الخميس 22 نوفمبر 2018 الموافق 13 ربيع اول 1440 هـ

عبر من التاريخ

فتنة الخوارج في المغرب ... ذلك الإعصار المدمر

26 صفر 1440 هـ


عدد الزيارات : 162
أحمد الظرافي

 

  دعاة الخوارج في المغرب:

جاء استقرار الفتح الإسلامي للمغرب في نهاية القرن الأول الهجري بعد تضحيات جسيمة، بذلها المسلمون على مدى سبعين عامًا، متزامنا مع سكون العاصفة التي أثارها الخوارج في المشرق، ولذلك لجأت فلولهم المنهزمة منها إلى المغرب، وخصوصًا بعد انقضاء خلافة عمر بن عبد العزيز (99-101هـ)، وجعلوا مركز إقامتهم ودعايتهم بين قبائل البربر المنتشرة في إقليمي طنجة والسوس، وعلى رأسها مطغرة وبرغواطة ومكناسة، لبعدها عن القيروان، حيث يقيم عامل الأمويين. وهكذا راح أولئك الدعاة، يروّجون لأفكارهم الهدّامة في أوساط تلك القبائل، وأنّ الإمامة حقّ مطلق لكل مسلم "صالح"، بغض النظر عن جنسه، وليست حكرًا على قريش، وبمواكبة ذلك عملوا على إثارة نقمتها على الخلفاء الأمويين وولاتهم في المغرب، بل على العرب عامّة، مستغلّين بعض الممارسات السلبية التي تصدر عن بعض الولاة، وقد صادفت دعايات أولئك الخوارج هوىً في نفوس بعض الطامحين والمغامرين، وعلى رأسهم رجل يدعى ميسرة المطغري، لكن مع ذلك لم يقتنع البربر بفكرة الخروج على الخلافة، لأنّ النظرة السائدة للخليفة حينذاك كانت نظرة إجلال ومهابة باعتباره رمزًا لوحدة المسلمين، ولذلك اجتهد دعاة الخوارج في تشويه تلك الصورة المهيبة للخليفة في أعينهم، فكان البربر يقولون: لا نخالف الأئمة بما تجني العمال، فيردّ عليهم دعاة الخوارج: إنّما يعمل هؤلاء بأمر أولئك، فقالوا: حتى نخبرهم. فقيل أنّ زعماء البربر بعثوا وفدًا إلى دمشق لكي يتظلموا من سياسة الوالي عبيد الله بن الحبحاب، برئاسة ميسرة نفسه، فيقال أنّ الخليفة هشام رفض مقابلتهم، وبالتالي، عادوا إلى قبائلهم، وقد اختمرت فكرة الثورة برؤوسهم.

 

  اندلاع الفتنة ووقعة الأشراف:

وفي سنة 122هــ قام ابن الحبحاب ببعث حملة بحرية لفتح جزيرة صقلّية بقيادة حبيب بن أبي عبيدة، ولم يكن الخوارج ينتظرون فرصة أحسن من هذه، لذلك لم يلبثوا أن أعلنوا ثورتهم في شمال المغرب، واستولوا على طنجة، وبويع لميسرة فيها بالخلافة، وخُوطب بأمير المؤمنين، واتخذها قاعدة لخلافته، ثم سار إلى السوس بجنوبي المغرب، واستولى عليها أيضًا، وبهذا خرج المغرب الأقصى كله عن الخلافة، ووجد ابن الحبحاب نفسه في موقف حرج، لأنّ غالبية جيشه وراء البحر، ومع ذلك فقد بادر بتجميع من تبقّى لديه من جند أفريقية، واختار خالد بن أبي حبيب الفهري ليكون قائدًا عليه، وجعل معه أشراف العرب، وبادر بتوجيهه إلى طنجة، وفي نفس الوقت سارع باستدعاء حبيب بن أبي عبيدة وجيشه من صقلية. فزحف خالد الفهري، على رأس عساكره، نحو طنجة، وكان ميسرة حينذاك قد عاد إليها، منتشيًا بانتصاراته، لكنّه لم يلبث أن قُتل بأيدي أصحابه، لاستبداده بالأمر دونهم، وحلّ محله طاغية آخر هو: خالد بن حميد الزناتي، والتقى الجيش الذي يقوده الفهري، بجيش الزناتي في أحواز طنجة أوائل سنة 123هـ، فأحدق الخوارج بجيش الفهري فأبادوه، وكانت هزيمة ساحقة لجند الخلافة لم يُسمع بمثلها من قبل، قُتل فيها أشراف العرب وفرسانهم، ولذلك سميت بوقعة "الأشراف"، واستفحل بعدها أمر الخوارج، واشتدت وطأتهم على العرب. وبلغت أنباء تلك الهزيمة التي قُتل فيها أشراف العرب الخليفةَ هشام بدمشق، فهتف وهو في قمة انفعاله: "والله لأغضبن لهم غضبة عربية". وكان هذا القسم خطأ من الخليفة، لأنّ المفروض أن يغضب غضبة إسلامية، وليس عربية.

 

  نكبة ثانية لجيوش الخلافة:

والمهم أنّ الخليفة قرّر إرسال جيش عظيم إلى أفريقية للقضاء على فتنة الخوارج، واختار هذا الجيش من أجناد الشام، أي من جيش الخلافة الرئيسي، وجعل عليه وعلى ولاية أفريقية كلثوم بن عياض القشيري، وأوسع عليه في النفقة، وأصدر أوامره لوالي مصر أن يُضم إليه كل من استطاع من مقاتلين. ولم يلبث كلثوم بن عياض أن غادر دمشق على رأس جيشه، ومر بمصر فاستصحب عددًا من خيرة جندها، وكذلك فعل في طرابلس، فاجتمع له جيش عظيم قوامه سبعون ألفًا كما ذكر بعض المؤرخين، ثم توجّه بعد ذلك إلى أفريقية فوصلها في شوال 123هـ، وعسكر في بلدة بجوار القيروان تدعى "سبيبة"، ثم تحرّك نحو طنجة، فالتقى بجيش الخوارج في مكان بالقرب منها، فأحاط الخوارج بجيش الخلافة، وفتكوا به فتكًا ذريعًا، وقتلوا حبيب بن أبي عبيدة، ووجوه العرب، وكلثوم بن عياض قائد الجيش وأمير أفريقية الجديد نفسه، بينما استطاع بلج بن بشر، ومن معه من الفرسان، أن يخترقوا صفوف البربر، إلى أن يصلوا خلفهم، فاستدار لهم هؤلاء، فقاتلوهم قتالًا شديدًا، فاضطر بلج وأصحابه للفرار نحو الغرب، وانتهت المعركة بنكبة جديدة لجيش الخلافة، ولم ينجُ سوى حوالي تسعة آلاف، وهم الذين فرّوا مع بلج بن بشر وتحصّنوا في سبتة. وأما الخوارج فقد ازدادت ثورتهم عنفًا، وشملت أنحاء واسعة من المغرب، وصارت القيروان مركز الولاية ومهد الإسلام والعربية، مهدّدة بالاجتياح من قبلهم. ولما وصلت أخبار هذه الهزيمة إلى دمشق، ارتاع لها الخليفة هشام، وأدرك أن هذه الفتنة إذا استمرّت على هذا النحو فربما كانت نتيجتها خروج المغرب والأندلس عن الخلافة.

 

  تدخل الخلافة ووقعة الأصنام:

ولذلك عجّل الخليفة بالأمر إلى حنظلة الكلبي والي مصر للإسراع على رأس جيش مصر إلى القيروان لحمايتها من الخوارج، وفي نفس الوقت قام الخليفة بتجهيز جيش جديد قوامه ثلاثون ألفًا ووجّهه إليه، فوصل حنظلة إلى القيروان في ربيع 124هـ، وكان الخليفة هشام رغم مرضه دائم الاتصال به لتوجيهه والاطمئنان على جيشه. وفي غضون ذلك، أقبلت جحافل الخوارج نحو القيروان، وكانت مكوّنة من جيشين عظيمين، أحدهما بقيادة عكاشة الفزاري، والآخر بقيادة عبد الواحد الهوّاري، وكان الأخير هو الأعظم والأقوى، فخرج حنظلة للقاء الجيش الأول، فالتقى به في مكان يدعى "القرن"، وأنزل به هزيمة ساحقة، ثم عاد حنظلة بسرعة إلى القيروان، للاستعداد للقاء الجيش الرئيسي، واستنفر كل من في القيروان، وبذل أقصى ما بوسعه استعدادًا لهذه المعركة، التي ستقرّر مصير الإسلام بالمغرب، ودارت المعركة في مكان يدعى "الأصنام"، وكانت أشدّ من معركة اليمامة ضد مسيلمة الكذاب، فقد حمل المسلمون على الخوارج حملة واحدة، يتقدّمهم التابعون، وقد لبسوا الأكفان وكسروا أجفان سيوفهم، وصمدوا صمودًا أسطوريًّا، حتى بدأت أجنحة جيش الخوارج تترنح تحت ضرباتهم، ولم يلبثوا أن ولوا الأدبار هاربين، والمسلمون من خلفهم يقتلونهم، وأنزلوا بهم ضربة موجعة، وقتلوا طغاتهم، وعلى رأسهم الهواري والفزاري، وسجد المسلمون شكرًا لله على هذا النصر. فقيل: لم يقتل بالمغرب أكثر من هذه القتلة، وكان الليث بن سعد يقول: ما غزوة إلى الآن أشدّ بعد غزوة بدر من غزوة العرب بالأصنام. وكتب حنظلة بخبر هذا النصر للخليفة هشام، فوصله وهو في الرمق الأخير، وذلك سنة 125هـ.

 

  نتائج هذه الكارثة:

ومع أنّ هذا الانتصار الساحق قد حافظ على المغرب بلدًا إسلاميًّا عربيَّ اللغة، إلا أنّ هذه الفتنة قد نجم عنها ما يلي:

1. زوال سيادة الخلافة الأموية على المغرب، وهزّها هزّة عميقة في مركزها، حتى طمع الطامعون في إزالتها، وقد كان.

2. إيقاف الفتوحات، سواء تلك التي كانت تنطلق من تونس، أو من الشام.

3. أدّت إلى انسحاب المسلمين من صقلية وفرنسا ومناطق واسعة بشمال الأندلس.

4. أدّت إلى تمزيق وحدة المغرب الدينية والسياسية، والتي استمرت حتى ظهور المرابطين في القرن الخامس.

5. ساعدت على انتشار الدجل والشعوذة والحركات الهدّامة بالمغرب الأقصى، لأنّ البعض اتخذ منها قناعًا، للخروج عن الإسلام، كحال قبيلة برغواطة مثلًا.

6. أحدثت شرخًا عميقًا بين العرب والبربر لم يجبر حتى اليوم، بل إنّه اتسع في العصر الحاضر، نتيجةً للسياسة الفرنسية، التي وظّفتها للتفريق بين الشعبين، وذلك لتحقيق أهدافها الاستعمارية الخبيثة بالمغرب.

 

بقي أن نقول: إنّ الذين يتحدّثون عن فشل الخلفاء الأمويين في فتح القسطنطينية، وصدّ فرنسا لموجة الفتوحات الإسلامية، يتجاهلون هذا الإعصار المدمر، وما استنزفه من إمكانات وجهود، كانت تكفي لفتح القسطنطينية وأوروبا كلّها، فكيف لو أضفنا إليها الإمكانات والجهود العظيمة التي استنزفها إعصارهم السابق بالمشرق؟   

 

المصدر: مجلة البيان

إضافة تعليق جديد