الثلاثاء 12 نوفمبر 2019 الموافق 14 ربيع اول 1441 هـ

بحوث ودراسات

كيف أسهم الإعلام الليبرالي في تعزيز شرعية الغلاة

05 جمادي الثاني 1440 هـ


عدد الزيارات : 1763
ابراهيم السكران

 

ملخّص البحث – إعداد موقع على بصيرة

في كل مرّة ترتفع فيها وتيرة أفعال الغلاة، وتنوء الأمّة بجرائمهم؛ يهبّ الإعلام الليبرالي بكافّة أطيافه للحديث عن هذه القضية بطريقة يُفهم منها بادئ ذي بدء: مهاجمة الغلاة والدفاع عن المجتمع في وجه هذه الفئة المارقة، إلا إنّه وبعد تفحّص ما يكتبه الليبراليون نجد أنّهم يسيرون وفق استراتيجية مفضوحة لتسليم الشرعية السنّية لهؤلاء الغلاة!

فمحصّلة كلامهم: أنّ جرائم الغلاة ليست شذوذاً ولا انشقاقاً عن فقه المسلمين، وأنّ كل جرائمهم المشينة إنّما هي مأخوذة من كلام أهل السنّة وأئمة السلف وعلومهم وتحقيقاتهم وتحريراتهم، بل وصل الأمر ببعضهم إلى ربطها ربطًا مباشرًا بنصوص الوحيين.

ولهذا الكلام آثار خطيرة على المستويين القريب والبعيد، من أهمّها:

  1. تبرئة الغلاة من الغلوّ والخروج عن منهج أهل السنّة والجماعة، فهم بحسب هؤلاء الإعلاميين الليبراليين ليسوا خوارج طارئين على فقه المسلمين، بل هم أهل السنّة حقاً!!

  2. إيصال رسالة إلى المجتمع أنّ هؤلاء الغلاة ليس لديهم خلل ديني اعتقادي، وأنّ ما وقعوا به من انحراف ناتج عن خلاف سياسي، وبالتالي صناعة ثقافة مجتمعية متسامحة تجاه الغلو وأهله.

  3. تقوية قلوب الغلاة على باطلهم، ومنحهم الشرعية الكاملة لأفعالهم، بلسان أعدائهم الليبراليين، "فـالحقّ ما شهدت به الأعداء".

  4. إثارة الشاب الحائر لحسم قراره باتجاه الغلاة، والاندفاع لصفوفهم بقوّة، ويقين بأنّ ما هم عليه هو الحق الذي نشأ هو نفسه عليه، لكن الفرق أنّ الغلاة كانوا أكثر جرأة وإقدامًا على تطبيق هذا الحق منه!

  5. إضعاف حال وموقف المصلحين المجتهدين لدحر الغلو ومجابهة أهله.

 

والمحصّلة النهائية لهذه الآثار هي: ضرب منهج أهل السنّة والجماعة في الصميم، فهو المنهج الذي ينتج هؤلاء الغلاة، ولا نجاة للمجتمع إلا بالتخلّي عنه، والميل إلى الانحلال من الدين.

  1. يضاف هذه الآثار أثر غاية في الخطورة، وهو: تقوية موقف وإعلام الأعداء ضدّ مجتمعات ودول أهل السنّة. وسواء قصد الليبراليون ذلك أم لم يقصوا: فهذا الأمر حاصل ومشاهَد بلا ريب.

 

ولأهمّية هذا الموضوع الخطير، وضرورة الكشف عن خفاياه، كان هذا البحث القيّم من الشيخ إبراهيم بن عمر السكران حفظه الله، والذي تناوله بعلميّة وموضوعية هادئة من خلال عدّة جوانب:

الأوّل: بيان أنّ الأفراد ضمن "جماعة غلو" وإن اجتمعوا في مقولات عامّة مشتركة إلا أنّ بينهم تفاوتاً في الخلفيات والبواعث.

فمنهم القيادات الجائعة للنفوذ والهيمنة، ومنهم الشاب الذي يريد نصرة دينه وأمّته فانخدع بخطاب الغلاة نتيجة نقص علمه وخبرته، ومنهم الذي ذاق القهر والظلم فأراد الانتقام والنكاية بالدولة التي قهرته وظلمته، ومنهم من فيه نزعة غريزية للبطش والعجرفة والتسلط والشِّجار، فوجد في خطاب الغلاة الجبروتي وتصرفاتهم الإجرامية ما يشبع نهمته، ومنهم شريحة متعاطفة مع الغلاة نتيجة اعتبارات متعددة.

كما أنّ لجماعة الغلو آلية واضحة في الاستدلال والاحتجاج والاستشهاد بالقرآن والسنّة والأثر، تعتمد على وضع نصوص الشرع ونصوص العلماء في غير موضعها، نتيجة جهل، أو هوى ظاهر أو خفي، أو الأمرين معًا.

 

الثاني: أنّ كثرة استدلال الغلاة بنصوص القرآن والسنّة واستشهادهم بأقوال أهل العلم لا يعني أنّهم امتداد لهم، أو أنّهم نتاج فكرهم وفقههم.

فالخوارج الذين قاموا على الناس يطالبون بتحكيم كتاب الله: سفكوا الدماء، وكفّروا خيار المسلمين وفضلاءهم، وكان شرّهم على أهل الإسلام أعظم من خطرهم على أهل الأوثان، فهل يملك أحد أن يقول إنّ الخوارج هم امتداد للقرآن وتطبيق له وأثر من آثاره باعتبار أنّ كثرة الاستشهاد دليل على الامتداد؟!

إذن: هذه الحجّة التي يعتمد عليها الليبراليون في نسبة جرائم الغلو لتراث أهل السنة غير صحيحة، وقد نقضها الكاتب بثلاثة أمثلة أخرى غير مثال الخوارج تكشف كلها أنّه قد يُظهِر تيارٌ ما الانتساب لمنظومة فكرية لكنّه لا يطبق أفكارها؛ إمّا لسوء فهمٍ أو هوى.

 

الثالث: بيان السبب الذي يدعو مدرسة الغلاة إلى التركيز التلقائي وغير النزيه على تراث أهل السنّة وعمالقة العلم والإصلاح فيه أكثر من غيرهم.

وهو أنّهم يريدون أن يستمدّوا من هذا التراث وهذه الرموز شرعيتهم، ويُظهروا أنّهم يعبّرون عن رؤية علمية لا مجرّد بلطجة عسكرية، وأنّهم صدروا عن كتب العلوم الشرعية، وأنّ صلتهم بكتب التراث وثيقة.

وبعد أن رصد الكاتب صنيعهم في هذا الاتجاه من خلال إصداراتهم، بدأ بتجريدهم من تلبّسهم بالشرعية السنّية من خلال كشف حقيقتهم، وبيان قسمات التشابه بينهم وبين مسالك الغلاة والحرورية والخوارج في إنزال أحكام التكفير على من لا يستحقها من معصومي الدماء، والتأكيد على زيف انتساب جرائمهم إلى أئمة السنّة.

       

الرابع: الكشف عن استراتيجية منظومة الإعلام الليبرالي في الربط بين جرائم الغلو وتراث أهل السنة، والزعم بأنّها امتداد لفقه المذاهب الأربعة لأهل السنة وكبار العلماء والمصلحين، وذلك من خلال: اقتباسات معزوّة للمصدر الإعلامي وتحليل هذه الاقتباسات وبيان مدلولاتها الكارثية التي أشرنا إليها في بداية هذا التلخيص.

مع التنبيه إلى أنّ هذا الموقف الإعلامي الليبرالي لا يمثّل الموقف الرسمي في تفسير الغلو، حيث أورد الكاتب تصريحات أربعة من المسؤولين السعوديين، هم: (الملك، ووزير داخليته، ووزير خارجيته، ووزير الشؤون الإسلامية) وهم يرفضون بإلحاح تسليم المشروعية السنّية والأصالة التراثية للغلاة؛ والغرض من ذلك حتى لا يقع أحد تحت إرهاب الإعلام الليبرالي فيظنّ أنّه إن لم يسلّم لهم فهو يخالف سياسة الدولة وقد يتعرض للمساءلة والخطر!

وللجواب على إشكالية وجه انتفاع إعلام الغلاة بخطاب الإعلام الليبرالي مع وجود القطيعة بينهما: بيّن الكاتب أنّ خطاب الإعلام الليبرالي في تأكيد الشرعية التاريخية للغلو: يقوّي قلب الغلاة على باطلهم، ويدفع الشابَّ الحائر لحسم قراره باتجاههم، ويهيئ المناخ المجتمعي لاحتضان الغلو، ويثبط المصلح المجتهد في محاصرة الغلو، كما يخدم الأجندة الإيرانية الديماغوجية في التحريض ضد مجتمعات ودول أهل السنة.

ثم تحدّث الكاتب عن بواعث الكتّاب الليبراليين المنخرطين في هذه الماكينة الإعلامية، وأنّها متفاوتة، ومن أبرزها الشرائح الأربع: المعتاش والمناكف واللاديني والعميل المزدوج، مع الإقرار والاعتراف أنّ ثمة كتّاباً ليبراليين منخفضي الصوت لم يكونوا تروساً في هذه الماكينة لأسباب مختلفة، وأنّ ثمة أيضاً منتسبين للتديّن شاركوا في هذه الحفلة الليبرالية.

والخلاصة التي توصّل إليها الكاتب: "أنّ الإعلام الليبرالي في ملف الغلو يمثل ما سماه مالك بن نبي "المحامي المورِّط" الذي كما يقول (يورِّط موكّله بدعوى أنّه يقوم بالدفاع عنه)، فهو يعرض نفسه باعتباره "محامياً" عن المجتمع ضد الغلو، وتكشّفت حقيقة الحال أنّه "ورّط" المجتمع بتكريس دعوى شرعية الغلو، وحفر المزيد من الأخاديد التي تمكّن الغلو من مدّ جذوره فيها بكل انسيابية، وساعد إعلام الغلاة في بناء متاريس الأصالة التاريخية لهم".

 

لتحميل البحث بصيغة PDF .. اضغط هنا

 

ملف للتنزيل: 

إضافة تعليق جديد