الثلاثاء 22 مايو 2018 الموافق 07 رمضان 1439 هـ

ملخّص كتاب: تصحيح مفاهيم حول التوكل والجهاد ووجوه النصر للشيخ: عبد الرحمن حسن حبنّكة الميداني رحمه الله

22 جمادي الثاني 1439 هـ


عدد الزيارات : 2086

 

ملخّص كتاب: تصحيح مفاهيم حول التوكل والجهاد ووجوه النصر

للشيخ: عبد الرحمن حسن حبنّكة الميداني رحمه الله

 

لتحميل الكتاب كاملاً.. اضغط هنا

 

كتاب (تصحيح مفاهيم حول التوكل والجهاد ووجوه النصر)، للشيخ عبد الرحمن بن حسن حبنكة الميداني رحمه الله، يتناول فيه مؤلفه -بالفهم الإسلامي الصحيح- ثلاثًا من القضايا التي تهمّ الأمة، لاسيما في هذا الزمان، وهي: اتخاذ الأسباب مع التوكّل على الله، والجهاد في سبيل الله، ووجوه النصر التي يكرم الله بها المؤمنين.

وهذا الكتاب أصدرته "رابطة العالم الإسلاميّ" ضمن سلسلة "دعوة الحقّ"، السنة السادسة، العدد (64)، في رجب 1407هـ، آذار 1987م، ويقع في (177) صفحة.

وقد رأينا أنّ من المفيد إعادة نشره، وقمنا بإعداد ملخّص يسلّط الضوء على أهم ما جاء فيه، وإنْ كان الكتاب كلّه جدير بالقراءة المتأنّية، فكأنه يتحدّث عن واقعنا، ويصف أحوالنا، وينبّه على أخطاء بعضنا، رغم أنّه مؤلّف قبل ثلاثة عقود من الزمان.

 

  • المقدّمة:

شدّد المؤلف -رحمه الله- في البداية: على أنه لا عذر للجاهل في جهله بأحكام الله التشريعية إذا كان العلم بها ممكنًا عن طريق التعلّم أو سؤال أهل العلم، فمن خالفها كان عاصيًا لله، إذ قصّر في تحصيلها أو تهاون، وهو يعلم بصورة عامّة أنّه يجب عليه تعلّمها.

فمن تصدّى لاستنباط أحكام دين الله أو بيان معاني نصوص القرآن والسنّة وهو غير أهل لذلك فهو عاصٍ آثم، يجني على نفسه وعلى من اتّبعه.

ومن تصدّى لقيادة جيش في معركة حربية وهو غير أهل لذلك فهو آثم، ويتحمّل عند الله تبعة كل أخطائه التي يرتكبها، وما تجرّ هذه الأخطاء على جيشه أو أمّته.

كذلك من تصدّى للقضاء أو الفتوى أو أي عمل يترتب على الأخطاء فيه أضرار شخصية أو عامّة أو إزهاق لأرواح الناس أو مخالفة لشرع الله فلا يجوز أن يتصدى لها إلا من كان أهلًا للقيام بمهمّاتها.

وبيّن: أنّ أخطاءً كثيرة في فهم أصول الدعوة إلى الله وطرائقها وشروطها وأركانها وأسبابها، أو في فهم شروط الجهاد في سبيل الله وأركانه وأسبابه ومراحله، تُوقع في نتائجَ هي على عكس المطلوب تمامًا. وكذلك هي الأخطاء في فهم وجوه نصر الله لعباده المؤمنين، فهي تورث لدى الجاهلين شكًّا في وعد الله، وخيبة أملٍ، وقد تورث -والعياذ بالله- ردّةً عن دين الله.

وأضاف: "ولتصحيح مفاهيم كثيرٍ من العاملين والعاملات في ميادين الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله، حول التوكّل على الله واتخاذ الأسباب، وحركيّة الجهاد، ووجوه النصر، وعدم الاعتماد على الخوارق والمعجزات، كُتبت فصول هذا الكتاب، فهمًا من كتاب الله وسنّة رسوله المصطفى صلّى الله عليه وسلّم وسيرته.

 

  1. الفهم الإسلاميّ الصحيح لقضيّة اتخاذ الأسباب مع التوكّل على الله

التوكّل على الله وظيفةٌ إيمانيّةٌ قلبيّةٌ اعتقاديّةٌ، واتخاذ الأسباب وظيفةٌ عمليّةٌ، فما يرجو الإنسان من شيءٍ، أو يُؤمر به أو يُنهى عنه من أمور دينه، فعليه أن يتخذ له الأسباب الموصلة إليه، ضمن شروطها ومقاديرها المعهودة في نظام الكون، أو نصوص التكاليف الشرعيّة، والقاعدة الأصوليّة تقول: (ما لا يتمّ الواجب إلّا به فهو واجبٌ).

ومن الأسباب التي يجب اتخاذها: الأسباب المادّيّة التي يكتشفها الناس بوسائلهم العلميّة والتجريبيّة، والمخططات الفكرية لحركة التنفيذ، والدعاء والالتجاء لله والإلحاح عليه والتضرّع إليه.

دافعا اتخاذ الأسباب:

الأوّل: الانسجام مع سنن الله التكوينيّة، وذلك بالسير وفق أحكام الله وقوانينه التكوينيّة القدريّة.

الثاني: طاعة الله في أحكامه التشريعيّة، فالله أمر المؤمنين بأن يتخذوا الأسباب التي جعلها في كونه وسائلَ لتحقيق مطالب الدنيا، ولتحقيق ثواب الآخرة.

أثر التوكّل على الأسباب:

متى صحّ إدراك الفرق بين التوكّل على الله، وبين اتخاذ الأسباب، والتُزم بالواجب في كلٍّ منهما، كان التوكل على الله ممدًّا بقوّةٍ معنويّةٍ عظيمةٍ، تضاعف القوى المادّيّة العاملة أضعافًا كثيرةً.

والناس أمام سنن الله التكوينيّة وأحكام تكاليفه الدينيّة التشريعيّة على أقسامٍ:

الأول: قسمٌ اتخذ الأسباب التي دلّت عليها أحكام سنن الله التكوينيّة فحقّق الله له من النتائج ما تعطي هذه الأسباب في نظامها التكوينيّ، ولو لم يكن مؤمنًا.

الثاني: قسمٌ اتخذ الأسباب التي دلّت عليها أحكام سنن الله التكوينيّة، وأضاف إليها طاعة الله في أحكام تكاليفه الدينية التشريعيّة حول الموضوع نفسه، فحقّق الله له نتائج أفضلَ من القسم الأول.

الثالث: قسمٌ اتخذ الأسباب الكونيّة، وأطاع أحكام التكاليف الدينيّة، وأضاف إلى ذلك صدق التوكّل على الله، فهذا هو القسم الأسمى، ويعطيه الله نتائج أجلّ وأعظم.

أثر الغلط في باب التوكّل:

كثيرًا ما يقع الناس في الغلط في باب التوكّل، حتّى مِن قادة العمل الإسلاميّ، وذلك بسبب سوء فهمهم لأحكام الله ولدينه، ويريدون مع ذلك أن يتقبّل الله أغاليطهم، ويخالف سننه التكوينية وقد عاندوها، وأحكام تكاليفه التشريعية الدينية وقد عصوها!!! زعمًا منهم أنّهم كانوا صادقين في التوكل عليه.

ويجد مرتكب الأغاليط نفسه بعد ذلك يتحمّل تبعات أغاليطه، وقد يتحمّل غيره معه ذلك، وقد تحلّ الكارثة بجمهور ٍكبيرٍ من المسلمين نتيجة هذه الأغاليط. وهنا تأتي وسوسة الشيطان، بالتشكيك بالله، أو بعدله، أو بحكمته، ويقع الناس بذلك في محنة وبلاء هما أشدّ مما كانوا عليه من قبل.

 

  2. الفهم الإسلامي الصحيح للجهاد في سبيل الله:

الجهاد في سبيل الله: أن يبذل المسلم ما يملك من جهد، أو طاعة، أو مال، أو فكر، أو إعداد للقوى المادية والمعنوية والخطط اللازمة، بهدف نشر دين الله والدعوة إليه وتبليغه للناس، أو تأليف القلوب عليه، أو نصرته وتأييده، أو الدفاع عنه، أو إعلاء كلمة الله في الأرض، أو إقامة شريعته، مع ابتغاء رضوان الله في كل ذلك.

مجالات الجهاد في سبيل الله:

  • بذل المال في سبيل الله لتحقيق الأهداف السابقة.
  • بذل طاقة الفكر في البحث والتأمل لنصرة دين الله وشرح آيات كتابه وإيضاح تعاليمه.
  • بذل قدرات اللسان في البيان النافع المؤثّر لنشر دين الله وتبليغه للناس والدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن. ومن الجهاد باللسان: الصمت حين يكون واجبًا والكلام ضارًّا.
  • بذل قدرات الكتابة والتأليف فيما يخدم قضايا الدين والمسلمين.
  •  بذل حركة الجسد في سبيل الله لتحقيق الأهداف السابقة.
  • التضحية بشهوات النفس ولذّاتها وراحتها للانصراف لخدمة قضيةٍ ما تدخل فيما تحتاجه رسالة الإسلام ومصالح الأمة.
  • الاجتهاد في إعداد المستطاع من القوى المادية والمعنوية والخطط اللازمة لذلك.
  • التضحية بالحياة كلها إذا اقتضى أمر الدين ذلك، ولهذه التضحية صور كثيرة منها:

(1) كلمة حقٍّ تُقال عند سلطانٍ جائرٍ، فيُقتل صاحبها. ونفع مثل هذه التضحية عظيم جدًا، يبرز في انتشار فكرة الحق، وامتدادها في الجماهير، فتحيَى في قلوبهم، ويكثر أنصارها والمؤيدون لها والمؤمنون بها.

(2) الدخول في صفوف الأعداء على سبيل التجسّس، لمعرفة ما لديهم من كيدٍ ضدّ الإسلام أو المسلمين.

(3) المجابهة القتاليّة المأذون بها شرعًا.

 

الآيات التي تأمر بالجهاد في سبيل الله:

كانت الآيات في العهد المكيّ تأمر المؤمنين بأنواع من الجهاد غير القتال، مثل:

  • المجاهدة بالقرآن باستخدام أدلته وأساليب بيانه، وشرح حججه وجدليّاته، والاستفادة من طرائق ترغيبه وترهيبه، واتّباع منهجه في الدعوة إلى الله.
  • الصبر والثبات، واتخاذ الوسائل للخلاص من الفتنة في الدين، بالهجرة إلى دار الإسلام.

أمّا في العهد المدنيّ فكانت آيات القرآن توجّه المؤمنين حينًا للجهاد بالقتال بالأنفس والأموال، وحينًا آخر لجهاد الدعوة، أو لجهاد النفس بالتزام منهج الله في السلوك الظاهر أو الباطن.

أهداف الجهاد في سبيل الله وعناصره وشروطه:

موجبات الجهاد من الواقع البشري:

تدعو الضرورة بُناةَ الحضارةِ الإنسانيّةِ المثلى، الملتزمين منهج الله المتحرّكين بأوامره، إلى اتخاذ وسيلة الجهاد، ليتسنى لهم إقامة هذه الحضارة على الإيمان بالحق والتزامه، وإقامة العدل ورفع الظلم وقمعه، وتأمين من يريدون اتباع دين الله دون أن يُفتنوا في دينهم، وتأمين الدعوة إلى الله وتبليغها للناس أجمعين.

غاية الجهاد في سبيل الله:

إنّ الجهاد في سبيل الله يهدف إلى غايةٍ نبيلةٍ مثاليّةٍ بعيدةٍ عن الأنانيّة الشخصيّة، والرغبات النفسيّة والمصالح القوميّة، باستثناء حالة الدفاع عن الحق المشروع. وهذه الغاية هي: إعلاء كلمة الله في الواقع الإنسانيّ، وكلمةُ الله هي ما جاء في شريعته لعباده من أوامر ونواهي، تجمعها كلمة (لا إله إلا الله)، ويجمل مبادئها في تعايش المجتمع البشريّ قول الله عزّ وجلّ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل:90].

 

خطوات الجهاد في سبيل الله ووسائله:

خطوات الجهاد في سبيل الله ووسائله ذات نسقٍ مثاليٍّ رائعٍ، فهي تبدأ بمجاهدة النفس، ثمّ تثنّى بمجاهدة الآخرين، ومجاهدة الآخرين تبدأ بوسائل الدعوة المختلفة، التي تتدرّج من الأخفّ إلى الخفيف، فإلى الشديد فالأشدّ، وتراعي في كلّ ذلك أحوالهم النفسيّة والاجتماعيّة، ومكانتهم ومنازلهم في أقوامهم، وتنتهي هذه الوسائل في آخر الأمر بالقيام بأعمال القتال، وفق الدواعي التي تقتضيه، من دفاع، أو كسر أسوار طغاةٍ جبابرةٍ تحجب عن الشعوب المقهورة أنوار الحقّ والهداية إليها.

 

شروط الجهاد في سبيل الله بالقتال:

أوّلًا: الشروط الواجب توافرها قبل القتال:

الشرط الأوّل: إعداد المستطاع من القوّة، والاجتهاد في إعدادها حتى تربو على قوّة العدوّ، من مالٍ، وسلاحٍ، ورجالٍ، وخبراتٍ، وعلومٍ ومعارف، وغير ذلك.

الشرط الثاني: اتخاذ مختلف الوسائل السلميّة التي يمكن أن تحقّق الأهداف دون قتال ولا حربٍ.

الشرط الثالث: أن يكون القتال لإعلاء كلمة الله، والغاية القصوى نيل رضوان الله. 

 

ثانيًا: الشروط الواجب توافرها أثناء القتال:

الشرط الأول: أن تكون غاية المقاتلين واحدةً، ابتغاء مرضاة الله، بالعمل على نشر دينه، وإعلاء كلمته، والحكم بما أنزل لعباده.

الشرط الثاني: وحدة صفّ المقاتلين وتماسك جماعتهم، ولها صور شتّى تختلف باختلاف أساليب الحرب ووسائل القتال، وهي تخضع لما تقرّره غرفة العمليّات الحربيّة المشرفة على توجيه الجيش المقاتل.

الشرط الثالث: الاعتماد على الله في تحقيق النصر، وعدم الاغترار بالنفس، لأنّ الاغترار بالنفس يفضي إلى الاستهانة بقوّة العدوّ.

الشرط الرابع: شدّة البأس في القتال، وذلك يجعل قلوب الأعداء فريسة الخوف والهلع.

الشرط الخامس: الثبات والمصابرة وعدم تولية الأدبار، مع الاعتصام بالإكثار من ذكر الله تعالى.

الشرط السادس: طاعة القيادة وعدم التنازع في الأمر، لأنّ فقد الطاعة يجعل القيادة غير قادرة على استعمال القوى في مواجهة العدوّ، فتَجْمُد القوى أو تتصارع فيما بينها، أو تُستعمل في غير صالح المعركة.

 

الروح المعنوية لدى المجاهدين في سبيل الله:

إنّ المجاهدين في سبيل الله حينما تلجئهم الضرورة إلى أن يقفوا مقاتلين في مواجهة أعدائهم، فإنّ الروح المعنويّة سترتفع في قلوبهم ونفوسهم ارتفاعًا عاليًا جدًّا، لأنّهم يتلمّسون في أنفسهم أنّ الباعث لهم على القتال أنبل غايةٍ تقصد، ويشعرون بأنّ شوقًا يقذف بهم إلى الظفر بما وعدهم الله من النصر المؤزّر أو الشهادة ودخول الجنّة، فترتفع قوّة المقاتلين في سبيل الله بنسبة ما في قلوبهم من إيمانٍ وصبرٍ وصدقٍ مع الله، حتى يكون الواحد كفؤًا للعشرة من العدوّ في الحدّ الأعلى، وكفؤًا للاثنين من العدوّ في الحدّ الأدنى.

 

محاولات التحريف في مفاهيم الجهاد في سبيل الله:

اتخذ أعداء الإسلام والمسلمين محاولاتٍ ذكيّةٍ جدًا لإلغاء ركن الجهاد في سبيل الله من واقع المسلمين، عن طريق التحريف في مفاهيمه، وتفريغه من مضامينه، ونزع سرّ قوّته الحقيقيّة، ووضع قوًى خُلّبيّة باردةٍ مكانها، يسهل عليهم أن يوجّهوها ضدّ ضرباتهم القاصمة.

 

ومن محاولات التحريف ما يلي:

  1. استغلال ردود الأفعال الناتجة عن الاتهامات الموجّهة للجهاد:

فقد هاجم المستشرقون الإسلام باتهامه بأنّه لم ينتشر بالدعوة والتبشير، وإنّما انتشر بالقتال والسيف وإكراه الناس عليه! واستغلالًا لردود الأفعال الناتجة عن توجيه هذا الاتهام: استطاعوا أن يستدرجوا بعض المسلمين الغيورين للدفاع عن فكرة الجهاد بمفاهيم مبتدعةٍ تحصر الجهاد ببعض مجالاته ودوائره، ومن ذلك ادّعاؤهم بأنّ الحروب الإسلاميّة لم تكن إلّا حروبًا دفاعيّةً فقط! وربّما تقاصرت هذه المجالات عند حدود قصر الجهاد على جهاد النفس، أو جهاد الدعوة، وبذلك هدموا الشطر المهمّ من الجهاد الذي تكون الغاية منه نشر الدين وإبلاغه للعالمين، وكسر الأسوار التي تقف دونه.

 

  1. تفريغ الجهاد في سبيل الله من مضامينه ومن معانيه السامية ومن أسسه وبواعثه، وإحلال غايات محدثة بعيدةٍ كلّ البعد عن معاني الإسلام، كالقتال لأجل الوطنية، أو القومية، وإحلال شعارات زائفة كعبارات البسالة والنضال والحميّة والأخلاق الثورية، والعمل لأجل المصلحة الحقيقية للشعب الكادح وقيادته التقدميّة، وما أشبه ذلك من ألفاظ فارغة المضمون، وجاهليات هشّة ضعيفة الأثر.

 

  1. حيلة الربط الدوريّ بين الجهاد في سبيل الله وبين إقامة الحكم الإسلاميّ:

والنتيجة من هذا الربط: أن لا يباشر المسلمون الجهاد في سبيل الله بالقتال، مهما دعت الدواعي إليه، حتى يقيموا الحكم الإسلاميّ، وبما أنّ الحكم الإسلاميّ المنفّذ لكلّ أحكام الله وشرائعه لعباده لا يستطيع أن يقوم في الأحوال الراهنة في كثير من بلدان العالم الإسلاميّ إلا عن طريق الجهاد في سبيل الله حتى حدوده القصوى، إذن: فلا بدّ أن يتساقط طرفا الدور، فلا يقوم الحكم الإسلاميّ المطلوب، ولا يباشر المسلمون الجهاد في سبيل الله كما ينبغي، ويدور المسلمون بهذه الحيلة الفكرية في حلقة مفرغة ليس لها طرف يمسكون به حتى تبدأ منه خطّة عملهم.

وقد قامت -نتيجة ذلك- نظريات تبنّاها بعض المسلمين، تنادي بأنّ للجهاد شروطٌ لا يصحّ بدونها، وعند الحديث عن تلك الشروط، يعملون على انتحال شروطٍ بعيدة المنال في ظروف المسلمين الحاليّة، ثمّ يعملون على جعل هذه الشروط مستحيلة الوقوع أو كالمستحيلة.

 

  1. خطّة اصطناع المنظّمات العميلة الأجيرة: كفرقة البهائية وفرقة القاديانية، اللتان ألغتا الجهاد في سبيل الله، ودعتا للتعايش مع المستعمر الكافر، بحجّة أنّ البشر إخوة، وأنّه لا فرق بين الديانات المنتشرة في الأرض، وأنّ الإسلام يدعو إلى المحبّة والتآخي العام بين الناس مهما كانت مذاهبهم ومعتقداتهم، وأنّ القتال الذي حصل في صدر الإسلام كان عمليّة مرحلية فقط، انتهى دورها بانتشار الإسلام.

 

  1. خطّة التوريط والإحباط: وهدف الخطّة الخبيثة تحريك الثّلّة المتحمّسة الغيورة الضعيفة، لممارسة أعمال القتال برعونةٍ ضدّ قوةٍ كبيرةٍ لا قِبَل لهم بها إلّا بمعجزاتٍ خوارق، لتنتهي تلك التحرّكات القتاليّة بالهزائم والنكبات للمسلمين، وبتكرار التوريط والنكبات: تصل النفوس إلى مرحلة اليأس الكامل، الذي ينتج عنه عزل ركن الجهاد في سبيل الله عن أفكار المسلمين ونفوسهم إلى أجل بعيد، مع فتنة كثير من أبناء المسلمين عن دينهم وشكّهم فيه، لأنهم كانوا يظنون أنّ الله سينصرهم، والنصر لم يتحقق!

 

  3. وجوه النصر

يخطئ كثيرًا من يتصوّر أو يظنّ أنّ النصر ليس له إلّا صورة الانتصار العسكريّ في معارك حربيّةٍ، أو الانتصار السياسيّ في معارك انتخابيّةٍ أو نحو ذلك، بل النصر له وجوهٌ كثيرةٌ منها:

  1. النصر بغلبة الحجّة والبرهان.

  2. النصر بظهور الحقّ على الباطل، واعتراف أنصار الباطل في نفوسهم بأنّهم مبطلون.

  3. النصر بنجاة المؤمنين من كيد أعدائهم، وسلامتهم من شرورهم.

  4. النصر بإحباط الله خطط الأعداء، وعدم تمكينهم من التغلب على قوّة المسلمين.

  5. النصر بإدالة دولة الكفر ولو بعد حينٍ، عن طريق الانهيار الذاتي، أو بتسلط دولٍ كافرةٍ على أخرى، ثمّ ظهور دولة الإسلام ظهورًا غير مصحوبٍ بأعمالٍ قتاليّةٍ، أو ضجيجٍ إعلاميٍّ.

  6. النصر بالفتح المبين، وتمليك المؤمنين أرض الكافرين وأموالهم، وقتل صناديدهم، (وهذا الوجه من وجوه النصر هو الذي تحبّه جماهير المؤمنين وتظنّه هو النصر الوحيد).

  7. النصر بإنزال الله عقوبته في أعداء دعاة الحقّ وأنصاره بالمهلكات الكونية التي لا يكون للناس كسب فيها.

  8. النصر بانتصار فكرة الداعي إلى الله، ولو كان ذلك الداعي قد سقط شهيدًا على يد أعدائه.

  9. وقد يأتي النصر الفكري بتحوّل الأعداء إلى دين المسلمين المغلوبين المنكسرين في معارك القتال.

فعلى المسلمين ألا ييأسوا من النصر، وأن يعلموا أنّ انتصار الفكرة الإيمانية الإسلامية هي المقصود الرئيس من دعوات الرسل كلّها.

وأنّ الله إذا علم أنّ المسلمين قد صاروا أهلًا لإقامة دولة مؤمنة مسلمة: نَصَرَهم على عدوّهم النصرَ الذي يحبونه، ومكّن لهم في الأرض، فإن الاستخلاف الذي وعد الله به الذين آمنوا وعملوا الصالحات قد وعدهم به إذا صاروا أهلًا لذلك، كما قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55]، أمّا إذا لم يكونوا أهلًا له فإنّ حكمته تقتضي بأن لا يستخلفهم، لئلا يكون استخلافهم سببًا في فتنة الناس عن دين الله، لأنّهم حينئذ سيستثمرون الدين لدنياهم الخاصّة، فينقلب الأمر على الدين بعد أن كان الغرض من استخلافهم تأييد الدين ونصره.

وعلى شباب الإسلام، وحَمَلَة لواء الدعوة إليه، أن يتمسّكوا بالإسلام عقيدة ومنهجًا وخطّة عمل، وأسلوب تنفيذٍ، وأن يستهدوا بهدي حركيّةِ بناء الإسلام المتدرّجة، وأن يعرفوا عدوّهم حقًّا، وأن يعدّوا لكل أمر عدّته، وأن لا يتورّطوا في تجارب تستدرجهم إلى ما لا يخدم الإسلام حقًّا، أو تجارب متسرّعة فجّةٍ، أو تجارب طائشة رعناء، أو تجارب مشوّهة، فإنّ في هذا خدمة لأعداء الإسلام الذين يتربّصون به الدوائر.

ملف للتنزيل: 

إضافة تعليق جديد