطير -كما قال ابن القيم- في حديثه عن أهمّية السياسة الشرعية: "وهذا موضعُ مزلةِ أقدام، ومضلةِ أفهام، وهو مقام ضنك، ومُعتركُ صعب"إعلام الموقعين (4/283)..

ومن ناحية أخرى: لا يخفى على الناظر في هذه الأحكام -والتي سماها علماؤنا بالأحكام السلطانية تارة، أو بأحكام الإمامة تارة أخرى، أو بالسياسة الشرعية أيضًا- حاجةُ هذه الأحكام إلى دراسة وتحرير لمسائلها، لتبيان ما كان نصوصًا شرعية، مما هو اجتهاد لأهل العلم. ولتحرير الاجتهادات أيضًا لبيان ما كان منها مبنياً على النصوص، وما كان مبنياً على العرف أو المصلحة، وما كان من النوازل والمستجدات، وما يسع فيه الخلاف وما لا يسع.

ولعل هذا الجانب من أحكام السياسية الشرعية ما يزال ميدانًا واسعًا للبحث والتأليف لم يشبع بحثًا، ولم يُستوعب درسًا، لا سيما إذا أضفنا له النوازل المعاصرة التي يطرحها البعض كمبادئ وأدوات في الحكم.

وهنا نحاول تقديم إضافة في هذا الجانب من خلال سلسلة أبحاث في السياسة الشرعية، ولعلّ البداية تكون في شرح وتأصيل مفهوم السياسة الشرعية.

 

  المطلب الأول: معنى السياسة الشرعية

مصطلح السياسة الشرعية مصطلح مركب من مفردتين،  ولا بد لمعرفة معنى المركب من معرفة معنى الصفة والموصوف.

مصطلح "السياسة الشرعية لفظ مركب من مفردتين، ويمكن تعريفه باعتبارين، فنعرفه أوّلًا باعتباره مركّبًا وصفيًا مؤلّفًا من الصفة والموصوف، ثم نعرّفه باعتباره لقبًا وعلَمًا على هذا الفن.

 

الاعتبار الأول:  تعريفه باعتباره مركّبًا وصفيًا:

ويتحقق بتعريف كلٍّ من الموصوف والصفة .

- أولاً: معنى السياسية:

لغةً:

عرّفها ابن الأثير فقال: "السياسة: القيام على الشيء بما يصلحه"النهاية في غريب الحديث والأثر (2/421)..

وتابعه على ذلك أكثر علماء اللغة، قال ابن منظور: "وسَاس الأَمرَ سِياسةً: قَامَ بِهِ، وَرَجُلٌ ساسٌ مِنْ قَوْمٍ سَاسَةٍ وسُوَّاس ... وسَوَّسَه القومُ: جَعَلوه يَسُوسُهم. وَيُقَالُ: سُوِّسَ فلانٌ أَمرَ بَنِي فُلَانٍ أَي كُلِّف سِياستهم"لسان العرب (6/108)..

وقال أيضًا: "والسياسة: القيام على الشيء بما يصلحه، والسياسةُ: فِعْلُ السَّائِسِ. يقال: هو يَسُوسُ الدوابَّ إذا قام عليها وراضها، وَالْوَالِي يَسُوسُ رَعِيَّتَه"المرجع السابق..

وقال الجوهري: "سُسْتُ الرعيّة سِياسَةً، وسُوِّسَ الرجلُ أمورَ الناس، على ما لم يسم فاعله، إذا مُلِّكَ أمرهم"الصحاح (3/938)..

وقال الفيومي في :" وساسَ زيدٌ الأمرَ يسوسه سياسةً دبرهُ وقام بأمره"المصباح المنير (2/295)..

فالمعنى اللغوي للسياسة لا يخرج عن تعريف ابن الأثير لها بقوله السابق: "السياسة: القيام على الشيء بما يصلحه"أصل الكلمة في اللغة: الطَّبْعُ، قال ابن فارس في مقاييس اللغة (3/119): "السُّوسُ الطَّبْعُ، يُقَالُ: هَذَا مِنْ سُوسِ فُلَانٍ، أَيْ طَبْعِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ سُسْتُهُ أَسُوسُهُ فَهُوَ مُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ مِنْ هَذَا، كَأَنَّهُ يَدُلُّهُ عَلَى الطَّبْعِ الْكَرِيمِ وَيَحْمِلُهُ عَلَيْهِ"..

 

شرعًا:

لم يرد في نصوص الشريعة مصطلح السياسة ولا ما هو مشتق من جذرها إلا في حديث واحد للنبي -صلى الله عليه وسلم- وهو قوله: (كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ، قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: فُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ، أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ)أخرجه البخاري برقم (3455) – كتاب أحاديث الأنبياء – باب ما ذكر عن بني إسرائيل..

وهي واردة هنا في الحديث بالمعنى اللغوي السابق، قال ابن حجر: "قوله: (تسوسهم الأنبياء) أي أنّهم كانوا إذا ظهر فيهم فساد، بعث الله لهم نبيًا يقيم لهم أمرهم، ويزيل ما غيروا من أحكام التوراة، وفيه إشارة إلى أنّه لا بد للرعية من قائم بأمورها، يحملها على الطريق الحسنة، وينصف المظلوم من الظالم"فتح الباري (6/497)..

لذا قال النووي في شرحه للحديث: "أي يتولّون أمورهم كما تفعل الأمراء والولاة بالرعية، والسياسةُ: القيام على الشيء بما يصلحه"شرح صحيح مسلم (12/231).​.

فمعنى السياسة شرعًا مطابق للمعنى اللغوي.

وبهذا عرفها البدر العيني والسندي والطيبي والأمير الصنعانيعمدة القاري شرح البخاري (16/43)، حاشية السندي على سنن ابن ماجه (2/204)، شرح الطيبي على مشكاة المصابيح (8/2564)، التحبير لإيضاح معاني التيسير (3/713)..

وزاد ابن الملقن لفظًا توضيحيًا مؤكّدًا، فقال: "السياسة: القيام على الشيء والتعهّد له بما يصلحه"التوضيح لشرح الجامع الصحيح (19/609)..

وعرفها ابن عقيل كما نقلها عنه ابن القيم: "السياسة ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد"إعلام الموقعين (4/283)..

وهذه التعاريف فيها شمول لأفعال الإمام ولكل من أُوكل إليه رعاية شيء، كالناظر على الوقف وولي اليتيم ونحوهما، فالقيام على كل شيء يسمّى سياسة، سواء كان شؤون الدولة أو البيت أو مؤسسة ما.

وعرفها المقريزي بأنّها: " القانون الموضوع لرعاية الآداب والمصالح وانتظام الأحوال"المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (3/383)..

وعرّفها ابن نجيم الحنفي بقوله: "السياسة هي فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها، وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئي."البحر الرائق (5/11)..

وهذا التعريفان يظهر منها قصر معنى السياسة على تصرفات الإمام، أو في مجال الحكم، على أنّ تعريف ابن نجيم هو تعريف للسياسة الشرعية في حقيقته وليس للسياسة فقط.

وهذه الدائرة: وهي دائرة الحكم أو الشؤون لتشمل الناس وغيرهم، وتشمل العوام وغيرهم، هي الدائرة التي نريد بحث جانب السياسة فيها، لهذا يمكن أن نضيّق المعنى ونقصره على المقصود، فنقول:

السياسة: هي رعاية الشؤون العامة في مختلف نواحي الحياة من خلال الحكم، بما يحقق مصالحهم من جلب ما ينفعهم ودفع ما يضرهم.

  • فقولنا (رعاية): تعني القيام والتعهد والحفظ والصيانة والمسؤولية.
  • وقولنا (الشؤون العامة): أي الرعية والناس كلهم، وليس شؤون جماعة أو فئة من الناس.
  • وقولنا (مختلف نواحي الحياة): أي في كل شؤونهم الاقتصادية والتعليمية والخدمية والعسكرية وما شابه ذلك.
  • وقولنا (من خلال الحكم): إشارة إلى سبيل القيام بهذه الرعاية، فهي لا تتأتى بغير الإمارة والحكم، ولهذا كلّ من عرفها ممن سبق عنهم النقل فسّر معنى تسوسهم الأنبياء بقوله: "أي يتولون أمورهم كما تفعل الأمراء والولاة بالرعية"المراجع السابقة في الحاشية (9).، وهذا ما يقرّه الواقع، فلا يمكن سياسة الناس بغير حكمهم.
  • وقولنا (بما يحقق مصالحهم): إشارة إلى الغاية والمقصد من السياسة، والتي من أجلها شُرعت، وإن فُقدت هذه الغاية فُقدت السياسة شرعيتها وسبب وجودها.

 

ثانياً: معنى الشرعية:

الشرعية نسبة إلى الشرع، وفيما يأتي معناه:

الشرع لغةً:

قال ابن فارس: "الشين والراء والعين أصل واحد، وهو شيء يفتح في امتداد يكون فيه، من ذلك الشريعة، وهي مورد الشاربة (الماء)، واشتق من ذلك الشرعة في الدين والشريعة"مقاييس اللغة (3/262)..

فأصل الجذر فتحة ممتدة في شيء، ومنه سميت ترعة الماء شريعة، لأنّها فتحة ممتدة في جانب من الأرض، ثم سُمّيت الأحكام شريعة تشبيهًا بشريعة الماء التي ينهل منها الناس ويرتوون، وكأنّ الدين منهل يقصده الناس ليرتووا منه.

قال ابن منظور: "والشريعة والشراع والمشرعة: المواضع التي ينحدر إلى الماء منها، قال الليث: وبها سمي ما شرع الله للعباد شريعة من الصوم والصلاة والحج والنكاح وغيره"لسان العرب (8/175)..

والشرعة والشريعة بمعنى واحد، قال الطبري: "والشرعة هي الشريعة بعينها، تجمع الشرعة شِرَعًا، والشريعة شرائع، ولو جمعت الشرعة شرائع، كان صوابًا، لأن معناها ومعنى الشريعة واحد"تفسير الطبري (10/384)..

 

وشرعًا:

وردت في القرآن الكريم بمعنيين:

أحدهما: التوحيد أو أحكام وتعاليم الدين الإيمانية التي بعث بها كل الرسل، والتي يكون بها المرء مسلمًا، وذلك في قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى:13].

قال القرطبي: "شرع لكم من الدين ما شرع لقوم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، ثم بيّن ذلك بقوله تعالى: {أن أقيموا الدين} وهو توحيد الله وطاعته، والإيمان برسله وكتبه وبيوم الجزاء، وبسائر ما يكون الرجل بإقامته مسلمًا، ولم يُرد الشرائع التي هي مصالح الأمم على حسب أحوالها، فإنّها مختلفة متفاوتة"تفسير القرطبي (16/10)..

وقال ابن كثير: "والدين الذي جاءت به الرسل كلهم هو: عبادة الله وحده لا شريك له ... [و] القدر المشترك بينهم هو عبادة الله وحده لا شريك له، وإن اختلفت شرائعهم ومناهجهم"تفسير ابن كثير (7/194-195)..

وقال الشوكاني: "بيّن وأوضح لكم من الدين ما وصّى به نوحًا من التوحيد ودين الإسلام وأصول الشرائع التي لم يختلف فيها الرسل وتوافقت عليها الكتب والذي أوحينا إليك من القرآن، وشرائع الإسلام، والبراءة من الشرك"فتح القدير (4/607)..

والثاني: الأحكام الفقهية العملية التي تختلف من رسالة إلى رسالة، كما في قوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48].

قال القرطبي: "ومعنى الآية أنّه جعل التوراة لأهلها، والإنجيل لأهله، والقرآن لأهله، وهذا في الشرائع والعبادات، والأصل التوحيد لا اختلاف فيه"تفسير القرطبي (6/211)..

وقال ابن الجوزي: "قال قتادة: الخطاب للأمم الثلاث: أمةِ موسى، وعيسى، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم، فللتوراة شريعة، وللإنجيل شريعة، وللفرقان شريعة، يُحِلُّ الله فيها ما يشاء، ويحرّم ما يشاء بلاءً، ليعلمَ من يطيعه ممن يعصيه، ولكنّ الدين الواحد الذي لا يُقبل غيره: التوحيدُ والإِخلاصُ لله الذي جاءت به الرسل"زاد المسير (1/555)..

وقال ابن كثير: "ثم هذا إخبار عن الأمم المختلفة الأديان، باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام، المتفقة في التوحيد"تفسير ابن كثير (3/129)..

 

اصطلاحًا:

عرفها القرطبي والشوكاني: "والشريعة ما شرع الله لعباده من الدين"تفسير القرطبي (6/211)، فتح القدير (5/9)..

والملاحظ في هذا التعريف أمران:

الأول: وجود الدورقال الجرجاني: "الدور: هو توقف الشيء على ما يتوقف عليه، ويسمى: الدور المصرح، كما يتوقف "أ" على "ب"، وبالعكس، أو بمراتب، ويسمى: الدور المضمر، كما يتوقف"أ" على "ب"، و "ب" على "ج"، و "ج" على "أ"" التعريفات ص (105)، وهنا عرّف الشريعة بأنّها ما شرع الله، فيتوقف فهم (ما شرع) على فهم الشريعة، وهذا دور.، وهو غير لائق بالتعريفات.

والثاني: اعتبار الشريعة شاملة لكل أحكام الدين العقدية والعملية.

وعرفها الشيخ المراغي بقوله: "الشريعة هي الأحكام العملية التي تختلف باختلاف الرسل"تفسير المراغي (6/130)..

فجعلها قاصرة على الأحكام العلمية، وسمى الأحكام العقدية (دينًا)، فقال: "الدين هو الأصول الثابتة التي لا تختلف باختلاف الأنبياء"المرجع السابق..

وبيّن أنّ هذا باعتبار استعمال وعُرف العلماء واصطلاحهم، وليس من حيث اللغة أو الشرع، فقال: "وهذا هو العرف الجاري الآن، إذ يخصّون الشريعة بما يتعلق بالقضاء وما يتخاصم فيه إلى الحكام، والخلاصة- أنّ الشريعة اسم للأحكام العملية، وأنّها أخصّ من كلمة (الدين)، وتدخل في مسمّى الدين من جهة أنّ العامل بها يدين لله تعالى بعمله، ويخضع له ويتوجّه إليه، مبتغيًا مرضاته وثوابه بإذنه"المرجع السابق..

وعرّفها الشيخ أبو زهرة: "ما جاء من أحكامٍ تكليفية يجب العمل بها أمرًا ونهيًا وندبًا وإباحة"زهرة التفاسير (4/2227)..

وهو موافق للشيخ المراغي بقصرها على الأحكام العملية، ويلاحظ أن هذين التوجّهين في الاصطلاح هما امتداد للاستعمالين الشرعيين، وإن كان الغالب استعمالها في المعنى الثاني كما أشار لذلك الشيخ المراغي.

غير أنّه لا بدّ من الإشارة إلى أنّه في الاستعمال العملي عند أهل العلم لكلمات (الشريعة والمشروع وغير المشروع) وما دار في فلك هذه الاشتقاقات، يدخلون فيها آراء واجتهادات أهل العلم.

فيُقال مثلًا: حكم المسألة الفلانية في الشريعة الإسلامية كذا وكذا، ويتم عرض نصوص الشريعة وكلام أهل العلم، وهذه ملاحظة لا بد من اعتبارها في نسبة الشرعية لأيّ أمر من الأمور.

وعليه: يمكن أن نعرّف الشريعة بأنّها: أحكام الدين الإسلامي التي جاءت في الكتاب والسنة واجتهادات أهل العلم.

فقولنا: أحكام، يخرج القصص والمواعظ ونحوها، ويدخل فيها كل حكم بمعنى نسبة شيء لشيء.

وقولنا: الدين، يخرج الأحكام العقلية والحسية والعرفية

وقولنا: الإسلامي يخرج أحكام الأديان التي بعث بها الرسل -عليهم الصلاة والسلام- مما اختلفت فيه شرائعهم عن شريعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لأنّ المراد بالإسلام هنا الخاص بالنبي صلى الله عليه وسلّم، لا الإسلام العام الذي  يشمل جميع الأنبياء.

وقولنا: جاءت في الكتاب والسنة واجتهادات أهل العلم: لتشمل ما ورد من أحكام في نصوص الوحي في الكتاب والسنة، والأحكام الاجتهادية لأهل العلم أيضًا.

 

الاعتبار الثاني: تعريفه باعتباره لقبًا وعلَمًا على هذا الفن:

بعد معرفة مفردات المصطلح، نأتي إلى تعريف المصطلح من حيث كونه لفظًا مركّبًا، بناء على ما فهمناه من معاني مفرداته،

فنقول: السياسة الشرعية هي: رعاية الشؤون العامة في مختلف نواحي الحياة من خلال الحكم، بما يحقق مصالح العباد من جلب ما ينفعهم ودفع ما يضرهم، وفق أحكام الدين الإسلامي التي جاءت في الكتاب والسنة واجتهادات أهل العلم.

أو يمكن اختصاره بالقول: (هي رعاية الشؤون العامة وفق أحكام الشريعة الإسلامية).

وسبق شرح مفردات التعريف، غير أنّه لا بدّ من التأكيد على أنّ المقصود من قولنا: (وفق أحكام الشريعة) أي لا تعارضها، وليس المقصود بأنْ يكون العمل منصوصًا عليه، وسيأتي تفصيل هذه النقطة إن شاء الله.

ولقد درج الكثير من أهل العلم قديمًا كابن تيمية وابن القيم وابن عقيل الحنبلي والحنفية والشافعية وغيرهم، على استعمال هذا المصطلح في التعبير عن المعنى الذي فسرناها به، وحديثًا أفردها المعاصرون بكتب كثيرة في ذات السياق والمعنى.

غير أنّ بعض الباحثين يرون للسياسة الشرعية معنىً أضيق دائرة مما ذكرناه، فقصروها على أفعال الحاكم التي تحقّق المصلحة مما لم يرد فيها نصانظر أضواء على السياسة الشرعية ص (18) للدكتور سعد العتيبي..

ويلاحظ أنّ هذه المعنى يضيّق البحث إلى دائرة المسكوت عنه فقط من باب أفعال الإمام، ولكننا نرى أنّ الضرورة والحاجة تقتضي بحث السياسة الشرعية بمعناها الذي قلناه، فليس المعنى العام الشامل لكل رعاية مقصودًا لنا ولا لدارسي السياسة الشرعية اليوم، ولا المعنى الضيق لأفعال الإمام مما لا نصّ فيه مقصودًا لنا أيضًا، بل أفعال الإمام وما يتعلق بمجال الإمام هو مراد لنا، وهو ما نرى الواقع والحاجة تقتضيه.

 

  المطلب الثاني: مصطلح السياسة بين الشمول والتضييق:

إذا انطلقنا من تعريفنا للسياسة الشرعية بأنّها رعاية الشؤون العامة وفق أحكام الدين الإسلامي، فإن الشؤون العامة كثيرة ومتشعبة، منها القضاء والاقتصاد والخدمات وحفظ الدين والأمن العام وحماية البلد والناس من العدو، وباختصار هي مقاصد الإمامة التي تُعنى بحفظ مصالح الدين والدنيا.

وهي بهذا المعنى شاملة لكثير من أبواب الفقه التي تحتاج للإمامة، وبالتالي تحتاج للسياسة، وبهذا الشمول لمفهوم السياسة كتب ابن تيمية كتابه: السياسة الشرعية، وابن القيم: الطرق الحكمية، والماوردي وأبو يعلي كتابيهما: الأحكام السلطانية، والجويني: كتاب الغياثي، وغيرهممقاصد هذه الكتب بشكل أدق بينها تفاوت: 1- فكتاب ابن تيمية في إدارة الشؤون الداخلية للدولة الإسلامية. 2- وكتاب ابن القيم في طرق القضاء وإعمال القرائن في استخراج الحق، مع تضمنه لبعض المباحث المتعلق بالإدارة الداخلية كالحسبة. 3- وكتب الماوردي وأبي يعلى والجويني في أحكام الخلافة ورئاسة الدولة وعقدها ومسائلها. إلا أنّها كلها تندرج تحت المعنى العام للسياسة الشرعية، وتتكامل فيما بينها لتحقيق هذا الشمول ..

وبهذا المعنى للسياسة نجد أنّ نصوص السياسة كثيرة وكثيرة جدًا، فكلّ نصوص الفقه الجنائي والحدود والمعاملات والأحوال الشخصية والجهاد والقضاء وبعض العبادات التي تحمل بُعدًا سياسيًا في جانب من جوانبها كصلاة الجمعة وكالزكاة، هي نصوص في السياسة الشرعية، بل إنّ كثيرًا من نصوص الأخلاق والعقيدة هي نصوص في السياسة الشرعية.

وهذا المعنى الشامل لمفهوم السياسة هو الاستعمال والإطلاق الصحيح لها، وهو ما تدلّ عليه اللغة والشرع والتاريخ.

غير أنّ توجهًا كبيراً من المعاصرين، يحصر مفهوم السياسة في قضية الحكم، وما يلوذ به من طريقة اختيار الحاكم وصفاته وصلاحياته ومحاسبته وحكم الخروج عليه ونحو ذلك، وفي شكل نظام الحكم بناء على النظريات المعاصرة، أي أنّهم يقصرون مفهوم السياسة على جانب من جوانب أحكام الإمامة، التي هي حسب المفهوم السابق مبحث من مباحث السياسة وليست هي السياسة.

وبناء على هذا الاستعمال الضيق للسياسة، يقولون إنّه لا توجد لدينا نصوص سياسية كثيرة في الشريعة، ولا يوجد نظام سياسي معين في الشريعة.

وهذا كلام لا يجوز طرحه بهذه السطحية، كما أنّه لا يُقبل ولا يُردّ مباشرة أيضًا، بل لا بد من تفصيل وبيان ليكون الرد واضحًا، وهاهنا نقطتان لا بد منهما لتحرير محل النزاع والبحث.

 

الأولى: قلة النصوص:

إذا حصرنا مفهوم السياسة بما يتعلق بالإمام وشكل الحكم، وهو جانب من أحكام الإمامة كما سبق -تنزّلاً على استعمال المعاصرين- فالنصوص الشرعية في هذا الباب قليلة قياسًا بغيره من أبواب الفقه، وهذا له حِكمة لا تخفى على دارس الشريعة.

فمن خلال استقراء أحكام الشريعة نجد أنّها تنقسم إلى ثلاثة أقسام من حيث وفرة النصوص:

  • قسم وافر جدًا في النصوص لدرجة أن تكون معظم مسائله منصوصًا عليها، كمسائل العباداتالعلماء متفقون على عدم مشروعية إثبات عبادة جديدة بالقياس، ومتّفقون كذلك على أنّه لا مدخل للقياس فيما لا يُعقل معناه من أعداد الصلوات والركعات وأنصبة الزكاة ونحو ذلك. لكنّ جمهورهم يرون أنّ العبادات معقولة المعنى في كثيرٍ من أحكامها؛ فيجوز تعليلها وإجراء القياس فيها كغيرها، وكتب المذاهب الأربعة مليئة بمسائل فقهية ليس فيها نصوص خاصّة..
  • وقسم وافر في النصوص ولكن بشكل أقلّ من الأول، وباب الاجتهاد فيه واسع، كالمعاملات مثلًا، والخلاف بين العلماء في هذين القسمين من جهتين: جهة التعامل مع النصوص ثبوتًا أو فهمًا، ومن جهة القياس عليها.
  • وقسم نصوصه قليلة، وباب الاجتهاد فيه واسع جدًا، لدرجة أن جلّ مسائله مبنية على الاجتهاد والمصالح والمقاصد، وهو باب الإمامة.

ولعلّ الحكمة في هذا التفاوت: أنّ القسم الثالث يكاد يكون مبناه على تحقيق مصالح العباد، والجانب الدنيوي فيه واسع وكبير، واختلاف طبائع وعادات الناس فيه مؤثّرة ومعتبرة، لذلك كانت دائرة الاجتهاد فيه أوسع والنصوص أقل، ودورها متوجّه إلى التأسيس والتوجيه والإرشاد والتصحيح لبوصلة الاجتهاد فيه.

إلّا أنّ قلتها نسبية، أي مقارنة بأقرانها من أبواب الفقه، وإلا فهي ليست قليلة بذاتها كما يصوّرها بعضهم حتى تشعر من كلامه أنّها شبه معدومة!! وأنّه يملك مطلق الحرية في الاجتهاد ولا يملك قيودًا من النصوص تحدّ اجتهاده، وعند التعرّض لمسائل الإمامة ستظهر لنا النصوص التي يجب التقيد بها ولا يجوز مجاوزتها إلى الرأي كما يفعل من يطرح هذه النقطة.

 

الثانية: توفر النظام:

وهنا لا بد أن نسأل ما المقصود بالنظام؟ لأننا سمعنا كثيرًا من بعض العلمانيين يقول: لا يوجد نظام سياسي في الإسلام، وآخر يقول لا يوجد نظام اقتصادي في الإسلام، ولعل هناك من يقول لا يوجد نظام إداري ولا قضائي في الإسلام.

فماذا يقصدون بالنظام؟

هل المقصود: أنّه لا توجد أسس ومبادئ تبنى عليها الأحكام السياسة أو الاقتصادية أو الإدارية ونحوها؟

أو لا توجد مقاصد وأهداف وغايات لهذه التشريعات؟

أو لا توجد شكلية مقنّنة ومبوّبة ومقسّمة على غرار القوانين والدساتير والنظم الداخلية للمؤسسات؟

فإن كان المقصود الأول أو الثاني، فهو جهل قبيح بالشريعة وكذب صارخ عليها، لأنّ الشريعة كلها -ومنها أحكام الإمامة- قامت على مبادئ واضحة ومحدّدة ومنصوص عليها، وهي تهدف لتحقيق غايات ومقاصد واضحة، وسنتكلم عنها لاحقًا إن شاء الله .

وإن كان المقصود الثالث، فهذا ليس عيبًا بل هو مدح للشريعة، لأنّ حصر الناس ضمن قالب وشكلية معينة لا يستوعب اختلاف الزمان والمكان والعادات والناس فيه تضييق وحرج عليهم، فكان ترك هذه الشكليات إلى اجتهاد الناس من محاسن الشريعة، بل إنّ القوانين الوضعية والنظم الاقتصادية والإدارية تتغير وتتطور وتتبدل أشكالها وأساليبها كل فترة نظرًا لتغير الحياة.

فمن ينكر وجود نظام سياسي أو اقتصادي أو غيرهما، يريد من الشريعة أن تكون قد جاءت بمواد وقوانين وفقرات تبيّن كل صغيرة وكبيرة في هذا الجانب، وهذا طعن في الشريعة لو حصل، والمعترض يعيب على الشريعة جَمالها وكَمالها.

 

  المطلب الثالث: أنواع السياسة

عندما نقول سياسة شرعية، يعني أنّ هناك سياسة غير شرعية، وبعض العلماء سمى الشرعية بالعادلة، ومقتضى ذلك أن تكون مقابلتها ظالمة، غير أنّ التسمية بالشرعية وغير الشرعية أولى وأفضل.

يقول المقريزي: "والسياسة نوعانالذي يظهر أنّ كلام المقريزي في جزء محدّد من السياسة الشرعية، وهو طريق استخراج القاضي للحق والعدل بين الخصمين. ومثله كلام ابن تيمية التالي، وأيضًا كلام ابن القيم، لكنّ كلامهم داخل في السياسة الشرعية بمفهومها العام المراد بهذا البحث.: سياسة عادلة تُخرج الحق من الظالم الفاجر، فهي من الأحكام الشرعية، عَلِمَها من عَلِمَها، وجَهِلَها من جَهِلَها، وقد صنّف الناس في السياسة الشرعية كتبًا متعدّدة، والنوع الآخر سياسة ظالمة، فالشريعة تحرّمها"المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (3/384)..

والحدّ الفاصل بين الشرعية وغير الشرعية هي موافقتها للشريعة، فإن وافقتها فهي سياسة شرعية، كما سبق في تعريفها، وإن لم توافقها فهي سياسة غير شرعية.

وقد يفهم البعض الموافقة بأن يكون كل سلوك منصوصًا عليه، وهذا غير صحيح، وربما وجدوا من كلام بعض أهل العلم ما يؤيد فهمهم، كما قال ابن تيمية في معرض مناقشته للحنفية  في قتل فاعل الفاحشة (عمل قوم لوط): "وفي تصانيفهم إذا احتج عليهم محتجّ بمن قتله النبي -صلى الله عليه وسلم- أو أمر بقتله، كقتله اليهودي الذي رضّ رأس الجارية وكإهداره لدم السابّة التي سبّته وكانت معاهَدة، وكأمره بقتل اللوطي ونحو ذلك، قالوا: هذا يعمله سياسة، فيقال لهم: هذه السياسة إن قلتم هي مشروعة لنا فهي حق، وهي سياسة شرعية، وإن قلتم: ليست مشروعة لنا فهذه مخالفة للسنة"مجموع الفتاوى (20/391)..

فهو يرد على أمر ذهب إليه الحنفية وهو اعتبار بعض العقوبات التي أوقعها النبي -صلى الله عليه وسلم- كالتي ذكرها ابن تيمية، هي من باب السياسة، أي العقوبة الاجتهادية التي يراها الحاكم، وليست من باب الشرع المنصوص عليه، فهو يقول: إن قلتم هي مشروعة فهذا حق وهي سياسة شرعية، لأنّ بعض السياسة الشرعية ما هو منصوص عليه، وإن قلتم ليست مشروعة لنا فهو مخالف لمفهوم السنّة في الفقه والأصول، وليس في كلامه قصر السياسة الشرعية على المنصوص عليه فقط.

بل صرّح تلميذه ابن القيم أنّ بابًا كبيرًا من السياسة الشرعية ليس منصوصًا عليه، وإنّما يحقق مصلحة شرعية، فيما نقله من مناظرة ابن عقيل، حيث قال: "وجرت في ذلك مناظرة بين أبي الوفاء ابن عقيل وبين بعض الفقهاء،

فقال ابن عقيل: العمل بالسياسة هو الحزم، ولا يخلو منه إمام،

وقال الآخر: لا سياسة إلا ما وافق الشرع،

فقال ابن عقيل: السياسة ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يشرعه الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا نزل به وحي، فإن أردت بقولك "لا سياسة إلا ما وافق الشرع" أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح، وإن أردت ما نطق به الشرع فغلط وتغليط للصحابة، فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والتمثيل ما لا يجحده عالم بالسِيَر، ولو لم يكن إلا تحريق المصاحف كان رأيًا اعتمدوا فيه على مصلحة، وكذلك تحريق علي كرّم الله وجهه الزنادقة في الأخاديد، ونفي عمر نصر بن حجاج ...".

قال ابن القيم: "قلت: هذا موضع مزلة أقدام، ومضلّة أفهام، وهو مقام ضنك في معترك صعب، فرّط فيه طائفة فعطّلوا الحدود، وضيعوا الحقوق، وجرَّؤوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، وسدّوا على أنفسهم طرقًا صحيحة من الطرق التي يُعرف بها المحقّ من المبطل، وعطّلوها مع علمهم وعلم الناس بها أنّها أدلّة حق، ظنًّا منهم منافاتها لقواعد الشرع، والذي أوجب لهم ذلك نوعُ تقصير في معرفة حقيقة الشريعة والتطبيق بين الواقع وبينها، فلمّا رأى ولاة الأمر ذلك وأنّ الناس لا يستقيم أمرهم إلا بشيء زائد على ما فهمه هؤلاء من الشريعة، فأحدثوا لهم قوانين سياسية ينتظم بها مصالح العالم، فتولد من تقصير أولئك في الشريعة وإحداث هؤلاء ما أحدثوه من أوضاع سياستهم شرٌّ طويل، وفسادٌ عريض، وتفاقمَ الأمر، وتعذَّر استدراكه، وأفرطت طائفة أخرى فسوّغت منه ما يناقض حكم الله ورسوله، وكلا الطائفتين أُتيت من قِبَلِ تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله، فإنّ الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض، فإذا ظهرت أمارات الحق، وقامت أدلّة العقل، وأسفر صبحه بأيّ طريق كان، فثمّ شرع الله ودينه ورضاه وأمره، والله –تعالى- لم يحصر طرق العدل وأدلته وأماراته في نوع واحد وأبطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه وأدلّ وأظهر! بل بيّن بما شرعه من الطرق أنّ مقصوده إقامة الحق والعدل وقيام الناس بالقسط، فأيّ طريق استخرج بها الحق ومعرفة العدل وجب الحكم بموجبها ومقتضاها"إعلام الوقعين (4/284)..

وفي كلامه السابق بيان سبب انحراف أهل الجمود الذين قصروا السياسة على ما نصّ عليه الشرع، وأهل الإفراط الذين فتحوا باب السياسة على ما حلّ وحَرُم، وهو جهلهم بمقاصد الشريعة وغاية الرسالة.

وقد زاد ابن القيّم على كلامه السابق في موضع آخر بيانًا مهمًّا لسبب الانحراف فقال: "ولعمر الله إنّها [أي أفعال الصحابة السابقة] لم تنافِ ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- وإن نافت ما فهموه من شريعته باجتهادهم، والذي أوجب لهم ذلك: نوع تقصير في معرفة الشريعة، وتقصير في معرفة الواقع، وتنزيل أحدهما على الآخر"الطريق الحكمية ص (13)..

وبيان ذلك أنّ جزءًا كبيرًا من السياسة في إدارة شؤون العامة هو للنوازل، وجلّها في أمور الدنيا، وميزان هذا الباب تحقيق مصلحة الرعية والأمّة، وباب المصلحة كبير لا يتعيّن تحقيقه على المنصوص في الشرع، وتحقيق المصلحة باب من أبواب الشرع كما سيأتي بيانه، وبهذا تكون السياسة الشرعية من الشريعة وليست شيئًا مقابلًا لها، كما نبّه لهذا ابن القيم بقوله: "ولا نقول: إنّ السياسة العادلة مخالفة للشريعة الكاملة، بل هي جزء من أجزائها وباب من أبوابها، وتسميتها سياسة أمر اصطلاحي، وإلّا فإذا كانت عدلًا فهي من الشرع"إعلام الموقعين (4/284).، وقال: "وتقسيم الناس الحكمَ إلى شرعية وسياسية، كتقسيم من قسّم الطريقة إلى شريعة وحقيقة، وذلك تقسيم باطل، فالحقيقة نوعان: حقيقة: هي حقّ صحيح فهي لبّ الشريعة لا قسيمتها، وحقيقة باطلة فهي مضادة للشريعة كمضادة الضلال للهدى.

وكذلك السياسة نوعان: سياسة عادلة فهي جزء من الشريعة وقسم من أقسامها لا قسيمتها، وسياسة باطلة فهي مضادّة للشريعة مضادة الظلم للعدل"بدائع الفوائد (3/154)..

وفي كلامه الرائع هذا ردّ قوي مبين على من جعل السياسة مغايرة للدين، سواء ممن ذهب نحو سياسة الغرب، أو ممن ترك السياسة واعتبرها مخالفة للدين، ورفع شعارات: (لا سياسة في الدين، ومن السياسة ترك السياسة، والسياسة نجاسة) ونحوها من عبارات مآلها إلى العلمانية، وهي فصل الدين عن الدولة باسم الإسلام.

ولا يقلّ خطر هؤلاء عن خطر من غالى في السياسة فراح يُجيز كلّ رأي يراه الحاكم وكلّ سلوك ولو خالف الشرع، ويعتبره جائز سياسةً، وهذا عين الضلال والتفلّت من الشرع، كمن يحكّم بالقوانين الوضعية.

 

  المطلب الرابع: بناء السياسة على المصلحة:

ممّا سبق يتبيّن أنّ جوهر السياسة تحقيق المصلحة للأمّة، ولهذا كانت القاعدة الفقهية عند أهل العلم: "تصرُّفُ الإمام على الرعية منوط بالمصلحة"المنثور في القواعد الفقهية للزركشي ص (1/309)، الأشباه والنظائر للسيوطي ص (121)، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص (104) وغيرها من كتب القواعد والأصول..

قال الشيخ علي أمين أفندي في شرح هذه القاعدة: "تصرّف الراعي في أمور الرعية يجب أن يكون مبنيًّا على المصلحة، وما لم يكن كذلك لا يكون صحيحًا، والرعية هنا عموم الناس الذين هم تحت ولاية الولي"شرح مجلة الأحكام العدلية ص (1/57)..

وقال الشيخ الزرقا: "التصَرف على الرعية منوط بالمصلحة، أي: إِنّ نفاذ تصرف الراعي على الرعية ولزومه عليهم شاؤوا أَو أَبَوا مُعَلّقٌ ومتوقّف على وجود الثمرة والمنفعة في ضمن تصرّفه دينيّة كانت أو دنيوية، فإن تضمّن منفعةً ما وجب عليهم تنفيذه، وإلا رد، لأنّ الراعي ناظر، وتصرّفه حينئذ متردّد بين الضرر والعبث، وكلاهما ليس من النّظر فِي شيء "شرح القواعد الفقهية للزرقا ص (309)..

وهذه القاعدة كغيرها من قواعد الفقه هي انتظام معنىً جامع تكرر في جزئيات فقهية حتى صار هذا المعنى الجامع قاعدةً فقهيةً، ومن نصوص الفقهاء التي جاء فيها هذا المعنى قول الشافعي: "منزلة الوالي من الرعية، منزلة الوليّ من اليتيم"المنثور للزركشي ص (1/309).، وهي مستقاةٌ من قول عمر -رضي الله عنه- وهو أصل هذ القاعدة: "إنّي أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم"السنن الكبرى للبيهقي برقم (11001)..

والجزئيات الفقهية التي جاء فيها معنى هذه القاعدة كثيرة جدًّا، ومرادنا هنا بيان أنّ مَن ولي أمر العامة فعليه أن يحقق لهم مصالحهم في سياسته، وإلا فتعتبر سياسته لهم غير شرعية.

والمصلحة ليس ما وافق الهوى أو الرغبة، فهناك مصالح وهمية أو غير شرعية، بل المصلحة: "ما جَلَبَ منفعة أو دَفَعَ مضرة"المستصفى للغزالي ص (1/174).، أي حقّق غرضًا مشروعًا للأمّة، ولهذا قسم العلماء المصالح ثلاثة أقسامالمستصفى للغزالي ص (1/173).:

  1. مصلحة مشروعة: أي أقرّها الشرع كتحقيق الربح في التجارة المباحة، وإشباع الغريزة في الزواج.
  2. مصلحة محرّمة: نصّ الشرع على تحريمها كتحقيق الربح في بيع الخمر أو لحم الخنزير، وإشباع الغريزة في الزنا.
  3. مصلحة مرسلة: وهي التي سكت عنها الشرع، وهي معتبرة بشروط ثلاثةعلم أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف ص (82).:
  1. أن تكون حقيقية وليست مصلحة وهمية، وذلك بتيقن وقوع منفعة أو دفع مفسدة بها.
  2. أن تكون عامّة وليست خاصة، أي أنّ النفع المجلوب بها والضرر المدفوع يشمل أكبر عدد من الناس وليس لفرد أو أفراد قلائل.
  3. أن لا تعارض مبدأ أو حكمًا ثبت بالشرع، ويمثلون لها بفتوى يحيى الليثي حيث أفتى أمير الأندلس بالصيام في كفارة الجماع في نهار رمضان بأن يصوم شهريين متتابعين، والصيام إنّما يكون إذا لم يجد عتق رقبةلحديث أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: (بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ. قَالَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ قَالَ: لاَ، قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، قَالَ: لاَ، فَقَالَ: فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا. قَالَ: لاَ، قَالَ: فَمَكَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ -وَالعَرَقُ المِكْتَلُ- قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ؟ فَقَالَ: أَنَا، قَالَ: خُذْهَا، فَتَصَدَّقْ بِهِ فَقَالَ الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا -يُرِيدُ الحَرَّتَيْنِ- أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، فَضَحِكَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ). رواه البخاري (1936).، وعللّ ذلك بأنّ المقصود من الكفارة الزجر، وهو قد رأى أنّ الزجر يتحققّ بصوم الشهرين أكثر من عتق الرقبة، لأّن الأمير قادر على العتق، لكنّ صوم شهرين متتابعين يشقّ عليه. ولكنّها فتوى مخالفة للنص.

وزاد بعض الشافعية شرط أن تكون ضرورية: أي ما كانت من الضرورات الخمس: الدين والعقل والنفس والمال والنسبالإبهاج شرح المنهاج للسبكي ص (3/178)..

وبناء على ما سبق: فإنّ تصرفات الحاكم أو من يسوس العامّة يجب أن تكون محقّقة لمصالحهم من جلب النفع لهم ودفع الضرر عنهم، وهذه المصلحة يجب أن تكون منضبطة بالشروط السابقة.

ويبيّن الشاطبي تكييف المصلحة فقهيًا، أو صورة حصولها، فيقول: "كلّ أصل شرعي لم يشهد له نص معين، وكان ملائمًا لتصرفات الشرع، ومأخوذًا معناه من أدلته، فهو صحيح يُبنى عليه، ويُرجع إليه إذا كان ذلك الأصل قد صار بمجموع أدلّته مقطوعًا به، لأنّ الأدلة لا يلزم أن تدل على القطع بالحكم بانفرادها دون انضمام غيرها إليها كما تقدّم، لأنّ ذلك كالمتعذّر، ويدخل تحت هذا ضرب الاستدلال المرسل الذي اعتمده مالك والشافعي"الموافقات (1/32)..

وفي نصّه على الشافعي إشارة إلى أنّ المصلحة المرسلة ليست مذهب مالك فحسب، بل هي عند التطبيق مذهب الجميع، قال الشوكاني: "قال ابن دقيق العيد: الذي لا شكّ فيه أنّ لمالك ترجيحًا على غيره من الفقهاء في هذا النوع، ويليه أحمد بن حنبل، ولا يكاد يخلو غيرهما من اعتباره في الجملة، ولكن لهذين ترجيح في الاستعمال لها على غيرهما. قال القرافي: هي عند التحقيق في جميع المذاهب، لأنهم يقومون ويقعدون بالمناسبة، ولا يطلبون شاهدًا بالاعتبار، ولا نعني بالمصلحة المرسلة إلا ذلك "إرشاد الفحول  (2/184)..

وإذا تحققت المصلحة بشروطها السابقة، فهي تؤثر في تصرفات الحاكم من عدة نواحي:

  • قد تبيح محرّمًا، وأمثلته كثيرة، منها جواز فرض ضريبة على مال الأغنياء إذا تهدّد أمن الدولة وعجز بيت المال على سدّ الحاجة، وجواز ضرب المتهم للوصول للاعتراف، وجواز قتل الزنديق وأصحاب الفساد ممن لا ينتهي خطرهم إلا بالقتل عند بعض أهل العلم، ونحو ذلك.
  • قد تبيح ترك واجبٍ كإقامة الحدود حال الحرب، وعند الضرورة كما ترك عمر حدّ السرقة عام المجاعة.
  • وقد ترجّح مفضولًا على فاضل كمبايعة المفضول مع وجود الفاضل إذا تحقّقت فيه الكفاءة للإمامة.
  • وقد تقيّد مباحًا كما لو رأى الإمام منع الرعية من فعل مباح لتحقيق مصلحة الأمّة.
  • وقد ترجّح حكمًا مختلفًا فيه، وتلزم الأخذ بأحدهما، لجمع كلمة الأمة.

وواضح أنّ مسألة تحديد المصلحة ثم تحديد ضوابطها وحدودها هي مسألة اجتهادية بحتة، فمرّدها إلى العلماء المجتهدين، لاسيما في عصرنا الحاضر حيث يندر وجود حاكم عنده علم بالشرع، فضلًا عن أن يكون مجتهدًا. ولو ترك الأمر للحكّام في هذا لربما جعلوا المصلحة المرسلة بابًا للظلم والاستبداد.

 

  المطلب الخامس: مقاصد ومبادئ الشريعة:

إنّ فهم ومعرفة مقاصد ومبادئ الشريعة مهم جدًا في باب السياسة الشرعية، حتى يجعل المسلم سياسته محقّقة لمقاصد الشريعة، ومبنيّة على مبادئها، وفيما يأتي تعريف بمقاصد ومبادئ الشريعة.

أولاً: مقاصد الشريعة:

عرّفها الشيخ ابن عاشور بقوله: "المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها"مقاصد الشريعة لابن عاشور، ص (51)..

وعرّفها الدكتور يوسف العالم بقوله: "هي المصالح التي تعود إلى العباد في دنياهم وأخراهم، سواء أكان تحصيلها عن طريق جلب المنافع، أو عن طريق دفع المضار"المقاصد العامة للشريعة الإسلامية ص (79)..

وعرّفها الدكتور محمد اليوبي بقوله: "هي المعاني والحكم ونحوها التي راعاها الشارع في التشريع عمومًا وخصوصًا، من أجل تحقيق مصالح العباد"مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة الشرعية، ص (37)..

والملاحظ في تعريف الشيخ ابن عاشور أنّه اعتبر المقاصد هي حكم التشريع والمعاني الملحوظة، أمّا تعريف الدكتور يوسف العالم فاعتبرها المصالح، ولعل تعريف الشيخ ابن عاشور هو الأدقّ في بيان حقيقة المقاصد، وأما تعريف الدكتور يوسف العالم فهو تعريف لها بأثرها وثمرتها، ولهذا كان تعريف الدكتور اليوبي أشمل وأدقّ، إذ بيّن أنّ حقيقتها هي المعاني والحكم الملحوظة، وغايتها وثمرتها تحقيق المصالح.

أي يمكن القول: إنّ أحكام الشريعة جاءت لتحقيق مصالح العباد، كما يقول الشاطبي: "المعلوم من الشريعة أنها شرعت لمصالح العباد، فالتكليف كلّه إمّا لدرء مفسدة، وإمّا لجلب مصلحة، أو لهما معًا، فالداخل تحته مقتض لما وضعت له"الموافقات للشاطبي، ص (1/199)..

وقد راعت الشريعة من أجل تحقيق هذه المصالح معاني وحكمًا هي مقاصدها في التشريع، فحفظ المال من مقاصد الشريعة، وبحفظ المال تتحقق مصالح الناس في المعاش، وحفظ النفس من مقاصد الشريعة وبحفظ النفس تتحقق مصالح الناس في الحياة والأمان، وهكذا.

وليست هذه المقاصد على درجة واحدة، لأنّ مصالح الناس ليست على درجة واحدة، ولهذا قسّم العلماء المقاصد ثلاثة أقسام، ضرورية وحاجية وتحسينية.

أمّا الضرورية فيقول الشاطبي: " فمعناها أنّها لا بدّ منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين"الموافقات ص (2/8)..

أي أنّ الشيء الذي يتطلبه الناس، إذا وصل بهم الأمر إلى أنهّ لو فُقد لتهددت حياتهم، وانعدمت السعادة وساد الشقاء في الدنيا أو الآخرة، فعندها يسمّى هذ الشيء "ضرورة"، وحفظها مقصد من مقاصد الشريعة، وبالاستقراء توصّل العلماء إلى تحديد هذه الأمور الضرورية بخمسة، يقول الشاطبي: " اتفقت الأمّة بل سائر الملل على أنّ الشريعة وُضعت للمحافظة على الضروريات الخمس، وهي الدين والنفس والنسل والمال والعقل، وعِلْمها عند الأمة كالضروري، ولم يثبت لنا ذلك بدليل معيّن ولا شهد لنا أصل معيّن يمتاز برجوعها إليه، بل عُلمت ملاءمتها للشريعة بمجموع أدلّة لا تنحصر في باب واحد"الموافقات ص (1/38)..

وأما الحاجيات فيقول الشاطبي: "فمعناها أنّها مُفتَقرٌ إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقّة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراعَ دخل على المكلّفين -على الجملة- الحرج والمشقّة، ولكنّه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة"الموافقات ص(2/10)..

أي أن الناس بحاجة إليها، ولكن حاجتهم ليست كحاجتهم إلى الضروريات، فلو لم تتحقق لهم لما تهددت حياتهم، ولكن سيقعون في مشقة وعنت، فمراعاة الشريعة لها من باب التيسير ورفع الحرج، كالرخص في العبادات، وإباحة البيوع وعقود المعاوضات في المعاملات، والولاية في الزواج، ونحو ذلك من الأحكام.

وأما التحسينيات فيقول الشاطبي: "فمعناها الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجنّب الأحوال المدنسات، التي تأنفها العقول الراجحات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق"الموافقات ص (2/11)..

أي أن هذه الأمور إنّما يطلبها الناس من أجل الرفاهية والتلذذ، بحيث تتجمل حياتهم ويسودها النعيم، ولو فقدت لما تهدّدت حياتهم، ولما شعروا بحرج ومشقّة، كآداب الطعام والشراب والعادات، ونحو ذلك من مكارم الأخلاق ومحاسنها.

 

ثانيًا: مبادئ الشريعة:

مصطلح مبادئ الشريعة لم يتحرر بقدر كافٍ، ولم يُتفق على مفهومه، ولهذا نرى اختلافًا في استعمالاته، فمنهم من يستعمله بمعنى أحكام الشريعة نفسها، ومنهم من يستعمله بمعنى أصول الفقه ومصادر التشريع، ومنهم من يستعمله بمعنى مقاصد الشريعة، وهذا التنوع واضح لمن استقرأ كلام أهل العلم ولا سيما المعاصرين عند استعمال هذا المصطلح.

غير أنّ ثمة استعمالًا ردّده البعض لعلّه مناسب في توضيح المراد بهذا المصطلح، وهو أنّ مبادئ الشريعة هي: المعاني والقيم التي بنيت عليها أحكام الشريعة. فهذه المبادئ أشبه بالمنطلقات الفكرية أو الأسس القِيَميّة والأخلاقية التي أقيمت عليها أحكام الشريعة الإسلامية، وهي ملحوظة ومستنبطة بالاستقراء لأحكام الشريعة ونصوصها، كحال المقاصد التي أشار إليها الشاطبي.

فالتوحيد والاتّباع والحرية والعدل والإحسان والمساواة والرحمة واليسر والشورى والعزّة والكرامة كلها مبادئ إسلامية انطلقت منها الشريعة وأسّست عليها أحكامها، ودلّت عليه نصوص الكتاب والسنة.

والفرق بينها وبين المدلولات الأخرى التي استعملها الآخرون فيها واضح:

فالفرق بين المبادئ والأحكام: هو أنّ الأحكام الشرعية هي الحلال والحرام والمكروه والمندوب والمباح في سائر المجالات، أما المبادئ فهي الأسس والقيم التي بنيت عليها وأقيمت عليها الأحكام.

والفرق بين المبادئ وأصول الفقه: هو أنّ الأصول قواعد علمية في اللغة أو الحديث أو التفسير يستنبط من خلالها الحكم الفقهي من النصّ، أمّا المبادئ فهي قِيَم ومعاني كلّية عامّة أقيمت عليها الأحكام.

والفرق بين المقاصد والمبادئ: هو أنّ المقاصد معاني ملحوظة بالمآل، أي وجودها يتحقق بالالتزام بالتشريع، والمبادئ معاني ملحوظة بالبدء أي وجودها سابق للحكم.

ونظرًا لهذا التقارب والتشابه الدقيق يخلط البعض بين المقاصد والمبادئ، ويعتبرونهما شيئًا واحدًا، لكن بالتأمّل الدقيق يُلَاحظ الفرق، وبالأمثلة يتّضح:

  • فمن مقاصد (التعليم): بناءُ الإنسان بتوسعة مداركه وتنمية عقله وتهذيب أخلاقه، وبناء المجتمع وتحقيق نهضته، وعمارة الأرض ... الخ، أمّا مبادئ التعليم الصحيح فهي: إتاحة العلم للجميع بغير تمييز، والبحث العلمي، والتطبيق والممارسة، واحترام المعلم ... الخ. فبين مبادئه ومقاصده فرق واضح.
  • وفي باب الأحكام الشرعية:
    • (تحريم قتل النفس)، فالتحريم هو حكم الشريعة، والنصوص هي دليل التحريم، وقواعد الاستنباط هي أصول الفقه، وحفظ النفس هو مقصد الشريعة، والعدل هو المبدأ الذي أُقيم عليه الحكم.
    • وكذلك (تحريم الربا)، فالمقصد من تحريمه: حفظ المال، ومبدأ تحريمه: الرحمة والعدل ومنع الظلم.

وهكذا في سائر أحكام الشريعة.

وليس الغرض هنا أن نبيّن ما هي مبادئ الشريعة أو ما هي مقاصدها، والدليل عليهما، فهو خروج بالبحث عن مساره، ولكن الغاية هي أن نشير إلى أنّ الشريعة بنت أحكامها على مبادئ وراعت في بنائها مقاصد ولاحظت من خلالها تحقيق مصالح، ولم تكن أحكام الشريعة عبثيةً البتة.

 

ثالثًا: حتمية التزام أحكام الشريعة:

مبادئ الشريعة ومقاصدها معانٍ مشتركة بين الشريعة الإسلامية وغيرها من الأديان والقوانين الوضعية، ولكنّ الخلاف بين الشريعةِ وغيرِها في الأحكام التي هي الوسائل لتحقيق هذه المقاصد وإظهار هذه المبادئ، ولهذا فإنّ أحكامَ الشريعة الإسلامية لازمة ومتعينة لتحقيق المقاصد وإظهار المبادئ، وهدر أحكام الشريعة وتأويلها أو تغييرها واعتماد أحكام وضعية ما أنزل الله بها من سلطان بحجّة أنّها تحققّ مقاصد الشريعة وتظهر مبادئها هو خروج عن الشرع، بل هو طعن في الشرع باعتبار أنّ غيرَه أفضل منه في تحقيق المقاصد والمبادئ، ولهذا كان من حيلة العلمانيين وأعداء الشريعة أن قرروا في بعض الدساتير العربية أنّ مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للحكم، فطار بها بعض البسطاء وظنّوها نصرًا للشريعة وما علموا أنّها تحايل مقيت. ودونك طامة أخرى وهي: اعتبار الشريعة المصدر الرئيس وليس الوحيد، أي أنّ هناك مصادر غيرها!

ومما يروِّج له بعض الدعاة اليوم، منهم بحسن قصد ومنهم بخبث قصد، أنّ الغاية من الأحكام تحقيق مقاصدها، فالهدف من قطع يد السارق ورجم الزاني وتحريم الربا هو حفظ المال والنسب، فإن استطعنا أن نحقّق هذه المقاصد من خلال القوانين الوضعية فلا حرج، فنكون حققنا مقصد الشريعة الذي أرادته من أحكامها.

وهذا من فقه إبليس، والردّ عليه مع -وضوح فساد الدعوى- من وجوه:

أنّنا متعبدون بالحكم لا بالمقصد ولا بالمبدأ:

فالله -سبحانه تعالى- أمرنا أن نتّبع أحكامه، وأن نقف عند حدوده، وبهذا نحن متعبدون باتباع الحكم، والنصوص في هذا الباب كثيرة ومعلومة، منها قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب:36].

قال الحسن: "ليس لمؤمن ولا مؤمنة إذا أمر الله -عز وجل- ورسوله -صلى الله عليه وسلم- بأمر أن يعصياه"تفسير القرطبي (14/187)..

وقال الطبري: "لم يكن لمؤمن بالله ورسوله ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله في أنفسهم قضاء أن يتخيّروا من أمرهم غير الذي قضى فيهم، ويخالفوا أمر الله وأمر رسوله وقضاءهما فيعصوهما، ومن يعص الله ورسوله فيما أمرا أو نهيا {فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا} يقول: فقد جار عن قصد السبيل، وسلك غير سبيل الهدي والرشاد"تفسير الطبري (20/271)..

فإذا جاء الأمر بالفعل أو النهي عنه فلا يسع المؤمن إلا أن يلتزم، وأي ترك للطاعة فهو معصية وكفر عملي، وإن زين الهوى لصاحبه الترك بذرائع واهية. يقول ابن القيم في معرض حديثه عن التواضع للدين، وأنّه: "الانقياد لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، والاستسلام له، والإذعان"، ذكر أنّه يتحقق بعدّة أمور منها: "أن لا يعارض شيئًا مما جاء [الدين] به بشيء من المعارضات الأربعة السارية في العالم، المسمّاة: بالمعقول، والقياس، والذوق، والسياسة.

فالأولى: للمنحرفين أهل الكبر من المتكلمين، الذين عارضوا نصوص الوحي بمعقولاتهم الفاسدة، وقالوا: إذا تعارض العقل والنقل: قدّمنا العقل وعزلنا النقل، إمّا عزل تفويض، وإمّا عزل تأويل.

والثاني: للمتكبّرين من المنتسبين إلى الفقه، قالوا: إذا تعارض القياس والرأي والنصوص: قدّمنا القياس على النص، ولم نلتفت إليه.

والثالث: للمتكبّرين المنحرفين من المنتسبين إلى التصوّف والزهد، فإذا تعارض عندهم الذوق والأمر، قدّموا الذوق والحال، ولم يعبؤوا بالأمر.

والرابع: للمتكبّرين المنحرفين من الولاة والأمراء الجائرين، إذا تعارضت عندهم الشريعة والسياسة، قدّموا السياسة ولم يلتفتوا إلى حكم الشريعة، فهؤلاء الأربعة هم أهل الكبر. والتواضع: التخلص من ذلك كله"مدارج السالكين (2/318)..

ولسان حال هؤلاء أننا مأمورون بتحقيق المقصد والمبدأ، وما الحكم الشرعي إلا وسيلة من الوسائل وهو خيار من الخيارات المطروحة، فقد نراه الأفضل فنلتزم به، وقد نرى غيره أفضل منه فنلتزم به، وهذا عين الضلال، فحكم الشرع ملزم لذاته لا لمقصده ولا لمبدئه، بل لو جهلنا المقصد من الحكم، أو لو فرضنا أنّ أحكام الشريعة لا مقاصد لها، بل هي مجرد تكاليف، لما وسعنا إلا أن نلتزم بها ونعمل، وهذا معنى العبودية لله.

 

أنّ حكم الشرع هو الأقوم بإطلاق:

إنّ من لوازم الإيمان بالله ورسوله وكتابه أن نؤمن بأنّ هدي القرآن والسنة هو الهدي الأكمل والأقوم والأفضل، ومن ظنّ أنّ تعليمًا أو هديًا هو أفضل من هدي الشرع فقد كفر وإن اعتقد فضيلةَ هدي الشرع، لأنّه تفضيلٌ لهدي البشر على هدي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء:9]، بمعنى: أنّ هدي القرآن أفضل من غيره، قال الطبري: "{لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} يقول: للسبيل التي هي أقوم من غيرها من السبل، وذلك دين الله الذي بعث به أنبياءه وهو الإسلام". وقال القرطبي: "{لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} أي الطريقة التي هي أسدّ وأعدل وأصوب ... وقال الزجّاج: للحال التي هي أقوم الحالات، ، وهي توحيد الله والإيمان برسله"تفسير القرطبي (10/225)..

وقد لا تكون (أقوم) هنا على بابها، أي لا يُراد بها التفضيل، وإنّما يراد بها الأفضل والأقوم بإطلاق، قال ابن حيّان: "الذي يظهر من حيث المعنى: أنّ (أَقْوَمُ) هنا لا يراد بها التفضيل، إذ لا مشاركة بين الطريقة التي يرشد إليها القرآن وطريقة غيرها وفُضّلت هذه عليها، وإنّما المعنى: التي هي قيّمة، أي مستقيمة، كما قال: {وذلك دين القيمة}، و{فيها كتب قيمة}، أي مستقيمة الطريقة، قائمة بما يحتاج إليه من أمر الدين"البحر المحيط في التفسير (7/18)..

وحال من يعتبر أنّ غير أحكام الشريعة تحقق مقاصدها ومبادئها، وليس بالضرورة أن نلتزم بأحكام الشريعة، هو حال من يظنّ أنّ غير الشريعة أفضل وأقوم -في أحسن الظنون به- وهو حال كفري بلا ريب.

 

أنّ في هذا باطنية وصوفية سياسية:

من شرّ المصائب التي ابتليت بها الأمة ظهور الباطنية، وهم فرقة لبسوا لبوس الإسلام وتظاهروا به زمن الفتوحات، وأضمروا دينهم وكفرهم الذي كانوا عليه، ولما عجزوا عن محاربة الإسلام وإظهار معتقداتهم جهارًا، بدؤوا يطرحون معتقدات ظاهرها من الإسلام وحقيقتها من كفرهمانظر فضائح الباطنية ص (18) وما بعدها.، ومن هذه المعتقدات: أنّ المرء يسعه الخروج عن شرع الله، وأنّ الغاية أن يصل إلى الإيمان ولو لم يتقيد بالأحكام، وهذه لوثة أصابت بعض الصوفية فوقعوا في غلوّ مقيت وجاؤوا ببدعة ثنائية الشريعة والحقيقة.

ولا نرى حال من يزعم أنّ مقاصد الشريعة تتحقق بغير أحكامها إلا كحال الباطنية وغلاة الصوفية.

فحال الباطنية شابههم به بعض العلمانيين حيث أضمروا العلمانية وأظهروا لباس الإسلاميين، وروّجوا لفكرة أنّ أحكام الشريعة ليس كما فهمها من يسمّونهم الأصوليين، وراحوا يفسّرون أحكام الشريعة بما يجعلها قاصرة على عبادة العبد لربه في محرابه، وجرّدوها من كل تعلّق بالدنيا، كما زعم الباطنيون تمامًا.

وحال غلاة الصوفية شابههم به بعض الإسلاميين الذين يزعمون أنّ الغاية تحقيق المقاصد بغضّ النظر عن الوسيلة والحكم الذي يحققها، سواء كان حكم الشريعة أم حكم القانون، فصارت السياسة عندهم كالذوق عند الصوفية.

وكما أفسدت الباطنية والصوفية عقائدَ الأمّة، تريد الباطنية والصوفية السياسية اليوم أن تفسد على الناس حياتهم وتسيء إلى السياسة الشرعية.

وكما كانت الباطنية منزلقًا للتحرّر من الدين والتخلّص من سلطان أحكامه، ومرتعًا خصبًا لكلّ زنديق وضالّ، كذلك هذه الدعوات التي تنادي بسياسة تزعم أنّها تحقّق مقاصد الشريعة ومبادئها من دون التقيّد بأحكامها هي سبيلٌ للتخلّص من سلطان الشريعة والتحرّر من أحكامها، وتسويق لحكم القانون الوضعي، وتأملْها ستراها مرتعًا لكل ضال في الفكر أو منحرف في السلوك.

والخلاصة: أنّ التقيد بأحكام الشريعة في السياسة الشرعية بحيث لا تخالفها السياسة مطلوبٌ لذاته، ولا يسع المسلمَ الخروجُ عنه قط، ومقاصدُ الشريعة ومبادؤها في باب السياسة الشرعية لا يمكن الوصول إليها إلّا من خلال الأحكام التي شرعها صاحب المقاصد والمبادئ.

وسنخصص البحث القادم إن شاء الله لبيان مقاصد ومبادئ السياسة الشرعية.

 

1 - إعلام الموقعين (4/283).
2 - النهاية في غريب الحديث والأثر (2/421).
3 - لسان العرب (6/108).
4 - المرجع السابق.
5 - الصحاح (3/938).
6 - المصباح المنير (2/295).
7 - أصل الكلمة في اللغة: الطَّبْعُ، قال ابن فارس في مقاييس اللغة (3/119): "السُّوسُ الطَّبْعُ، يُقَالُ: هَذَا مِنْ سُوسِ فُلَانٍ، أَيْ طَبْعِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ سُسْتُهُ أَسُوسُهُ فَهُوَ مُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ مِنْ هَذَا، كَأَنَّهُ يَدُلُّهُ عَلَى الطَّبْعِ الْكَرِيمِ وَيَحْمِلُهُ عَلَيْهِ".
8 - أخرجه البخاري برقم (3455) – كتاب أحاديث الأنبياء – باب ما ذكر عن بني إسرائيل.
9 - فتح الباري (6/497).
10 - شرح صحيح مسلم (12/231).
11 - عمدة القاري شرح البخاري (16/43)، حاشية السندي على سنن ابن ماجه (2/204)، شرح الطيبي على مشكاة المصابيح (8/2564)، التحبير لإيضاح معاني التيسير (3/713).
12 - التوضيح لشرح الجامع الصحيح (19/609).
13 - إعلام الموقعين (4/283).
14 - المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (3/383).
15 - البحر الرائق (5/11).
16 - المراجع السابقة في الحاشية (9).
17 - مقاييس اللغة (3/262).
18 - لسان العرب (8/175).
19 - تفسير الطبري (10/384).
20 - تفسير القرطبي (16/10).
21 - تفسير ابن كثير (7/194-195).
22 - فتح القدير (4/607).
23 - تفسير القرطبي (6/211).
24 - زاد المسير (1/555).
25 - تفسير ابن كثير (3/129).
26 - تفسير القرطبي (6/211)، فتح القدير (5/9).
27 - قال الجرجاني: "الدور: هو توقف الشيء على ما يتوقف عليه، ويسمى: الدور المصرح، كما يتوقف "أ" على "ب"، وبالعكس، أو بمراتب، ويسمى: الدور المضمر، كما يتوقف"أ" على "ب"، و "ب" على "ج"، و "ج" على "أ"" التعريفات ص (105)، وهنا عرّف الشريعة بأنّها ما شرع الله، فيتوقف فهم (ما شرع) على فهم الشريعة، وهذا دور.
28 - تفسير المراغي (6/130).
29 - المرجع السابق.
30 - المرجع السابق.
31 - زهرة التفاسير (4/2227).
32 - انظر أضواء على السياسة الشرعية ص (18) للدكتور سعد العتيبي.
33 - مقاصد هذه الكتب بشكل أدق بينها تفاوت: 1- فكتاب ابن تيمية في إدارة الشؤون الداخلية للدولة الإسلامية. 2- وكتاب ابن القيم في طرق القضاء وإعمال القرائن في استخراج الحق، مع تضمنه لبعض المباحث المتعلق بالإدارة الداخلية كالحسبة. 3- وكتب الماوردي وأبي يعلى والجويني في أحكام الخلافة ورئاسة الدولة وعقدها ومسائلها. إلا أنّها كلها تندرج تحت المعنى العام للسياسة الشرعية، وتتكامل فيما بينها لتحقيق هذا الشمول .
34 - العلماء متفقون على عدم مشروعية إثبات عبادة جديدة بالقياس، ومتّفقون كذلك على أنّه لا مدخل للقياس فيما لا يُعقل معناه من أعداد الصلوات والركعات وأنصبة الزكاة ونحو ذلك. لكنّ جمهورهم يرون أنّ العبادات معقولة المعنى في كثيرٍ من أحكامها؛ فيجوز تعليلها وإجراء القياس فيها كغيرها، وكتب المذاهب الأربعة مليئة بمسائل فقهية ليس فيها نصوص خاصّة.
35 - الذي يظهر أنّ كلام المقريزي في جزء محدّد من السياسة الشرعية، وهو طريق استخراج القاضي للحق والعدل بين الخصمين. ومثله كلام ابن تيمية التالي، وأيضًا كلام ابن القيم، لكنّ كلامهم داخل في السياسة الشرعية بمفهومها العام المراد بهذا البحث.
36 - المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (3/384).
37 - مجموع الفتاوى (20/391).
38 - إعلام الوقعين (4/284).
39 - الطريق الحكمية ص (13).
40 - إعلام الموقعين (4/284).
41 - بدائع الفوائد (3/154).
42 - المنثور في القواعد الفقهية للزركشي ص (1/309)، الأشباه والنظائر للسيوطي ص (121)، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص (104) وغيرها من كتب القواعد والأصول.
43 - شرح مجلة الأحكام العدلية ص (1/57).
44 - شرح القواعد الفقهية للزرقا ص (309).
45 - المنثور للزركشي ص (1/309).
46 - السنن الكبرى للبيهقي برقم (11001).
47 - المستصفى للغزالي ص (1/174).
48 - المستصفى للغزالي ص (1/173).
49 - علم أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف ص (82).
50 - لحديث أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: (بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ. قَالَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ قَالَ: لاَ، قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، قَالَ: لاَ، فَقَالَ: فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا. قَالَ: لاَ، قَالَ: فَمَكَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ -وَالعَرَقُ المِكْتَلُ- قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ؟ فَقَالَ: أَنَا، قَالَ: خُذْهَا، فَتَصَدَّقْ بِهِ فَقَالَ الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا -يُرِيدُ الحَرَّتَيْنِ- أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، فَضَحِكَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ). رواه البخاري (1936)
51 - الإبهاج شرح المنهاج للسبكي ص (3/178).
52 - الموافقات (1/32).
53 - إرشاد الفحول  (2/184).
54 - مقاصد الشريعة لابن عاشور، ص (51).
55 - المقاصد العامة للشريعة الإسلامية ص (79).
56 - مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة الشرعية، ص (37).
57 - الموافقات للشاطبي، ص (1/199).
58 - الموافقات ص (2/8).
59 - الموافقات ص (1/38).
60 - الموافقات ص(2/10).
61 - الموافقات ص (2/11).
62 - تفسير القرطبي (14/187).
63 - تفسير الطبري (20/271).
64 - مدارج السالكين (2/318).
65 - تفسير القرطبي (10/225).
66 - البحر المحيط في التفسير (7/18).
67 - انظر فضائح الباطنية ص (18) وما بعدها.
ملف للتنزيل: 

إضافة تعليق جديد