الأربعاء 26 سبتمبر 2018 الموافق 15 محرم 1440 هـ

التكييف الفقهي للمعركة القائمة مع النظام

04 شوال 1439 هـ


عدد الزيارات : 282
المجلس الإسلامي السوري

السؤال: ما هو التكييف الفقهي للمعركة القائمة مع النظام؟ هل هي من باب قتال الكفار، أم المرتدين أم هي من باب قتال البغاة أم المحاربين؟ وما هو حكم أسراهم وأموالهم ؟ وماذا لو نطق المقاتل منهم بالشهادة في أثناء المعركة أو بعد أسره؟ أفيدونا بارك الله في علمكم؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آلهِ وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، أما بعد:

هذه المسائل أجابت عنها الهيئات والروابط الشرعية وعلماؤنا ومشايخنا الأفاضل جماعات وفرادى وبيّنوا فيها الحكم الشرعي منذ بداية الثورة فجزاهم الله خيرا، ولا مانع أن نجيب اختصارا فنقول:

 

أولا: التكييف الفقهي لقتالنا مع النظام هو دفاع مشروع عن النفس ودفع عدوان وجهاد ضد نظام كافر أعانه على عدوانه مرتزقة شاركوه في الإجرام. أما أنّه دفاع عن النفس فبيانه أنه لما خرج الناس في الشوارع يرفضون الظلم بألسنتهم جابههم النظام المجرم بالقتل والتعذيب والسجن والتشريد واعتدى على الأعراض، وفتن الناس في دينهم مما اضطّرهم إلى حمل السلاح لدفع الاعتداء وهذا أمر قد شرعه الله سبحانه وتعالى عندما قال: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190]

وقد جعل الإسلام من قتل دفاعاً عن دينه وعرضه وماله شهيداً، ففي الحديث الصحيح عند الترمذي وأبي داود عن سعيد بن زيد – رضي الله عنه: قال سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: (مَنْ قُتلَ دُونَ مالهِ فهو شهيد، ومَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فهو شهيد، ومن قتلَ دون دِينه فهو شهيد، ومن قُتلَ دُونَ أهْلهِ فِهو شهيد).

وأما أنه جهاد ضد نظام كافر فبيان ذلك أن المسيطر على نظام الحكم والدولة إنما هم رؤوس الطائفة النصيرية والذين يسمون أنفسهم بالعلويين، وهم طائفةٌ خارجة عن الدين باتفاق أهل العلم. بالإضافة إلى تبني هذا النظام لنحلة البعث والعلمانية وفرضها على الناس وإرغامهم على انتحالها والخضوع لها. وأنه يحالف أهل الإلحاد ويواليهم ويمكن لهم من بلادنا دعوة واقتصاداً وسياسة. وهنا ينبغي أن نبين أن حكمنا على النظام بالكفر لا يعني بالضرورة كفر كل من قاتل معه من غير الكفار الذين ثبت كفرهم سابقا كالنصيرية والملاحدة، ونبين أن الكفر ليس شرطاً لقتال هذا النظام وأعوانه طالما استمر عدوانهم وصيالهم، وإذا قلنا إننا نقاتل هؤلاء لحرابتهم وعدوانهم فإن قتالهم مشروع بقوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} وقوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى  عليكم}، وهؤلاء قد اعتدوا و ظلموا وبطشوا ولن ينكف ظلمهم و بطشهم إلا بقتال.

وإذا أردنا أن نُعدّد مسوغات قتال هذا النظام لوجدنا إضافة الى ما سبق: تحالف هذا النظام مع الرافضة وتمكينهم من بلاد المسلمين في نشر مذهبهم الضال وإقامة الحوزات والحسينيات حتى في الأماكن التي لا رافضة فيها وتمليكهم الأراضي وتمكينهم من زيادة نفوذهم وتحكمهم في كثير من قضايا المسلمين في بلادنا، ثمّ إن هؤلاء سطوا على حكم المسلمين بالتآمر والانقلابات والتصفيات والاغتيالات ولم يخترهم أحد من علماء المسلمين ووجهائهم وإنما استمروا بالتزوير والإكراه، ثم هؤلاء باعوا البلاد وسلموها لأعداء المسلمين فلا يشك أحد أن حافظ الأسد سلم الجولان لإسرائيل وكل الوثائق التي بين أيدينا تثبت ذلك، وكذلك فإن هؤلاء نهبوا خيرات البلاد وأثقلوا كواهل الناس بالمكوس والضرائب واستأثروا بهذه الأموال ورصدوا كثيراً منها لتمويل المليشيات الطائفية المختلفة لقتل المسلمين بهذه الأموال.

وهؤلاء استباحوا دماء المسلمين وأعراضهم وعملوا فيهم بالإبادة كما حصل في حماة في مطلع الثمانينات من القرن الماضي، وقتل خيرة شباب الأمة بعد زجهم في السجون والمعتقلات وارتكاب أبشع الجرائم في حقهم كمجزرة سجن تدمر فهؤلاء لا يستأمنون على البلاد ولا العباد ولا الأنفس ولا الأموال، قال الإمام الجويني في غياث الأمم وهو يتكلم عن الحاكم المسلم أصلاً : (فأما إذا تواصل منه العصيان وفشا منه العدوان، وظهر الفساد وزال السداد، وتعطلت الحقوق والحدود، وارتفعت الصيانة ووضحت الخيانة، واستجرأ الظلمة ولم يجد المظلوم منتصفاً ممن ظلمه، وتداعى الخلل والخطل إلى عظائم الأمور وتعطّل الثغور فلا بد من استدراك هذا الأمر المتفاقم) وقال في كتابه الإرشاد: (وإذا جار والي الوقت وظهر ظلمه وغشمه ولم يرعَوِ عما زجر عن سوء صنيعه بالقول فلأهل الحل والعقد التواطؤ على درئه ولو بشهر الأسلحة ونصب الحروب) والقول الراجح عند الحنفية كما انتصر له الرازي الجصاص في (أحكام القرآن) بطلان إمامة الفاسق، فقال عند قوله تعالى: {لا ينال عهدي الظالمين} كلاماً نفيساً وطويلاً أذكر منه: (فثبت بدلالة هذه الآية بطلان إمامة الفاسق وأنه لا يكون خليفة، وأن من نصّب نفسه لهذا المنصب وهو فاسق لم يلزم الناس اتباعه ولا طاعته وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق).
ودلَّ أيضاً على أن الفاسق لا يكون حاكماً وأن أحكامه لا تنفذ إذا ولي الحكم، وكذلك لا تقبل شهادته ولا خبره إذا أخبر عن النبي ولا فتياه إذا كان مفتياً….ولا فرق عند أبي حنيفة بين القاضي والخليفة في أن شرط كل واحد منهما العدالة، وكيف يكون خليفة وروايته غير مقبولة وأحكامه غير نافذة !!!
وكان مذهبه مشهوراً في قتال الظلمة وأئمة الجور…..ثمّ ذكر مواقفه من ظلمة عصره)…وقال الإمام ابن عبد البر حافظ المغرب في كتابه (الكافي في فقه أهل المدينة): "وسأل العمري العابد…..مالك بن أنس فقال: يا أبا عبد الله أيسعنا التخلف عن قتال من خرج عن أحكام الله عز وجل وحكم بغيرها؟ فقال مالك: الأمر في ذلك إلى القلة والكثرة"، ونقل الشيخ عليش في منح الجليل: "قال سحنون: إن كان الإمام غير عدل فإن خرج عليه عدل وجب الخروج معه ليظهر دين الله".

 

ثانياً: وأما الحكم في الأسرى إجمالاً: التَّخيير بين القتل، أو المفاداة بمال أو بأسرى المسلمين، أو المنِّ عليهم بإطلاق سراحهم دون مقابل. والأصل في ذلك قوله تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ، فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} [محمد: 4]  قال ابن القيم في “زاد المعاد” (5/ 59): "ثبت عنه- صلّى اللَّه عليه وسلّم- في الأسرى أنه قتلَ بعضَهم، ومَنَّ على بعضهم، وفَادَى بعضَهم بمال، وبعضَهم بأسرى مِن المسلمين".والحكم في الأسرى بإحدى هذه الأمور الثلاثة: (القتل، المفاداة، المَنّ)لا يكون وفق الهوى والتشهي، بل مراعاة للأصلح والأنفع للمسلمين، وذلك بمشاورة أهل العلم والرأي.

قال ابن قدامة في "المغني"(9/ 222): "فإنَّ هذا تَخْيِيرَ مصلحةٍ واجتهاد، لا تَخْيِيرَ شهوة، فمتى رأى المصلحةَ في خَصْلَةٍ من هذه الخِصال تَعَيَّنَتْ عليه، ولم يَجُزِ الْعُدُولُ عنها". ونبين هنا أن المقصود بالأسير من قدرنا عليه قبل أن يتوب فهذا مجرم محارب مستحق للعقوبة، ونرى أنَّ المصلحةَ الحالية تقضي بقتل كل من شارك في قتل الآمنين في المظاهرات أو البيوت، أو اغتصب النساء، أو ذبح الأطفال، أو كان عاملاً على آلة من آلات الإفساد والتدمير كالمدافع والدبابات ونحوها، أو كان من ذوي الرتب العليا… فهؤلاء وأمثالهم يُقتلون، ولا يُفدون بالمال أو النفس، لشدة إجرامهم وخطورتهم، إلا إذا وُجدت مصلحة أعظم في مفاداتهم ببعض الأسرى أو بأموال طائلة مع وجود الحاجة للمال، أو بما فيه مصلحة عظيمة للمسلمين.

وأمّا الأسير الذي تبيَّن أنه مُكره على مشاركته في جيش النظام أو كان مغرَّراً به، ولم تتلطّخ يداه بالاعتداء على الدماء والأعراض والأموال، وثبتت براءته من ذلك، وغَلَب على الظن عدم رجوعه لصف النظام، فإنه لا يقتل، ويفعل فيه ما هو أنفع للمسلمين. والحكم في الأسرى موكول لقادة الكتائب في مختلف المناطق، وينبغي تشكيل لجنة شرعية في كل كتيبة للنظر في حال كل أسير، والحكم الأصلح فيه. وليس لآحاد المجاهدين أن يتصرف أو يحكم في الأسرى بشيء من القتل أو إطلاق السراح أو إعطاء الأمان دون الرجوع لقائد الكتيبة، إلا إذا دعت الضرورة الحربية إلى ذلك، كالاضطرار لقتله خشيةَ هروبه، أو محاولتِه الاعتداء على المجاهدين، ونحو ذلك.

قال ابن قدامة في "المغني"(9/ 225): "ومن أسرَ أسيراً لم يكن له قتله حتى يأتيَ به الإمام، فيرى فيه رأيه، لأنَّه إذا صارَ أسيراً فَالْخِيرَةُ فيه إلى الإمام… فإن امتنعَ الأسير أن ينقادَ معه فله إكراهُه بالضربِ وغيرِه، فإنْ لم يمكنه إكْرَاهُهُ فله قتله، وإن خَافَه أو خاف هربَه فله قتلُه أيضاً". ويُعامل الأسير زمن الاحتفاظ به واستبقائه معاملةً حسنة تليق بإنسانيته حتى يُفصل في أمره، كما يُوفّر له الطعام والشراب والكساء، لقوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: 8]، وهذا لا يمنع من معاملة بعض الأسرى بالغلظة والشدة إذا احتاج الأمر إلى إرغامهم على الإدلاء ببعض المعلومات المهمة.

 

ثالثاً: وأما الأموال التي يستولي عليها المجاهدون من جيش النظام ومن يعاونه من المرتزقة فهي قسمان:
1. الأموال العامة: وهي ما كان من أملاك الدولة، مما تعود ملكيته لعموم الشعب السوري، كآبار النفط والمصانع والمطاحن وغيرها من الممتلكات، فإنها تُنفق في مصالح المسلمين: على إعداد المقاتلين وشراء الأسلحة، وعلاج الجرحى، وعلى المحتاجين المتضررين في كافة شؤونهم. ويقوم قادة الكتائب بتقسيم هذه الأموال وإنفاقها بمشورة أهل العلم والرأي. وينبغي أن ينفق من هذه الأموال على المحتاجين من المقاتلين الذين تفرغوا للقتال و الدفاع عن الشعب و تغطى حوائجهم و حوائج عيالهم الذين هم في رقبتهم ومسؤوليتهم إن لم يكن لهم مورد آخر. أما الأسلحة كالمسدسات والبنادق والدبابات والمركبات والطائرات وغيرها، فإنها توضع تحت تصرف الكتائب المجاهدة، فإن بقي شيء من هذه الأموال أو الممتلكات إلى ما بعد سقوط النظام فتعاد للدولة، لأنها في الأصل مال الشعب اغتصبه هؤلاء المجرمون.

2. الأموال الخاصة: وهي ما يملكه المقاتلون من جيش النظام والمرتزقة من النقود والسيارات الخاصة والبيوت ونحوها فهذه الأموال على قسمين قسم ملكوه بطريق مشروع فهذا يبقى لهم و لورثتهم من بعدهم لأن زوال عصمة دمائهم بسبب حرابتهم لا يعني بالضرورة زوال عصمة أموالهم، و قسم ملكوه بطريق غير مشروع فهذا الذي يصادر منهم فإن علم صاحبه يرد إليه وإلا فهو في حكم الملك العام يوظف لخدمة الثورة و الصالح العام، و يدخل في الكسب غير المشروع كل ما نهبوه أو أخذوه رشوة أو أخذوه كمكافآت و رواتب من النظام من أول الثورة و إلى يومنا هذا.

 

رابعاً: وأما إذا تلفظ المقاتل غير المسلم بالشهادة في ساحات المعارك أو بعد أسره فإنه لا ينفعه ذلك لأننا لا نقاتل النظام من أجل دخوله في الإسلام، بل نقاتله لأنه اعتدى علينا، بل المسلم المعتدي لا نكف عنه من أجل أنه مسلم. لأنَّ العلة في قتال هؤلاء وقتلهم كفّ شرهم ودفع أذاهم، وردّ عدوانهم عن الأمة، وحفظ الحرمات أن ينتهكوها، لا كونهم غير مسلمين. بل إنَّ هؤلاء القتلة من غير المسلمين لا يخرجون عن كونهم أهل ذمة وعهد أو مرتدين، فتكون الآية نصا في قتلهم بعد القدرة عليهم. قال ابن تيمية رحمه الله في "الصارم المسلول": "والذِّمي إذا حارب وسعى في الأرض فسادًا وجب قتله وإن أسلم بعد القدرة عليه"، وقال في المرتد: "فإنَّ الرجل إذا اقترن بردّته قطع طريق أو قتل مسلم أو زنا أو غير ذلك، ثم رجعَ إلى الإسلام أخذت منه الحدود، وكذلك لو اقترن بنقضِ عهدِه الإضرارُ بالمسلمين من قطعِ الطريق، أو قتل مسلم، أو زنا بمسلمة، فإن الحدود تستوفى منه بعد الإسلام". أما حديث أسامة رضي الله عنه فهو واردٌ في جهاد الكفار المحاربين الذين جعل النبي صلى الله عليه وسلم لقتالهم غايةً ونهايةً، وهي التلفظ بالشهادتين، كما جاء في الأحاديث المشهورة: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا
اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى
)، وهذه العصابة الإجرامية ليست من هؤلاء، بل تُقاتَل لدفع شرها وكف أذاها، وردعها عن جرائمها. اللهم منزل
الكتاب مجري السحاب وهازم الأحزاب انصر المجاهدين على عدوك وعدوهم.     

لجنة الفتوى في المجلس الإسلامي السوري 
6 رمضان 1436هـ الموافق 23 حزيران 2015

 

 

إضافة تعليق جديد