الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 الموافق 02 ربيع ثاني 1440 هـ

إضاءات فكرية

قواعد في الولاء والبراء

30 محرم 1440 هـ


عدد الزيارات : 167
فايز الصلاح

 

  الأولى: الولاءُ حبٌّ ونصرةٌ

كلمةُ الولاء والموالاة، في أصل معناها اللغوي تدور في مختلف صورها على معنى القرب، يقال: ولي فلانٌ فلاناً إذا قرب منه أو إذا تابعه، وأهم معانيها الحب والنصرة.

قال شيخ الإسلام في "قاعدة المحبة" ص (198): "أصلُ الموالاة هي المحبة، كما أن أصل المعادة البغض. فإن التحاب يوجب التقارب والاتفاق، والتباغض يوجب التباعد والاختلاف".

وعلى هذا فالولاء شرعاً، هو: حُبٌّ ونصرةٌ لله عزَّ وجلَّ ولأوليائه.

وكلُّ من دخل في الإسلام له حظٌ من ولاية الله - قلَّت أو كثرت- ما يستحق بها من الحب والنصرة.

وقد أمر بالولاء له ولأوليائه:

قال تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}، {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة 55-56].

وقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71].

وفي الصحيحين عن النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم: مثلُ الجسد، إِذا اشتكى منه عضو: تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى).

 

وهذه الموالاة لها مظاهرُها ومقتضياتهُا وحقوقها:

أَولاً: الهجرةُ من بلاد الكفر إِلى بلاد المسلمين، ويُستثنى من ذلك المستضعف، ومَن لا يستطيع الهجرة لأَسباب شرعية.

ثانيًا: نصرةُ المسلمين، ومعاونتهم بالنفس والمال واللسان، ومشاركتهم في أَفراحهم وأَحزانهم.

ثالثًا: أَن يحب للمسلمين ما يحبه لنفسه، من الخير ودفع الشر، وعدم السخرية منهم، والحرص على محبَّتهم ومجالستهم ومشاورتهم.

رابعًا: أَداء حقوقهم من عيادة المريض، واتباع الجنائز، والرفق بهم، والدعاء والاستغفار لهم، والسلام عليهم، وعدم غشهم في المعاملة، ولا أكل أموالهم بالباطل.

خامسًا: عدم التجسس عليهم، ونقل أَخبارهم وأَسرارهم إِلى عدوهم، وكف الأَذى عنهم، وإصلاح ذات بينهم.

سادسًا: الانضمام إِلى جماعة المسلمين، وعدم التفرق عنهم، والتعاون معهم على البر والتقوى والأَمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

  الثانية: البراءُ بغضٌ وعداوةٌ

البراءُ في اللغة: مصدر قولهم: برئت منك، وهو مأخوذ من مادّة (ب ر أ) الّتي تدلّ على التّباعد من الشّيء ومزايلته. وفي "لسان العرب" (1/356): "بَرِئَ إِذا تخَلَّصَ ، وبَرِئَ إِذا تَنَزَّهَ وتباعَدَ".

والبراءُ شرعاً: بغضٌ وعداوةٌ للشيطان ولأوليائه.

وأولياءُ الشيطان صنفان: كفَّارٌ وفسَّاقٌ، فالكافر له البراءة المطلقة من غير ولاءٍ، والفسَّاق لهم براءٌ وولاءٌ، بحسب ما عندهم من الطاعة والعصيان.

وقد أمر الله بالبراءة من الكفر والكافرين، ونهى عن اتخاذهم أولياء:

قال تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران:  28].

وقال أيضًا: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 144].

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51].

 

وهذه البراءةُ لها مظاهرُها ومقتضياتها:

أولًا: بغض الشرك والكفر وأَهله، وعداوة الكافرين والمشركين.

ثانيًا: هجر بلاد الكفر، وعدم السفر إِليها إِلا لضرورة مع القدرة على إِظهار شعائر الدِّين.

ثالثًا: عدم التشبه بهم فيما هو من خصائصهم، دينا ودنيا، لأَنَّ ذلك يورث نوعا من المودة والموالاة في الباطن، والمحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر.

رابعًا: أَلا يناصِرَ الكفار، ولا يمدحهم، ولا يعينهم على المسلمين، ولا يَرْكَن إِليهم، ولا يتخذهم بطانة له يحفظون سره، ويقومون بأهم أَعماله.

خامسًا: أَلا يشاركهم في أَعيادهم وأَفراحهم، ولا يهنئهم عليها، وكذلك لا يعظمهم ولا يخاطبهم، بالسيد والمولى، ونحوها.

سادسًا: أَلَّا يستغفر لهم، ولا يترحم عليهم.

سابعًا: عدم التحاكم إِليهم، أَو الرضى بحكمهم، وترك اتباع أَهوائهم ومتابعتهم في أَي أَمر من أمورهم، لِأَنَّ متابعتهم يعني ترك حكم الله ورسوله.

ثامنًا: أَلا يبدأهم بتحية الإسلام: "السَلاَمُ عَلَيْكُمْ".

 

  الثالثة: الولاءُ والبراءُ من لوازم التوحيد والإيمان

التوحيدُ ولاءٌ وبراءٌ، ولاءٌ لله عبادةً ومحبةً، ولأوليائه محبةً ونصرةً، وبراءٌ من المعبودات الباطلة والعابدين لها، نفيٌ وإثباتٌ، وهذا حقيقة لا إله إلا الله.

قال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256].

والولاءُ والبراء أوثق عرى الإيمان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله) أخرجه الطبراني، والبيهقى في "شعب الإيمان", وصححه الألباني.

وفي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثٌ من كُنُّ فيه وجدَ بهنَّ طَعْمَ الإيمان: مَن كان اللَّهُ ورسولُهُ أحبَّ إليه مما سواهما، ومَنْ أحبَّ عبدًا لا يُحِبُّهُ إلا لله، ومن يكْرهُ أن يعودَ في الكفر - بعد أن أنقذه الله منه - كما يكرَه أن يُلقى في النار).

فلذلك خاطب الله عباده الموحدين بوصف الإيمان في مقام النهي عن تولي الكافرين.

قال تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران: 28].

وقال أيضًا: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} [النساء: 144].

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} [الممتحنة: 1].

بل جعل ذلك شرطًا في الإيمان،  كما قال تعالى: {تَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُون} [المائدة:80-81].

 

  الرابعة: الناسُ في الولاءِ والبراءِ مراتب

الناسُ في الولاء والبراء على ثلاثة أقسام: ولاءٌ من غير براء، وبراءٌ من غير ولاء، وولاءٌ وبراءٌ.

فأما القسمُ الأولُ: فهم أصحاب الولاء من غير براء، والذين يحبون محبةً خالصةً لا معاداةَ معها، وهم المؤمنونَ الخُلَّصُ منْ الأنبياءِ والصديقينَ والشهداءِ والصالحينَ.

قال الله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ - وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 55 - 56].

وأما القسم الثاني: فهم أصحاب البراء من غير ولاء، وهم منْ يُبغضُ ويُعادَى بُغضاً ومعاداةً خالصيْنِ لا محبةَ ولا موالاةَ معهما، وهم الكفارُ الخُلَّصُ من الكفارِ والمشركينَ والمنافقينَ والمرتدينَ والملحدينَ على اختلافِ أجناسِهمْ .

قال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: 22].

وأما القسم الثالث: أصحاب الجمع بين الولاء والبراء، وهم الذين يحبون من وجهٍ ويُبغَضُون منْ وجهٍ

فتجتمعُ فيه المحبةُ والعداوةُ وهمْ عصاةُ المؤمنينَ، يُحَبونَ لِمَا معهم منْ الإيمانِ، ويُبْغَضونَ لما فيهم منْ المعصيةِ التي هي دونَ الكفرِ والشركِ.

وقال شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (28/ 209): "إذا اجتمع في الرجل الواحد خيرٌ وشرٌّ، وفجورٌ وطاعةٌ، ومعصيةٌ وسنةٌ وبدعةٌ، استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، كاللص تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته. وهذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة، وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم".

 

  الخامسةُ: البراءُ من الكافرين لا يمنع الإحسان إليهم

ينقسم الكفار بحسب موقفهم من المسلمين إلى قسمين:

أولًا: أهل حرب .

ثانيًا: أهل عهد، وهم أقسام ثلاثة :أهل ذمة , وهدنة , وأمان .

وأهل الحرب هم الكفار الذين بينهم وبين المسلمين حالة حربٍ، ولا ذمّة لهم ولا عهد.

وهؤلاء يُقاتلون إن قدر المسلمون عليهم, وإلا تحولوا معهم إلى العهد والصلح، أو الإمساك عنهم من غير عهد ولا قتال.

فكلُّ هؤلاء- أهل الحرب والعهد- كفارٌ يجب التبرؤ منهم، ولكن لا مانع من الإحسان إلى غير الحربي من أهل العهد وغيرهم، ممن لم يقاتلنا في ديننا، ولم يخرجنا من ديارنا.

كما قال تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الممتحنة: 8، 9].

قال ابن القيم في "أحكام أهل الذمة" (1/602): "فإنَّ الله سبحانه لما نهى في أول السورة عن اتخاذ المسلمين الكفار أولياء، وقطع المودة بينهم وبينهم، توهَم بعضُهم أن برَّهم والإحسان إليهم من الموالاة والمودة، فبيَّن الله سبحانه أنَّ ذلك ليس من الموالاة المنهي عنها، وأنه لم ينه عن ذلك، بل هو من الإحسان الذي يحبه ويرضاه وكتبه على كل شيء، وإنما المنهي عنه تولي الكفار والإلقاء إليهم بالمودة".

وقال الحافظ ابن حجر في" فتح الباري" (5/233): "ثم البر والصلة والإحسان لا يستلزم التحابب والتوادد المنهي عنه، في قوله تعالى:{لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}، الآية،  فإنها عامة في حق من قاتل ومن لم يقاتل، والله أعلم".

وقال السعدي في "القواعد الحسان" ص (24): "فالنهي واقع على التولي والمحبة لأجل الدين، والأمر بالإحسان والبر واقع على الإحسان لأجل القرابة، أو لأجل الإنسانية على وجه لا يخل بدين الإنسان".

ومثل ذلك الإحسان إلى الوالدين الكافرين ، كما في قوله تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [لقمان: 15].

وقد أوصى النبي -صلى الله عليه وسلم- بأهل مصر الأقباط، ففي صحيح مسلم عن أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ ، فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا). قال ابن القيم في "تحفة المودود" ص (111): "أن النبي أوصى بالقبط خيراً ، وقال : إن لهم ذمة ورحماً ، فإن سرّيتي الخليلين الكريمين إبراهيم ومحمد -عليهما الصلاة والسلام- كانتا منهم، وهما هاجر ومارية، فأما هاجر: فهي أم إسماعيل أبي العرب، فهذا الرحم، وأما الذمة: فما حصل من تسري النبي -عليه السلام- بمارية وإيلادها إبراهيم، وذلك ذمام يجب على المسلمين رعايته ما لم تضيعه القبط".

 

  السادسةُ: ضابطُ الموالاة المكفرة

الولاءُ للكافر قسمان:

ولاءٌ كفرٌ مخرجٌ من الملة، وولاءٌ دون ذلك بحسب مرتبته.

والضابط في الولاء الكفري المخرج من الملة هو الباطن لا مطلق الظاهر، وما يكون في القلب لا ما تقوم به الجوارح وحسب، فمن والى الكفار محبةً في دينهم، ورغبةً في ظهورهم على المسلمين، فهذا ولاءٌ كفر مخرجٌ من الملة، ومن كانت موالاته من أجل دنيا يصيبها فهذه كبيرة من الكبائر.

ودليل ذلك قصةُ حاطب رضي الله عنه لما أرسل رسالةً إلى قريش يخبرهم بقدوم النبي -صلى الله عليه وسلم- إليهم فاتحًا، فسأله النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال له: (فما حملك على ذلك ؟ قال: يا رسولَ الله ، أَمَا والله إِني لَنَاصِح لله ولرسوله، ولكني كنتُ غريبًا في أهْل مكةَ، وكانَ أهلي بين ظَهْرَانيْهم، وخشيتُ عليهم، فكتبتُ كتابًا لا يضر الله ورسولَهُ شيئًا، وعسى أن يكونَ منفعة لأهلي ...)

فالرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يحكم عليه بالكفر بمطلق الفعل، بل استفصل منه لمعرفة قصده ودافعه، فبين له كما في الصحيحين: "وما فعلتُ كفراً، ولا ارتداداً عن ديني، ولا رضى بالكفر بعد الإِسلام"، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (إِنه قَد صَدَقَكم).

ولما قال عمرُ: دعني يا رسول الله أضربْ عُنُق هذا المنافق، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (إِنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطَّلعَ على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم).

وهذا فيه دليلٌ أنه لم يكفر، لأنَّ حسنة حضور بدر عند ذلك لا تشفع له، لأنَّ الكفر يحبط العمل، كما قال تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65]، وكذلك خطاب الله لحاطب ولأمثاله بوصف الإيمان عندما قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ}.

فحاطب -رضي الله عنه- لم يكفر بفعله، وارتفعت عنه عقوبة فعله بسبب حضوره معركة بدر.

وهذا الكلام الذي ذكرته هو الذي قرره أهل العلم قديمًا وحديثًا.

قال أبو بكر ابن العربي في "أحكام القرآن" (7/322): "من كثر تطلعه على عورات المسلمين، ويُنبِّه عليهم ، ويُعرِّف عدوهم بأخبارهم، لم يكن بذلك كافراً إذا كان فعله لغرض دنيوي، واعتقاده على ذلك سليم، كما فعل حاطب بن أبي بلتعة حين قصد بذلك اتخاذ اليد ولم ينو الردة عن الدين".

وقال النووي في "شرح مسلم" (16/273): "فيه أن الجاسوس وغيره من أصحاب الذنوب الكبائر لا يكفرون بذلك".

وقال أبو العباس القرطبي في "المفهم" (6/443) عند شرح حديث حاطب رضي الله عنه: "ومن جملة ما فيه من الفقه : أن ارتكاب الكبيرة لا يكون كفراً".

وقال شيخ الإسلام في "الفتاوى" (7/523): "وقد تحصل للرجل موادتهم لرحم أو حاجة ، فتكون ذنباً ينقص به إيمانه ، ولا يكون به كافراً ، كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي صلى الله عليه وسلم".

وقال ابن القيم في "زاد المعاد" (3/423): "وفيها : أنَّ الكبيرة العظيمة مما دون الشرك قد تُكفَّرُ بالحسنة الكبيرة الماحية، كما وقع الجَسُّ من حاطب مُكَفَّراً بشهوده بدراً".

وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (12/324): "وفيه الرد على من كفَّر المسلم بارتكاب الذنب ، وعلى من جزم بتخليده في النار".

وأما الاحتجاج بقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51]، على كفر كلّ موالاة!!

ليس سديدا، يردُّه حديث حاطب، وكلام العلماء في تفسير هذه الآية.

قال ابن عطية في "المحرر الوجيز"5/127 عند قوله تعالى : {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}: "ومن تولاهم بمعتقده ودينه فهو منهم في الكفر واستحقاق النقمة والخلود في النار، ومن تولاهم بأفعاله من العَضْد ونحوه دون معتقد ولا إخلال بإيمان ، فهو منهم في المقت والمذمّة الواقعة عليهم وعليه".

وقال ابن العربي في "أحكام القرآن" (4/1783): "قوله تعالى: {تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ} [الممتحنة:1]: يعني في الظاهر، لأن قلب حاطب كان سليماً بالتوحيد، بدليل أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لهم: (أما صاحبكم فقد صدق)، وهذا نص في سلامة فؤاده وخلوص اعتقاده".

وقال السعدي في "تفسيره" عند قوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُم فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الممتحنة:9]: "وذلك الظلم يكون بحسب التولّي، فإن كان تولياً تاماً كان ذلك كفراً مخرجاً عن دائرة الإسلام ، وتحت ذلك من المراتب ما هو غليظ وما هو دونه".

 

ونخلص من كلِّ هذا إلى أنَّ الموالاة للكفار قسمان:

الأول: كفرٌ مخرج من الملة، وبعضهم يسميه التولي، وضابطه محبة نصرة الكفر وأهله.

الثاني: كبيرةٌ من الكبائر، وبعضهم يسميها الموالاة.

والله أعلم.

إضافة تعليق جديد