الثلاثاء 22 مايو 2018 الموافق 07 رمضان 1439 هـ

شبهات وردود

نقاش هادئ حول فكر تنظيم (الدولة الإسلامية في العراق والشام)

05 محرم 1439 هـ


عدد الزيارات : 490
محتسب الشام

 

 

1. بين يدي النقاش

الحمد لله ناصر المستضعفين، والصلاة والسلام على إمام المجاهدين، وعلى آله وصحبه الغر الميامين، وبعد:

فمنذ الإعلان عن تأسيس (الدولة الإسلامية في العراق والشام) والحديث حول هذا التنظيم لم يتوقف أو يهدأ، فقد شهدت الساحة الفكرية حالات اشتد فيها الجدل واحتدم، إلى أن زادت وتيرته وحدته في الأيام الأخيرة.

 

أما الاتهامات الموجَّهة (للدولة)، فيمكن تلخيص أصولها في الآتي:

  1. أنَّ لهم منهجًا في التكفير مخالفًا لمنهج أهل السنة والجماعة، إذ أنهم يتوسعون في تكفير شرائح عريضة من المسلمين.
  2. إسقاط الرموز الدينية من علماء وطلبة علم في شرق العالم الإسلامي وغربه، والاعتداد بمن يوافق منهجهم فقط.
  3. إعلان (الدولة) والدعوة إليها عن غير رضا من جماهير المسلمين في الأرض التي أقاموا الدولة عليها.
  4. احتكار الحق في (دولتهم)، فما المجاهدون إلا هم، وما الحق إلا ما كان معهم، ومن عارضهم فهو إما عميل للغرب الصليبي أو تابع للحكام الطواغيت، أو من الخونة والمفتونين أو الصحوات.

وتتفرع عن هذه التهم العامة تهم أخرى ومسائل أخرى خطيرة.

 

وعمومًا، فإنَّ الناس في موقفهم من تنظيم (الدولة) والتهم الموجهة لها على ثلاثة ضروب:

1. ضرب يرى أنهم مجاهدون صادقون، يثخنون في العدو، وعندهم أخطاء ككل بني البشر، وأن الهجمة عليهم مؤامرة كبرى على المشروع الجهادي برمته، ولأجل ذلك يدافعون عنها وينافحون، ويرفضون التهم الموجهة إليها، ويرون أنه مبالغ فيها.

 

2. وضرب يرى أنها جماعة خطيرة من جهتين:

فمن الناحية الفكرية تمثل امتدادًا لفكر الخوارج في التكفير والتعامل مع المخالفين من المسلمين، ومن ناحية التنظيم أنها مُختَرقةٌ من قبل المخابرات العالمية والإيرانية، إن لم تكن تُدار من قبله، وأنها خلال تاريخها لم تقدم شيئًا يُذكر للإسلام والمسلمين، بل كانت وبالاً عليهم أينما حلَّت، كما يشهد بذلك تاريخها في العراق، وأنها شوكة في خاصرة الثورة السورية حاليًا.

 

3. وضرب ثالث لا يُهوِّن من أخطائها، ولا يوافقها في العديد من أفكارها، لكن يرى أنَّ لها مشاركة في الإثخان في العدو من جهة، ومن جهةٍ أخرى أننا الآن أمام عدو أكبر وأخطر وهو النظام القائم، ففقه الأوليات يحتِّم علينا عدم مواجهتهم أو التعرض لهم إلى حين إسقاط النظام.

وغني عن القول أنَّ هناك فريقًا آخر سيء النية خبيث الطوية، من المتآمرين على الجهاد والمسلمين، من أعداء صليبيين، ورافضة ونصيريين، ومن بعض بني جلدتنا من العلمانيين الكارهين للدين وأهله، يكيلون التهم جزافًا، ويفترون الكذب، ويعمدون إلى التحريش وبث الفتن.. ضمن حرب واسعة على حَمَلةِ المشاريع الإسلامية من فصائل عسكرية، أو جهات مدنية، ويُسخِّرون لذلك آلاتهم الإعلامية الضخمة، وجيوشًا من الجواسيس والمتآمرين، وينفقون في سبيل ذلك المئات من الملايين، وهم وإن كانوا لا يقصرون حملتهم على تنظيم (الدولة) فحسب، لكنَّهم يُظهرون اهتماهم بها أكثر من غيرها –حاليًا- لغايات في نفوسهم.

ولقائل أن يقول: إذًا لم الحديث عن (الدولة) وأخطائها في هذا الوقت الحرج من عمر الثورة السورية؟

ألا يُعدُّ ذلك إشغالاً للناس عن الهدف الأكبر وهو إسقاط النظام؟

 

ألا يستفيد الأعداء من هذا النقد في إضعاف الثورة والجهاد؟

والجواب:

إنَّ بذل النصيحة، وبيان الخطأ واجب على المسلمين في كل حال وحين، فعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: (بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ)متفق عليه.

فكيف إذا كانت النصيحة في أمور غاية في الخطورة والأهمية؟

وقد قرر أهل العلم أنَّه (لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة) وحاجة الناس شديدة –بما فيهم أتباع (الدولة) وأنصارها- إلى معرفة حقيقة هذه التهم وصحتها بإنصاف وعدل.

كما أنَّ بذل النصيحة –وتصحيح الخطأ- لا ينبغي أن تكون في أوقات الرخاء والراحة فحسب، بل إن الحاجة إليها وقت حصولها زمن الشدة مطلوب، وإلا لن يكون لها أثر وفائدة، وهذا هو منهج القرآن في تربية المسلمين، فقد عاتب الله تعالى رسوله -صلى الله عليه وسلم- بشأن أخذ الفداء من أسرى بدر، فقال: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}[الأنفال: 67]،

حتى إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: (أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمِ الْفِدَاءَ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ)رواه مسلم.

فضلاً أنَّ هذا النقاش والنقد يُقصد به الإسهام في إرساء منهجية علمية في نقد الجماعات الإسلامية ومناهجها، نصرةً للمشروع الإسلامي، ونصحًا له، من أن يضيع أو ينحرف بسبب تراكم الأخطاء والسكوت عنها، أو علاجها بطريقة غير سليمة يستفيد منها الأعداء.

 

فانعقد العزم بحول الله وقوته على مناقشة هذه التهم عبر سلسلة من المقالات، عبر المنهج التالي:

أولاً: الاقتصار على الدراسات والمقالات والبيانات الرسمية الصادرة عن تنظيم (الدولة)،  مع البعد عن التحليلات والتفسيرات للأحداث، والتي يختلف الناس في النظر إليها، والحكم عليها.

ثانيًا: قصر الحديث عن الفكر والمنهج، دون الخوض في تفاصيل الأفعال والحوادث على الأرض وتقييمها، سواء كانت إنجازات أو إخفاقات، فهذا له مجال آخر غير هذه السلسلة.

فكثيرًا ما يقع الخطأ والخلط من المتحاورين في هذه المسألة، فيستدلون على خطأ المنهج أو سلامته بصحة الفعل أو خطأه، وهذا غير صحيح بإطلاق، إلا إن كان الفعل مطرداً مستمراً يدل على منهجية معينة.

 

فمن القواعد المعتبرة:

أنَّ سوء العمل لا يقتضي سوء المعتقد والنية، قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- معتذرًا للصحابي الجليل حاطب بن أبي بلتعة لما أرسل بخبر المسلمين إلى المشركين: (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ)متفق عليه، فقد يكون الدافع للعمل خطأ، أو اجتهادًا، أو تأويلا، أو غير ذلك.

كما أنَّ حُسن العمل والاجتهاد فيه لا يعني سلامة المنهج وصحته، ولا يقتضي النجاة.

فقد قال -صلى الله عليه وسلم- في الخوارج محذرًا من الاغترار بكثرة عبادتهم في مقابل بدعتهم الخطيرة، ومنبِّهًا على الأساس في الحكم عليهم: (يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ..)متفق عليه.

بل إن نية الخير وقصده لا تنفع صاحبها إن لم يكن على المنهج الصحيح، قال الفضيل بن عياض -رحمه الله- في قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أيُّكُمْ أحْسَنُ عَمَلاً} [الملك:2]: "أخلصه وأصوبه، قيل: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يُقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة".

ثالثًا: لا تهدف هذه المناقشات إلى الحكم بصحة أو خطأ تنظيم (الدولة) أو منافسيها في موقف معين، أو في نزاع ما، فهذا شأن المحاكم الشرعية، وأهل الحل والعقد من أهل العلم وطلبته.

 

وأخيرًا:

إنَّ هذه السلسلة من المقالات ستطرح العديد من التساؤلات والإشكالات الخطيرة، التي لا تهم (الدولة) وحدها، بل هي من صميم اهتمام وعقيدة الأمة بكاملها، لذا: فإنه لا بد أن تكون لها إجابات رسمية واضحة محددة، معلنة يعرفها القاصي والداني وضوحًا لا لبس فيه ولا غموض.

ولا يكفي فيها ولا في توضيح الأخطاء التي سبقت الإشارة لها التعويل على عموميات ليست محل نزاع في أكثرها، أو دعوة من أراد معرفة الإجابات لمراجعة زعماء (الدولة) والقائمين عليها في ميادين الجهاد، فليس هذا بالمنهج الصحيح، ولا الذي يمكن فيه للجميع الاطلاع عليه والوصول إليه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

 

 

2. منهج التكفير

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

لعل أخطر ما يُتهم به تنظيم (الدولة): التوسع في التكفير مخالفين بذلك منهج أهل السنة والجماعة، ليشمل فئات كثيرة من الشعوب الإسلامية، وما ينبني على ذلك من مسائل عقدية وفقهية عديدة.

وهنا لا بد من تنبيه القارئ الكريم:

 

أنَّ حكم التكفير الذي سنعرض له هو حكم بالردة، لأن الأصل في هؤلاء الذين سنتكلم عنهم هو الإسلام، وحكم المرتد أشد من حكم الكافر الأصلي، ويختلف عنه في العديد من المسائل، كما هو معروف في الفقه الإسلامي!

والمقصود هنا عرض مقتطفات من منهجهم في التكفير، مع مناقشة مختصرة، للوقوف على مدى خطورة هذه المنهجية، وترك التوسع في النقاش حاليًا فذلك له مواضع أخرى، من كتب ومؤلفات مطولة.

 

* * *

فهل للقوم منهج خاص في التكفير مخالفٌ لمنهج أهل السنة والجماعة، أم هو محض اتهام وافتراء عليهم؟

يقول أبو عمر البغدادي في بيان عقيدة (الدولة) في كلمته بعنوان: (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي) 23 صفر 1428 هـ – 13/3/2007 م:

"وقد رمانا الناس بأكاذيب كثيرة لا أصل لها في عقيدتنا، فادَّعوا أننا نكفر عوام المسلمين ونستحل دماءهم وأموالهم" انتهى.

 

وقال فيها أيضًا:

"رابعاً: ولا نُكفِّر امرأ مسلماً صلى إلى قبلتنا بالذنوب، كالزنا وشرب الخمر والسرقة ما لم يستحلها، وقولنا في الإيمان وسط بين الخوارج الغالين، وبين أهل الإرجاء المفرِّطين، ومن نطق بالشهادتين وأظهر لنا الإسلام ولم يتلبس بناقض من نواقض الإسلام: عاملناه معاملة المسلمين، ونَكِلُ سريرته إلى الله تعالى، وأنَّ الكفر كفران: أكبر وأصغر، وأنَّ حكمه يقع على مقترفه اعتقاداً أو قولاً أو فعلاً، لكنَّ تكفير الواحد المُعين منهم والحكم بتخليده في النار موقوفٌ على ثبوت شروط التكفير وانتفاء موانعه" انتهى.

 

وقال فيها أيضًا:

"التحاكم إلى الطاغوت من القوانين الوضعية والفصول العشائرية ونحوها من نواقض الإسلام..".

وقال: "ونؤمن أن العلمانية على اختلاف راياتها وتنوع مذاهبها كالقومية والوطنية والشيوعية والبعثية هي كفر بواح، مناقض للإسلام مخرج من الملة" انتهى.

وفي الرد على من يرمي (الدولة) بتكفير عموم المسلمين يقول المتحدث باسمها أبو محمد العدناني في كلمة (لك الله أيتها الدولة المظلومة) بتاريخ سبتمبر 2013م:

"ثانياً  :... إنَّ القول بأن الأصل في الناس الكفر: لهو من بدع خوارج العصر، وإن الدولة بريئة من هذا القول، وإن مِن اعتقادها ومنهجها وما تدين الله به: أن عموم أهل السنة في العراق والشام مسلمون، لا نكفّر أحداً منهم إلا مَن ثبتت لدينا ردَّتُه بأدلة شرعية قطعية الدلالة قطعية الثبوت، ومَن وجدناه مِن جنود الدولة يقول بهذه البدعة: علّمناه وبيّنّا له، فإن لم يرجع: عزّرْناه، فإن لم يرتدع: طردناه من صفوفنا وتبرأنا منه، وقد فعلنا هذا مراراً كثيرة مع مهاجرين وأنصار" انتهى.

وفي نفي الأخذ بمنج الخوارج قال أبو حمزة المهاجر في كلمته (تعالوا إلى كلمة سواء) 28/9/2006 م: "لسنا خوارج، ولسنا أهلَ بِدعة، ولا دُعاةً إليها، إنما نحنُ رجال، رأينا الدين والذُّل، يتحدّر كالسيل الجارف، ليهويَ بالأمةِ إلى حضيضِ الجهل، فبنينا من عظامنا وجماجمنا سدّاً يحمي دينكم وعرضكم.." انتهى.

 

ولقائل أن يقول: أليس هذا منهج أهل السنة؟ وهل من خطأ في هذه القواعد أو خروج عن المنهج السليم؟

فالجواب: نعم، هي قواعد صحيحة في مجملها، مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله، وأقوال أهل العلم.

لكن! هي قواعد مجملة، تحتاج إلى تفصيل وتوضيح، فالخلاف في تفاصيلها وليس في المجمل منها، كما أنَّ الخلاف الأهم في تنزيلها على الواقع والأفراد.

 

ومما ينبغي إعلانه وتوضيحه من (الدولة) في هذا السياق:

1- المقصود بنواقض الإسلام، وخاصة أنها أكثر ما تهتم بتأصيله والحديث عنه، وأكثر ما تُتهم بالتوسع فيه.

2- المقصود بضوابط التكفير وموانعه، والجهة المخوَّلة بتطبيق حكم الكفر والردة، وآلية ذلك، فإنَّ التحرز عن التكفير لا معنى له دون بيان هذه الضوابط.

فهل استمر منهج التحرز من التكفير في تفريعات المسائل المختلفة، وفي تنزيلها على الواقع والأفراد؟

 

سنكتفي في هذا المقال بالتوقف عند أهم هذه المسائل:

 

** *

المسألة الأولى: إعانة الكفار في حربهم ضد المسلمين:

والمقصود بالكفار هنا الكفار الأصليين من نصارى وغيرهم، ومن الفرق الباطنية كالرافضة والنصيريين.

ففي كلمة لأبي عمر البغدادي بعنوان (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي) يقول:

"ثامناً: نرى كفر وردة من أمدَّ المحتل وأعوانه بأي نوع من أنواع المعونة من لباس أو طعام أو علاج ونحوه، مما يُعينه ويقويه، وأنَّه بهذا الفعل صار هدفاً لنا مستباح الدم" انتهى.

وفي كلمته (أذلة على المؤمنين) 13 ذو الحجة 1428 – 22/12/2007م يحكم فيها على أفراد الصحوات في العراق بالكفر والردة، فيقول: "وإنَّي أخطب فيكم اليوم وأقول: ضحّوا تقبّل الله ضحاياكم بمرتدّي الصحوات فإنهم صاروا للصليب أعواناً، وعلى المجاهدين فرساناً، فهتكوا العرض، وسرقوا المال، وأرادوا أن يقطفوا ثمرة دماء الشهداء..." انتهى.

وليست هذه الردة محصورة بقوات الصحوات، بل تشمل جميع الأجهزة الأمنية التي تعين هؤلاء الكفار بكافة فروعها، قال أبو محمد العدناني المتحدث باسم (الدولة)- في كلمته (الآنَ الآنَ جَاءَ القِتَال) صفر 1433 هـ – 01 / 2012م:

"رابعًا: نجدِّد دعوتنا لكل المرتدين والمارقين والمخالفين بالتوبة والرجوع، وخصوصًا الصحوات والشرط..." انتهى.

 

وقد تكرر ذلك الحكم كثيرًا، وصدرت عشرات التسجيلات والبيانات التي تصف المسلم المُعين للكفار من جيش أو شرطة أو صحوات أو غير ذلك (بالمرتدين)، بل تصف أفرادهم بذلك، فيرد في البيان مثلاً (تصفية المرتد المدعو....) ويذكر اسمه.

وقد استمر إطلاق الحكم بالرِّدة على كل من كان في صف النظام السوري ضد المجاهدين.

فهل إطلاق لفظ المرتدين على كل من كان في صف الكفار صحيح عمومًا؟ فضلاً عن أن يكون على التعيين؟ وهل يُحكم بالرّدة يكون بمجرد الإعانة؟

عند استعراض الأدلة الشرعية وكلام أهل العلم نجد أنَّ الحديث عن مسألة إعانة المسلم للكافر لا بد فيها من التفريق بين ثلاثة نقاط:

 

النقطة الأولى: أنَّ هؤلاء المتعاملين مع الكفار في حربهم ضد المسلمين قد وقعوا في جريمة من أعظم الجرائم وأشنعها بقتالهم للمسلمين تحت راية الكافرين، ويشتد جرمهم إذا كانت الحرب ضد المدنيين والآمنين بما فيها من تعذيب أو انتهاك أعراض ونحوها.

وهم باشتراكهم في هذه الحرب الفاجرة وإعانتهم للعدو قد أصبحوا هدفًا مشروعًا للمجاهدين بالقتل والاستهداف لا فرق بينهم وبين الكفار المحاربين، وهذا الأمر معلوم لكل من له معرفة بالشريعة من باب دفع الصائل المعتدي، وشهرته تغني عن الإطالة في الاستدلال عليه.

النقطة الثانية: من كان من هؤلاء في صف الكفار مواليًا لهم في دينهم، أو كارهًا لظهور الإسلام، فهو بذلك مرتد باتفاق أهل العلم، والنصوص في ذلك كثيرة، وسيأتي بعضها في الفقرة التالية.

النقطة الثالثة: من كان من هؤلاء في صف الكفار معينًا لهم في حربهم، لشبهة، أو شهوة دنيوية ما، فالنصوص الشرعية وكلام أهل السنة على عدم القول بردته وكفره لمجرد هذه الإعانة، ومن ذلك:

- قال الإمام ابن الجوزي في "زاد المسير" في التفريق بين موالاة الكفار لأجل دينهم وبين موالاتهم فيما دون ذلك: "قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} فيه قولان:

أحدهما: من يتولهم في الدين فإنه منهم في الكفر، والثاني: من يتولهم في العهد فإنه منهم في مخالفة الأمر" انتهى.

 

- قال ابن سعدي في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}[المائدة:51]:

"لأن التولي التام يوجب الانتقال إلى دينهم، والتولي القليل يدعو إلى الكثير، ثم يتدرج شيئاً فشيئاً حتى يكون العبد منهم" انتهى.

- كما أنَّ كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في تكفير التتار معلوم ظاهر، وهو مع ذلك يقول: "كُلُّ مَنْ قَفَزَ إلَيْهِمْ مِنْ أُمَرَاءَ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُمْ، وَفِيهِمْ مِنْ الرِّدَّةِ عَنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، بِقَدْرِ مَا ارْتَدَّ عَنْهُ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ".

وقال: "وَأَيْضًا لَا يُقَاتِلُ مَعَهُمْ غَيْرُ مُكْرَهٍ إلَّا فَاسِقٌ، أَوْ مُبْتَدِعٌ، أَوْ زِنْدِيقٌ"، وقال: " فَإِنَّهُ لَا يَنْضَمُّ إلَيْهِمْ طَوْعًا مِنْ الْمُظْهِرِينَ لِلْإِسْلَامِ إلَّا مُنَافِقٌ، أَوْ زِنْدِيقٌ، أَوْ فَاسِقٌ فَاجِرٌ" انتهى.

فكلام أهل العلم واضح في التفريق بين حالات من كان في صف الكفار، وبين قتالهم وتكفيرهم.

 

- ومما جاء في كتب الفقه قول السرخسي في شرح السير الكبير: "وَلَوْ قَتَلَ مُسْلِمًا كَانَ فِي صَفِّ الْمُشْرِكِينَ يُقَاتِلُ الْمُسْلِمِينَ مَعَهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهُ. لِأَنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ مُبَاحَ الْقَتْلِ وَلَكِنَّ سَلَبَهُ لَيْسَ بِغَنِيمَةٍ. لِأَنَّهُ مَالُ الْمُسْلِمِ، وَمَالُ الْمُسْلِمِ لَا يَكُونُ غَنِيمَةً لِلْمُسْلِمِينَ بِحَالٍ كَأَمْوَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ" انتهى.

 

- ما عليه أهل العلم من أنَّ التجسس على المسلمين لصالح الكفار لا يعد كفرًا، وأقوالهم في هذا كثيرة، ومنها:

قول الإمام الشافعي في "الأم" في إجابة طويلة: "ولَيْسَ الدَّلَالَةُ عَلَى عَوْرَةِ مُسْلِمٍ وَلَا تَأْيِيدُ كَافِرٍ بِأَنْ يُحَذِّرَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يُرِيدُونَ مِنْهُ غِرَّة لِيُحَذَّرَهَا أَوْ يَتَقَدَّمَ فِي نِكَايَةِ الْمُسْلِمِينَ بِكُفْرٍ بَيِّنٍ، فَقُلْت لِلشَّافِعِيِّ: أَقَلْت هَذَا خَيْرٌ أَمْ قِيَاسًا؟ قَالَ قُلْتُهُ بِمَا لَا يَسَعُ مُسْلِمًا عَلِمَهُ عِنْدِي أَنْ يُخَالِفَهُ بِالسُّنَّةِ الْمَنْصُوصَةِ بَعْدَ الِاسْتِدْلَالِ بِالْكِتَابِ .."

وذكر حديث حاطب ثم قال: "فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعَ مَا وَصَفْنَا لَك طَرْحُ الْحُكْمِ بِاسْتِعْمَالِ الظُّنُونِ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْكِتَابُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَا قَالَ حَاطِبٌ كَمَا قَالَ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ شَاكًّا فِي الْإِسْلَامِ وَأَنَّهُ فَعَلَهُ لِيَمْنَعَ أَهْلَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ زَلَّةً لَا رَغْبَةً عَنْ الْإِسْلَامِ.." انتهى.

فلا تلازم بين قتال الصائلين المعتدين، وبين تكفيرهم بمجرد إعانة الكافرين، مع أنَّهم قد يكفرون لأسباب أخرى كالإعراض عن الدين، ونحو ذلك..

كما أنَّ إطلاق لفظ التكفير –عند تحققه- يجب أن يكون تكفيرًا عامًا شاملاً، ولا يكون تكفيرًا فرديًا إلا بعد توفر الشروط وانتفاء الموانع، وهي مسألة أخرى، فمن القواعد في هذه المسائل: أنَّ الحكم بالكفر في مسألة لا يقتضي الحكم على مرتكبها بالكفر، إذ الحكم بالكفر له شروط يجب تحققها، وموانع يجب انتفاؤها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "التكفير له شروط وموانع قد تنتقي في حق المعين، وأنَّ تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه...

وهذه الأقوال والأعمال منه [أي الإمام أحمد] ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية الذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق". انتهى من الفتاوى.

وهذا مع أنَّهم كانوا يناقشوهم، ويردون عليهم بالكتب والفتاوى، وتجمعهم المناظرات، مرات عديدة!

ومن أعجب ما استدل به العدناني في كلمته (السلمية دين من؟) على القول بكفر من أعان الكافر، الاستشهاد بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية السابق: "كُلُّ مَنْ قَفَزَ إلَيْهِمْ مِنْ أُمَرَاءَ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُمْ..." ويرى أن هذا دليلاً على تكفيرهم، وهو دليل عليه لا له. فتأمل!

ومع أنَّه وردت أقوال لبعض أهل العلم المعاصرين في إطلاق التكفير لمجرد الإعانة والمناصرة، إلا أنَّ أقوال سلف الأمة على خلاف ذلك، والأدلة الشرعية عليه.

فالحكم بردة من أعان الكافر بإطلاق لمجرَّد الإعانة ليس صحيحًا، فضلاً عن أن يكون متفقًا عليه، فكيف يكون بناء عقيدة جماعة كاملة عليها؟ ومنطلقًا للحكم على الآخرين، والتعامل معهم؟

 

وأمر أخير في هذه المسألة:

أنَّه ينبغي أن يكون الأمر أكثر تحرزاً –في تكفير من أعان الكفار- في هذا العصر مقارنة بزمن السلف، إذ كان معسكر الكفر –في زمن السلف- واضحاً غير ملتبس، فالدولة إسلامية وأعداؤها كفار معلومي الكفر، أما الآن فربما التبس الأمر على العديد من العوام بسبب فتاوى ومواقف علماء السلاطين ممن يعطون الحاكم الحالي (كبشار) صفة الاسلام والايمان بل ما هو أكثر من ذلك، إذ يفتون بأن عمل هؤلاء الجنود من باب الجهاد في سبيل الله، كالبوطي وغيره.

وهذا مما لا شك فيه يلتبس على العديد من عوام المسلمين الذين يقفون جنداً لهذا الطاغية. ويبقى دفع شر هؤلاء وقتالهم بل وقتلهم من باب دفع الصائل لا خلاف فيه.

 

* * *

المسألة الثانية: الحكم على البلاد الإسلامية، ومؤسساتها:

من الثابت المستقر في الإسلام:

- وجوب التحاكم إلى شريعة رب العالمين، كقوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ}[الأنعام: 5]، وقوله: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيما}[النساء/65]، وغيرها من النصوص الكثيرة، وهذا ما قرره أهل العلم قديمًا وحديثًا.

- وأن تغيير شرع الله واستبداله بأنظمة وضعية تعطي البشر حق التشريع من دون الله كفر وخروج عن الدين.

 

فلننظر ماذا قرَّر قادة تنظيم (الدولة) في هذه المسألة.

أولاً: في الحكم على البلاد الإسلامية:

يقول أبو عمر البغدادي في كلمة (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي):

"عاشراً: ونعتقد بأن الديار إذا علتها شرائع الكفر، وكانت الغلبة فيها لأحكام الكفر دون أحكام الإسلام فهي ديار كفر، ولا يلزم هذا أن نكفر ساكني الديار، وبما أن الأحكام التي تعلو جميع ديار الإسلام اليوم هي أحكام الطاغوت وشريعته، فإننا نرى كفر وردة جميع حكام تلك الدول وجيوشها، وقتالهم أوجب من قتال المحتل الصليبي، لذا وجب التنبيه أننا سنقاتل أي قوات غازية لدولة الإسلام في العراق، وإن تسمت بأسماء عربية أو إسلامية" انتهى.

 

إذًا نحن هنا أمام:

- تكفير الأنظمة التي تحكم الدول الإسلامية، وليس حديثنا عنها في هذا المقام.

- الحكم على الدول الإسلامية بأنها ديار كفر وردة، بل على كل الأرض من باب أولى! فهل هناك مناطق تعتبر الآن بلاد إسلام؟ وما هي؟

ثم ما معنى الحكم على البلاد أنها دار كفر وردة؟

يترتب على ذلك مسائل في غاية الخطورة، ومما بحثه الفقهاء في هذه المسألة: أحكام الجهاد، والأمان، والمهادنة، والجزية، والذمة، وإقامة الحدود والعقوبات، وبعض أحكام النكاح، وغير ذلك.

ولعل قوله عن الجيوش في البلاد الإسلامية: "وقتالهم أوجب من قتال المحتل الصليبي" هي إحدى نتائج هذا الحكم!

 

فهل بلاد المسلمين الآن هي بلاد كفر وردة؟ لننظر في كلام بعض أهل العلم.

بداية لا بد من التفريق بين مسألتين:

الأولى: أساس التفريق بين بلاد الإسلام وبلاد الكفر:

قال السرخسي في المبسوط: "عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- إنَّمَا تَصِيرُ دَارُهُمْ دَارَ الْحَرْبِ بِثَلَاثِ شَرَائِطَ:

أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ مُتَاخِمَةً أَرْضَ التُّرْكِ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَرْضِ الْحَرْبِ دَارٌ لِلْمُسْلِمِينَ.

وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَبْقَى فِيهَا مُسْلِمٌ آمِنٌ بِإِيمَانِهِ، وَلَا ذِمِّيٌّ آمِنٌ بِأَمَانِهِ.

وَالثَّالِثُ: أَنْ يُظْهِرُوا أَحْكَامَ الشِّرْكِ فِيهَا.

وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى: إذَا أَظْهَرُوا أَحْكَامَ الشِّرْكِ فِيهَا فَقَدْ صَارَتْ دَارُهُمْ دَارَ حَرْبٍ، لِأَنَّ الْبُقْعَةَ إنَّمَا تُنْسَبُ إلَيْنَا أَوْ إلَيْهِمْ بِاعْتِبَارِ الْقُوَّةِ وَالْغَلَبَةِ، فَكُلُّ مَوْضِعٍ ظَهَرَ فِيهِ حُكْمُ الشِّرْكِ فَالْقُوَّةُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِلْمُشْرِكِينَ فَكَانَتْ دَارَ حَرْبٍ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ كَانَ الظَّاهِرُ فِيهِ حُكْمُ الْإِسْلَامِ فَالْقُوَّةُ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ" انتهى.

وقال الإمام مالك عن مكة أيام المشركين: " وَكَانَتْ الدَّارُ يَوْمئِذٍ دَارَ الْحَرْبِ لِأَنَّ أَحْكَامَ الْجَاهِلِيَّةِ كانَتْ ظَاهِرَةً يَوْمئِذٍ" انتهى.

وقال الحجاوي في الإقناع: "وَتَجِبُ [أي الهجرة] عَلَى مَنْ يَعْجِزُ عَنْ إظْهَارِ دِينِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَهِيَ مَا يَغْلِبُ فِيهَا حُكْمُ الْكُفْرِ" انتهى.

وقال ابن حزم الظاهري في المحلى: "مَنْ سَكَنَ فِي بَلَدٍ تَظْهَرُ فِيهِ بَعْضُ الْأَهْوَاءِ الْمُخْرِجَةِ إلَى الْكُفْرِ، فَهُوَ لَيْسَ بِكَافِرٍ، لِأَنَّ اسْمَ الْإِسْلَامِ هُوَ الظَّاهِرُ هُنَالِكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، مِنْ التَّوْحِيدِ، وَالْإِقْرَارِ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ دِينٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَسَائِرِ الشَّرَائِعِ الَّتِي هِيَ الْإِسْلَامُ وَالْإِيمَانُ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ... لِأَنَّ الدَّارَ إنَّمَا تُنْسَبُ لِلْغَالِبِ عَلَيْهَا، وَالْحَاكِمُ فِيهَا، وَالْمَالِكُ لَهَا" انتهى.

ويتضح مما سبق: أنَّ دار الإسلام ما تكون غالب أحكام الإسلام وشرائعه ظاهرة فيها من التوحيد، والإقرار برسالة الإسلام، والأذان، والصلاة، والجمع والجماعات، والصوم، والحج، وتعليم الدين، والحجاب: فهي دار إسلام.

قال الإمام ابن القيم: "قَالَ الْجُمْهُورُ: دَارُ الْإِسْلَامِ هِيَ الَّتِي نَزَلَهَا الْمُسْلِمُونَ، وَجَرَتْ عَلَيْهَا أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ، وَمَا لَمْ تَجْرِ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ دَارَ إِسْلَامٍ" انتهى.

أمَّا البلاد التي غالب أحكامها الظاهرة ليست من أحكام الإسلام فهي بلاد كفر.

 

الثانية: تحوُّل بلاد الإسلام إلى بلاد الكفر:

اختلف أهل العلم في تحول بلاد الإسلام إلى بلاد كفر بين مانع من ذلك، إلى من يقول بإمكانية تحولها، على اختلاف بينهم في تحديد مناط هذا التحول: من تعليق ذلك بانقطاع شرائع الإسلام، أو بتمام القهر والغلبة من المشركين، أو بظهور أحكام الكفر فيها على الغلبة والاشتهار، وغير ذلك.

وعلى الرغم من اختلاف أهل العلم في تحول دار الإسلام إلى دار كفر، إلا أن بلاد المسلمين اليوم لا يصح اعتبارها دار كفر على أي مذهب منهم، وذلك لما يلي:

1- لأنَّه ليس فيها استيلاء المشركين وتغلبهم على بلدٍ إسلامي، بل هو قيام فريقٍ من أهل تلك البلدان بتحكيم القوانين الوضعية وتبديل الأحكام الشريعة من قبل أهلها.

بل إنَّ الكفار لو استولوا على بلاد المسلمين وحكموها وبقيت شعائر الإسلام فيها ظاهرة فهي بلاد إسلام، قال الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير: "لِأَنَّ بِلَادَ الْإِسْلَامِ لَا تَصِيرُ دَارَ حَرْبٍ بِأَخْذِ الْكُفَّارِ لَهَا بِالْقَهْرِ مَا دَامَتْ شَعَائِرُ الْإِسْلَامِ قَائِمَةً فِيهَا" انتهى.

2- أنَّ بلاد الإسلام كما هو مشاهد ومعروف تظهر فيها أحكام الإسلام وشعائره، وتغلب عليها.

إلا إن كان هناك إنكار لظهور هذه الشعائر، أو قول بعدم أهميتها، أو عدم التفريق بين بلاد المسلمين وبلاد الكفار!

بل حتى على مستوى القوانين الوضعية لا يوجد تبديل كامل لأحكام الشرع في بلاد المسلمين، بل تظهر العديد من الأحكام الشرعية سواء في أحكام الأسرة، أو أحكام المعاملات، ونحو ذلك، وإن كانت بعض هذه الشعائر في ضعف أو محاربة من تلك الأنظمة، وتفاوت من بلد لآخر.

ولو كانت القوانين الوضعية هي الغالبة أو عليها كامل الدساتير: لما صح اعتبار هذه الدول ديار كفر لما سبق.

ثم إنَّه من الملاحظ أنَّ شيخ الإسلام ابن تيمية أوجد نوعًا ثالثًا في الحكم على البلاد التي غلب عليها الكفار –وإن اختلف معه العديد من العلماء في ذلك- فقال في الحكم على "ماردين" التي غلب عليها التتار –وهو من حكم بكفرهم وردتهم وردة تشريعاتهم-: "... ولا يحل سبهم عمومًا ورميهم بالنفاق، بل السب والرمي بالنفاق يقع على الصفات المذكورة في الكتاب والسنة فيدخل فيها بعض أهل ماردين وغيرهم. وأما كونها دار حرب أو سلم فهي مركبة: فيها المعنيان، ليست بمنزلة دار السلم التي تجري عليها أحكام الإسلام، لكون جندها مسلمين، ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار، بل هي قسم ثالث يعامل المسلم فيها بما يستحقه ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه" انتهى من الفتاوى.

 

ويظهر في هذا النقل الهام: عدم الحكم على البلدة التي تسلط عليها الكفار وحكموها بغير شريعة الإسلام بأنَّها دار كفر.

إضافةً إلى أنّ المسلمين اليوم هم الغالبون على بلادهم، ومسيطرون عليها، ومالكون لها، وغير مستكينين أو مستسلمين لهذا التبديل والانحراف، بل هم في جهادٍ ومدافعةً لهذه الأنظمة، وكل قارئ للتاريخ يدرك ذلك.

ويتَّضح من هذا العرض –المختصر- أنَّ الحديث عن الحكم على بلاد الإسلام في هذا الوقت يتعلق بمسألة تحول بلاد الإسلام إلى بلاد الكفر، لا أصل الحديث عن حكم البلاد! فتنبَّه!

وعلى فرض أنَّ الدار يحكم عليها بالكفر لظهور القوانين الوضعية وغلبتها: فإنَّ هذا الحكم يكون لمن اختار القوانين الوضعية ورضي بها بديلاً عن أحكام الإسلام، لا من أُكره على ذلك، فالإكراه مانع من أعظم موانع الحكم بالكفر!

فالحكم على البلاد الإسلامية أنها دار كفر خطأ كبير، ينبني عليه مسائل خطيرة.

أما قول البغدادي: "ولا يلزم هذا أن نكفر ساكني الديار" فإنَّ هذا مرتبط بإقامة الحجة، وانتفاء الموانع، وهي مسألة غير واضحة الملامح ولا التطبيق عند تنظيم (الدولة)، بل ظهر ما يشير إلى عكس ذلك في تكفير أعيان من كان في صف الكفار.

 

* * *

ثانيًا: في الحكم الجيوش والمؤسسات العسكرية في البلاد الإسلامية:

يقول أبو محمد العدناني في كلمته (السلمية دين من؟) 2013/8/31:

"ثالثاً: لابد لنا أن نصدع بحقيقة مرة لطالما كتمها العلماء واكتفى بالتلميح لها الفقهاء ألا وهي: كفر الجيوش الحامية لأنظمة الطواغيت، وفي مقدمتها الجيش المصري، والجيش الليبي، والجيش التونسي، قبل الثورة وبعدها وهذا الجيش السوري قد بات كفره واضحاً حتى عند العجائز قال الله تعالى: {إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين}

لابد لنا أن نصرح بهذه الحقيقة المرة ونسطع بها، {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة} إنَّ جيوش الطواغيت من حكام ديار المسلمين هي بعمومها جيوش ردة وكفر، وإنَّ القول اليوم بكفر هذه الجيوش وردتها وخروجها من الدين، بل ووجوب قتالها وفي مقدمتها الجيش المصري لهو القول الذي لا يصح في دين الله خلافه وهو الذي تشهد له الأدلة الشرعية من القرآن والسنة وكلام العلماء الأفذاذ الفحول المعتبرين، وليس هو قطعاً من أقوال أهل الغلو والتكفير بغير وجه حق...

فهذا هو الجيش المصري الذي هو جزء من هذه الجيوش ونسخة عنها يسعى سعياً مستميتاً لمنع تحكيم شرع الله تبارك وتعالى، ويعمل جاهداً لإرساء مبادئ العلمانية والحكم بالقوانين الوضعية...

إن الجيش المصري الذي هو نسخة عن تلك الجيوش جيش يحمي البنوك الربوية، ودور الخنا، والعهر، وحامي حمى اليهود، والأقباط والنصارى، المحاربين لله ورسوله، جيش يؤمر بترك الصلاة فيتركها، جيش صائل انتهك الأعراض وحرق المساجد والمصاحف وأجهز على الجرحى وحرق جثث القتلى... فهل يقول عاقل أن هذا الجيش لا تجوز محاربته وقتاله؟؟ حتى وإن كان يراه مسلماً..." انتهى.

 

ولنا أن نتساءل بعد هذا الكلام:

هل هذا الحكم لكل فردٍ من أفراد هذه الأجهزة بعينه؟ كما سبق في الحكم على (الصحوات) ومن أعان الكفار؟

وهل هذا الحكم بالردة خاص بالجيوش فقط، أم إنَّه يشمل جميع الأجهزة العسكرية والأمنية من استخبارات، وأمن عسكري وسياسي، وحرس حدود، وجوازات، وشرطة؟ لأنها تابعة لهذه (الأنظمة المرتدة) وتعمل بقوانينها؟

وهل هذا الحكم يشمل جميع الجيوش والأجهزة الأمنية في بلدان العالم الإسلامي من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب؟

ثم: ألا يكفي الحكم بالكفر على تلك الجيوش، بل يجب قتالها، وقتالها أولى من قتال الصليبيين!

 

إذا أردنا بحث المسألة بشكل صحيح فلا بد من التفريق بين عدة أمور:

الأولى: أنَّ لهذه الجيوش بعمومها دورًا في حماية الأنظمة المستبدة، وهذا أمر معلوم لكل قارئ للتاريخ المعاصر، وعارف بطبيعة هذه الجيوش من داخلها.

الثانية: أنَّ هناك عددًا كبيرًا من أفراد هذه الجيوش يقصدون بانضمامهم لها حماية البلاد، أو تحقيق مكانة اجتماعية ما، لا تعمُّد نصرة الأنظمة المستبدة، فضلاً عن نصرة الكفر أو قمع المسلمين، ولا يقبلون به، بل وحالها مختلف بين البلدان الإسلامية.

الثالثة: الحكم بردَّة هذه الجيوش لأنها تحمي الطواغيت، وتسعى حثيثًا لمنع تطبيق الشريعة: غير مستقيم! فهو تكفير بلازم قبولهم بالطاغوت أو نصرتهم له، وليس بصريح القول أو العمل الكفري من هذه الجيوش.

نعم قد يكون هذا المعنى والمقصد موجودًا عند بعض الأفراد أو القيادات، لكنه قطعًا ليس عند الجميع، ومن يزعم ذلك فعليه الدليل، ولا يمكنه إلا بالاستفسار من كل شخص على حدة، وهكذا يكون الحكم بتكفير المعين!

إذ هناك خلط كبير بين مسألتي: الخضوع للطاغوت والرضا به، وبين الدخول تحت حكمه.

فلا يُشترط في الدخول تحت حكم الطاغوت موافقته على مخالفته للشرع، وإن التزم بها، كما أنَّه لا يعني خضوعًا له ولا رضى به.

والخلط بينهما إلزام بما لا يلزم!

 

أما الأجهزة الأمنية الأخرى:

فهناك أجهزة يغلب على عملها خدمة الناس وتسيير أمور حياتهم، كالشرطة، والجوازات، بل وحتى أجهزة الضبط والتفتيش والتحقيق، وهي وإن كانت خاضعة لأنظمة الدولة العامة إلا أنه لا يوجد في غالب أنظمتها وأعمالها ما يدعو إلى تكفيرها، ولا يعني خضوعها للدولة وأنظمتها رضاها أو موافقتها على ما فيها من مخالفات وتبديل للشرع.

الرابعة: أما ابتداء قتال هذه الجيوش سواء قيل بردتها أو بغيها:

فهي تدخل في شروط حمل السلاح على الحاكم المرتد أو الباغي التي ذكرها أهل العلم، ومن أهمها: القدرة والاستطاعة، مع مراعاة باب المصالح والمآلات في التطبيق والتنزيل، ولا يُقال بهذا القول إلا من أهل العلم بعد البحث والتحري، إلا إن كان الإخوة في تنظيم (الدولة) لا يعتبرون بقول أهل العلم في بلدان العالم الإسلامي!

الخامسة: أما إن صالت هذه الجيوش على المسلمين وبغت، فإنَّ قتالها ودفع شرها يكون من الجهاد في سبيل الله تعالى، دفعًا لصيالها واعتدائها، وهو ما قال به أهل العلم في قتال جيوش أنظمة أفغانستان والعراق وسوريا.

فليس هناك تهاون أو قبول بالظلم والطاغوت، لكن الأمور تقدَّر بقدرها.

كما أنَّ منع الحكم بردة هذه الجيوش أو منع قتالها لا يعني أن نمنعَ النصيحة، أو بيان الخطأ والخلل،  المنكر بجميع أنواع الإنكار بحسب الاستطاعة.

 

ونقطة هامة:

إذا كانت الجيوش العربية كافرة مرتدة لخضوعها للأنظمة المرتدة وقبولها بأحكامها، ودفاعها عنها، فهل يعني هذا تكفير بقية أجهزة الدول ومؤسساتها؟  كالمؤسسات التعليمية، والاجتماعية، وغيرها؟ لأنَّها خاضعةٌ لأنظمة الكفر وراضية بها، ولأنَّها تمد يد العون لهذه الأنظمة وتقويها، فلا تقوم الدول إلا بها، وخاصة أنها في (ديار كفر وردَّة)؟

 

* * *

هل الجيوش في البلدان الإسلامية طائفة ممتنعة؟

ذكر العدناني في كلمته (السلمية دين من؟) أنَّ من أدلة تكفير الجيوش في البلدان الإسلامية وتبرير وجوب قتالها أنَّها (طائفة ممتنعة)، واستدل على ذلك بأقوال عديدة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية كقوله: "كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة من هؤلاء القوم وغيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين بعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر الصديق والصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة".

ومعلوم أنَّ الطائفة الممتنعة هي: جماعة ذات شوكة تترك فعل شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة ولا يُقدر على إلزامها إلا بالقتال.

وتطلق على جماعات تكون داخل الدولة المسلمة، كبعض فرق الزنادقة والباطنية، أو خارج الدولة كما كان من التتار الذين غزوا بلاد المسلمين، ويكون أساس اجتماعها واتفاقها على ترك أمر من أمور الدين، أو ارتكاب المحرمات.

لكن قياس الجيش والأجهزة الأمنية على الطائفة الممتنعة لا يستقيم، فالجيش ليس طائفة! وهو لم يجتمع على الامتناع عن الشريعة، ولم يؤسس على ذلك، بل هو مؤسسة من مؤسسات وأجهزة الدولة التي تتبع لها، ولها عمل محدد فيها، وهي جزء منها.

وفي حال ثبوت أنَّ هذه المؤسسة لا تحكم بالشرع، أو تمنع منه: فيكون هذا حكمًا عامًا للدولة بالخروج عن الدين، والتعامل معها وفق ما قرره أهل العلم في التعامل مع الحاكم المرتد.

ثم يقال: من الذي يقاتل هذه (الطائفة)؟ ومن الذي يقدِّر مصلحة قتالها؟ إنَّ المشاهد في بلدان العالم الإسلامي منذ عشرات السنين فشل جميع تجارب الجماعات التي خرجت لقتال الدول، وما جلبه هذا الاقتتال من مآس ونكبات.

وإذا أكملنا في الإطلاع على بقية أحكام الطائفة الممتنعة سنجد ما يلي: قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى: "فأعوان الطائفة الممتنعة وأنصارها منها فيما لهم وعليهم".

فهل أعوان هذه الطائفة (الجيوش) لهم حكمها من ناحية ثبوت الكفر والردة، والقتال؟

ومن هم أعوان المؤسسات العسكرية في البلدان الإسلامية؟ وما معيار التعاون الذي الحكم بالردة، أو القتال؟

فتكفير الجيوش والحكم عليها بالردة والقتال، واعتبارها طائفةً ممتنعة له أبعاده وآثاره الخطيرة عقديًا وعمليًا التي لا تقف عند حد واضح، وهي تنتظر الإفصاح والإيضاح.

 

* * *

المسألة الثالثة: تكفير من دخل بالعملية السياسية (الديمقراطية):

إذا انتقلنا إلى مسألة الأنظمة الحاكمة في العالم الإسلامي نجد أنَّ أنظمتها ودساتيرها واقعة في تبديل شريعة رب العالمين بين مستقل ومستكثر، ومعظمها لا يزعم أنها تحكم بالشرع على كل حال.

ولعل هذه المسألة –أعني الحكم بما أنزل الله- أخطر وأهم المسائل التي يجب على الأمة أن تستنهض لها الهمم، وتُكرِّس لها الطاقات، فهي أعظم ما فقدته الأمة في تاريخها المعاصر، وأول ما يحاربها عليه الشرق والغرب ويكيدون لها.

ومنذ أن نُحي الإسلام عن قيادة المجتمع والدولة والأمة تبذل التضحيات والجهود الضخمة في سبيل استعادة سيادة الشرع، سواء عبر الجهود الفردية، أو تأسيس الجماعات والمؤسسات لذات الهدف، وخاضت الشعوب صراعات طويلة مع الحكام المستبدين، وما أحداث منتصف القرن الماضي في سوريا ببعيد، بغض النظر عن تقويمها الآن.

وخلال تلك المسيرة: ظهرت الحاجة إلى التعامل مع هذه الحكومات، وتولي المناصب فيها، لتسيير أمور الناس من جهة، ولمحاولة الإصلاح من جهة أخرى، أو تقليل الشر.

فبحث أهل العلم هذه المسألة، فأجاز فريق منهم الدخول والمشاركة في العملية السياسية القائمة غير الحكم بغير ما أنزل الله تفريقًا بين حالة الضيق والاضطرار وحالة السعة والاختيار، فأجازوا ذلك بضوابط وشروط ليس هذا موضع بسطها، أو تقويم التجارب والاجتهادات التي خاضتها الجماعات المختلفة.

 

بينما منعها فريقٌ آخر، وأفتى بحرمتها.

وفتاوى الفريقين وبحوثهم منشورة متداولة، مع عذر كل طرف منها للآخر، واعتبار المسألة مما يسوغ فيه الاختلاف.

إذ هناك فرقٌ بين: أصل مسألة الحكم بغير ما أنزل الله، وهي مسألة عقدية  متفق عليها، وبين الدخول والمشاركة في هذه الحكومات وهي مسألة فقهية تخضع لقواعد جلب المصالح وتكثيرها، ودفع المفاسد وتقليها.

فلننظر ماذا قرَّر قادة تنظيم (الدولة)!

قال أبو عمر البغدادي في كلمة (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي):

"نرى كفر وردَّة كل من اشترك في العملية السياسية، كحزب المطلق والدليمي والهاشمي وغيرهم، كما نرى أن منهج الحزب الإسلامي منهج كفر وردة، لا يختلف في منهجه وسلوكه عن سائر المناهج الكافرة والمرتدة، كحزب الجعفري وعلاوي...".

وقال في كلمته (جريمة الانتخابات الشرعية والسياسية) 28 صفر 1431 هـ – 12 / 2 / 2010 م:

"فالنواب والمُشرِّعون أوثانٌ منصوبة تحت قبة تخضع لقانونٍ أو دستورٍ ظالمٍ جائر يناقض الشريعة الإسلامية ويحاربها في كثيرٍ من أُصول ديننا الحنيف... وأما المُشرِّعون فهم كفار بلا غُبار..." انتهى.

ويقصد بالمشرعين هنا أعضاء البرلمان. إذًا لو طبقنا هذا الكلام على مصر -أو تونس أو غيرها من بلاد المسلمين– هل يمكن أن نقول  إنَّ من دخل في العملية السياسية من هؤلاء السياسيين غيرهم مرتدون؟

وهل من تولى منصبًا في هذه الحكومات يعتبر كافرًا مرتدًا؟ بل ما حكم الأحزاب المشاركة في هذه العملية؟

يأتي الجواب على لسان أبي محمد العدناني في كلمة (السلمية دين من؟) في عدة مواضع، ومنها:

"فلتعلموا يا أهل السنة الثائرين في كل مكان أن دائنا ليس هو الأنظمة الحاكمة وإنما القوانين الشركية التي بها يحكمون فلا فرق بين حاكم وحاكم ما لم نغير الحكم، لا فرق بين مبارك ومعمر وابن علي، وبين مرسي وعبد الجليل والغنوشي، فكلهم طواغيت يحكمون بنفس القوانين غير أن الأخيرين أشد فتنة على المسلمين.." انتهى.

إذًا فمرسي وعبد الجليل والغنوشي طغاة ومرتدون؟!

 

ثم يقول في كلمته:

"كيف لا؟ وحزب الإخوان وأخيه حزب الظلام تخلو عن كل ثوابت الإيمان وكثير من فروع الإسلام، تخلَّو عن ثوابت الإيمان عندما وافقوا على نسبة الحكم والتشريع لغير الله تعالى... ثم تخلَّو بعد ذلك عن كثير من فروع الإسلام وذلك أنهم عندما وافقوا على هذا الكفر وأقروا به ادعوا زاعمين أنه سوف يتخذون من هذه الوسائل الديمقراطية سبيلاً لتطبيق شرائع الإسلام وجزئياته...

قوله تعالى: {إنما النسيء زيادة في الكفر}، وهذا النسيء الإخواني هو زيادة في الكفر، وليس هو أصل الكفر، إذ أن أصل الكفر كما أوضحنا هو: نسبتهم الحكم والتشريع لغير رب العالمين، ثم جعل أنفسهم حكاماً ومشرعين فشابهوا أحبار ورهبان اليهود الذين اتخذوا أرباباً من دون الله...

وإن هذا الكفر الذي وقع فيه حزب الإخوان وأوقع الناس فيه: هو من جراء طاعة الكفرة من الذين أوتوا الكتاب من أمريكا والغرب" انتهى.

 

إذًا فالنتيجة:

أنَّ المتنافسين على مقاعد البرلمانات في الانتخابات من السلفيين والإخوان وغيرهم في مشارق الأرض ومغاربها سواء منهم من تمكن من الوصول للبرلمان أم لم يتمكن:  كفار مرتدون؟

وأحزابهم تلك أحزاب كفر وردة لرضاها بالحكم بغير ما أنزل الله؟

كيف يمكن الحكم بالرِّدة والكفر في مسألة من المسائل التي اعتبرها أهل العلم مما يسوغ فيه الاجتهاد، وعذروا بعضهم فيها؟

بل وكيف يسوغ الحكم على أعيان هؤلاء الأشخاص مع ما سبق بيانه من منهج أهل العلم وكلامهم في الحكم على المعينين بالكفر في المسائل المتفق عليها، فكيف بالمختلف فيها؟ فضلا عن المتفق على عدم تكفير فاعلها؟

 

بل إن هناك مسائل خطيرة تحتاج إلى توضيح:

ما حكم عامة الناس الناخبين لهؤلاء المترشحين؟ هل يكفرون أيضًا لأنهم رضوا بهذا الكفر؟ أم أنَّ ذلك يحتاج إلى تطبيق شروط وانتفاء موانع؟ وما هي هذه الشروط و الموانع؟ وآلية تطبيقها؟

بل ما حكم المترشحين الآخرين من ذوي التوجهات (الوطنية) غير الإسلامية؟ وما حكم المنضمين لهذه الأحزاب غير الإسلامية، والراضين بأطروحاتها وأفكارها؟ أليسوا بالتكفير والحكم بالردَّة أولى؟

وما حكم تلك المؤسسات السياسية والاجتماعية العاملة في السياسة ضمن تلك (القوانين الطاغوتية)؟

 

*    *    *

كم هائل من التكفير!

إنَّ كل ما سبق يؤدي إلى تكفير ملايين الأشخاص في العالم الإسلامي، وخارجه، فهل يقال مع ذلك: إن تهمة التوسع في التكفير مكذوبة مفتراة؟

ومع التكفير الواضح الصريح للأعيان: هل يبقى لنفي تعميم التكفير والتوسع فيه مكان؟

 

أصل الخطأ في مسائل التكفير هذه:

إنَّ الخطأ الكبير الحاصل في الحكم في المسائل السابقة يرجع إلى أصول، لعل من أهمها:

الأول: إعطاء المسائل الفرعية حكم أصول المسائل، وعقد الولاء والبراء عليها!

فالرضا بالطاغوت كفر، ووجوب البراءة منه واجب، وهذا متفق عليه بلا خلاف.

لكن الحكم على الحزب الفلاني أو الشخص الفلاني أنه طاغوت، أو راضٍ بالطاغوت مسألة مختلفة، لها حكم تنزيل المسائل على الفروع، والحكم على المعينين، فما بالك بامتحان الناس على تطبيق هذه المسائل الفرعية وأفرادها؟

بحيث أصبح الحكم بكفر مرسي وغيره كأنَّه من أصول الإيمان وأركانه! وهذا قلب للمسألة وعكس لها.

والثاني: عدم التفريق بين المسائل ومستوياتها:

كعدم التفريق بين أصل الحكم على البلاد هل هي دار إسلام أم دار كفر، ومتى تتحول دار الإسلام لدار كفر.

والثالث: الحكم باللازم:

كالحكم على أنَّ من كان في جيش الأنظمة أو اشترك في العملية السياسية أنَّه راضٍ (بالطاغوت) مُقرٌ به، وهذا غير لازم!

ما منهجية الأحكام بالكفر والردة؟

 

وهنا نعيد السؤال الخطير:

من الذي له حق الحكم بالكفر والردة في المسائل السابقة؟ ومن ثم تطبيق الأحكام المترتبة عليها؟ هل يقبل الإخوة في تنظيم (الدولة) بأقوال أهل العلم والمؤسسات الشرعية في العالم الإسلامي؟ وأحكامها؟ وما موقفهم إن خالفت أحكامهم واجتهاداتهم تلك؟

 

وسؤال أخير:

ما حكم من لم يكفِّر هذه الأصناف السابقة؟ أو شك في كفرهم؟ أو أعانهم وساعدهم ورأى أنَّ إعانتهم والتعامل معهم صحيح سليم؟ ورفض أحكام (الدولة) وأدلتها؟

فيا أيها الإخوة في تنظيم (الدولة)، ويا محبيهم ومؤيديهم:

إن كان فهمنا لهذه العبارات خطأ، فصححوه لنا بالإجابة الواضحة الشافية عن الاستفسارات السابقة، بتوضيحٍ وتفصيلٍ لا لبس فيه، لا يترك مجالاً لاتهام متهم، ولا تأويل متأول.

أم هي أقوال لا يوافق جميعكم عليها؟ فلماذا لا تنكرون عليه وترودنه إلى جادة الصواب؟

أم هي أمور ترونها صحيحة سليمة؟ فما أدلتكم عليها؟ ومن قال بها من أهل العلم المعتبرين؟

إننا خلال بحثنا واطلاعنا ومتابعتنا المستمرة من وقت طويل: ظهرت لنا إجابات العديد من تلك الأسئلة من خلال أقوال عدد من شخصيات الدولة وأحكامهم، ومن التصرفات المستمرة المطردة التي تدل على منهجية معينة، لكننا فضلنا عدم الإجابة عنها -حاليًا، وطلب إجابات رسمية من تنظيم (الدولة) ينتظرها جمهور المسلمين، ونأمل ألا يطول وقت الإجابة عنها أو يترك!

والحمد لله رب العالمين.

 

 

3.موقف تنظيم (الدولة) من أهل العلم

مقدمة عن مكانة أهل العلم في الإسلام

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فإنَّ لأهل العلم مكانة هامة في الإسلام، فهم ورثة الأنبياء، وحملة العلم إلى من بعدهم، وهم أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، بهم ينتشر العلم، ويزول الجهل، فهم كما وصفهم الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (يَرِثُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَحْرِيفَ الْغَالِينَ) أخرجه البيهقي.

 

وهم الذين أُمرنا بالرجوع إليهم وسؤالهم في المدلهمات والخطوب، كما قال تعالى: {فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}

وقال: {وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 83].

فإنَّ في غيرهم الضلالة والانحراف، فعن عَبْدِ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: (إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَتْرُكْ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا)متفق عليه.

قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم: "وَمَا دَامَ الْعِلْمُ بَاقِيًا فِي الْأَرْضِ، فَالنَّاسُ فِي هُدًى، وَبَقَاءُ الْعِلْمِ بَقَاءُ حَمَلَتِهِ، فَإِذَا ذَهَبَ حَمَلَتُهُ وَمَنْ يَقُومُ بِهِ، وَقَعَ النَّاسُ فِي الضَّلَالِ" انتهى.

وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم: "هذا الحديث يُبيِّن أنَّ المراد بقبض العلم في الأحاديث السابقة المطلقة ليس هو محوه من صدور حفاظه، ولكن معناه أنَّه يموت حملته ويتخذ الناس جهالاً يحكمون بجهالاتهم فيضلون ويضلون" انتهى.

لذا فقد اهتم أهل السنة والجماعة ببيان من يؤخذ عنه العلم ممن لا يؤخذ عنه، ومن أقوالهم في ذلك:

فعَنْ أَبِي أُمَيَّةَ اللَّخْمِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: (إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ثَلَاثَةً: إِحْدَاهُنَّ أَنْ يَلْتَمِسَ الْعِلْمَ عِنْدَ الْأَصَاغِرِ) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير. قال ابن المبارك: الأصاغر من أهل البدع.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا أَخَذُوا الْعِلْمَ عَنْ أَكَابِرِهِمْ، وَعَنْ أُمَنَائِهِمْ، وَعُلَمَائِهِمْ، فَإِذَا أَخَذُوهُ مِنْ أَصَاغِرِهِمْ وَشِرَارِهِمْ هَلَكُوا)أخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى.

وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ رحمه الله قَالَ: "إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ"رواه مسلم.

وعنه قال: "لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الْإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ، قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ، فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ فَلَا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ"رواه مسلم.

 

و قال البربهاري رحمه الله :في شرح السنة: "والمحنة في الإسلام بدعة، وأما اليوم فيمتحن بالسنة، لقوله: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، ولا تقبلوا الحديث إلا ممن تقبلون شهادته فتنظر، إن كان صاحب سنة له معرفة صدوق كتبت عنه وإلا تركته" انتهى.

وقال النووي -رحمه الله- : في التبيان في آداب حملة القرآن: "ولا يتعلم إلا ممن تكمَّلت أهليته، وظهرت ديانته وتحقَّقت معرفته، واشتهرت صيانته، فقد قال محمد بن سيرين ومالك بن أنس وغيرهما من السلف هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم" انتهى.

وقال الإمام الشاطبي -رحمه الله- في الإعتصام : "وَالْعَالِمُ إِذَا لَمْ يَشْهَدْ لَهُ الْعُلَمَاءُ فَهُوَ فِي الْحُكْمِ بَاقٍ عَلَى الْأَصْلِ مِنْ عَدَمِ الْعِلْمِ حَتَّى يَشْهَدَ فِيهِ غَيْرُهُ وَيَعْلَمَ هُوَ مِنْ نَفْسِهِ مَا شَهِدَ لَهُ بِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ عَدَمِ الْعِلْمِ أَوْ عَلَى شَكٍّ، فَاخْتِيَارُ الْإِقْدَامِ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ عَلَى الْإِحْجَامِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِاتِّبَاعِ الْهَوَى" انتهى.

وعلَّق البخاري في صحيحه أنَّ عُمَر بْن عَبْدِ العَزِيزِ كَتَبَ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ: "انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَاكْتُبْهُ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ وَذَهَابَ العُلَمَاءِ، وَلاَ تَقْبَلْ إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ -صلّى الله عليه وسلم-: (وَلْتُفْشُوا العِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لاَ يَعْلَمُ، فَإِنَّ العِلْمَ لاَ يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا)".

 

وكل ما سبق صريح واضح في أنَّه لا بد من تمام العلم والمعرفة بالشخص لأن يكون أهلاً يؤخذ عنه العلم والفتوى، والدين، بعيدًا عن البدع والضلالات، ولا يعرف ذلك إلا بتزكية أهل العلم له.

فمجرد معرفته لأقوال أهل العلم وفتاواهم، أو قراءته في كتبهم، لا يجعل منه عالمًا، ولا مؤهَّلاً لأن يُؤخذ عنه العلم، فضلا عن الفتوى.

وكلام أهل العلم في عدم أخذ العلم أو الفتوى عن المجاهيل أو غير المشهود لهم بالعلم أكثر من أن يُحصى.

بل إنَّ من أسباب الحكم على الأخبار والأحاديث بالضعف والرد: جهالة أحد رواتها.

وهذا وإن كان شاملًا في جميع أمور الدين، فهو في حال الفتوى والقضاء في أمور خطيرة كأحكام الكفر، أو الردة، أو استحلال الدماء والأموال، أو البيعة، ونحوها: أشدُّ خطرًا، وأعظم تحرزًا.

 

حكم الأخذ عن العالم المبتدع:

ومما يتعلق بمسألة من يؤخذ عنه العلم: حكم الأخذ عن العالم المبتدع أو الواقع في البدعة.

فإنَّ منهج أهل السنة غاية في العدل والانصاف مع أهل العلم ممن وقع في شيء من البدع والاجتهادات البعيدة عن منهج أهل السنة، فمع الإنكار عليهم، وبيان خطأ بدعهم، لم يهدروا أقوالهم أو علمهم بالكلية، بل عرفوا لهم فضلهم، وعلمهم، وأخذوا عنهم ما لم يكن فيه بدعة أو انحراف، واعتذروا لما وقع منهم، على تفصيل معلوم عند أهل السنة في هذه المسألة الهامة.

 

ومن أقوال أهل العلم في ذلك:

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى: "المقصود هنا أنَّ ما ثبت قُبحُه من البدع وغير البدع من المنهي عنه في الكتاب والسنة، أو المخالف للكتاب والسنة إذا صَدَرَ عن شخص من الأشخاص فقد يكون على وجه يُعذر فيه، إمَّا لاجتهاد أو تقليد يُعذر فيه، وإمَّا لعدم قدرته كما قد قرّرته في غير هذا الموضع" انتهى.

وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء: "ثم إنَّ الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتباعه، يغفر له زللـه، ولا نضلله ونطرحه، وننسى محاسنه، ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك" انتهى.

وعمل أهل السنة على الاستدلال بأقوال أهل العلم في العلوم المختلفة معلوم منتشر، حتى ممن خالف منهج أهل السنة في مسائل معينة.

ولا يعني ما تقدم التهاون مع البدع ومن وقع فيها، بل التنبيه إلى مقامات البدع، وأحوال الواقعين فيها من المنتسبين إلى أهل العلم، وعدم استوائهم في ذلك، أو طرح علمهم وعدم الاحتجاج به بدعوى الوقوع بعض المخالفات العقدية، أو كونهم ليسوا من أهل السنة، فتنبه!

 

* * *

وبعد هذه المقدمة اليسيرة، لننظر في مكانة أهل العلم والتعامل معهم عند تنظيم (الدولة):

تكرر في كلمات وبيانات (الدولة) الإشارة إلى مكانة أهل العلم والإشادة بها، ومن ذلك:

ما قاله أبو عمر البغدادي في كلمته (وَعدُ الله): "ولا بد من كلمة تقدير وتحية إلى العلماء الأتقياء الأخفياء الذين ساندونا بالنصيحة والفتوى والمال" انتهى.

وفي كلمته (قل اني على بينة من ربي): "الخامس عشر: نرى وجوب توقير العلماء العاملين الصادقين، ونذب عنهم، ونصدر عنهم في النوازل والملمات" انتهى.

وفي كلمة (تعالوا إلى كلمةٍ سواء) وجه أبو حمزة المهاجر –وزير الحرب في (الدولة)- كلامًا طويلا لأهل العلم، ومنه: "ورسالتي الأولى: إلى أهلِ الله وخاصته، إلى من أثنى عليهم الباري في كتابه العزيز...إلى أهلِ العلمِ والخشية... إلى من خصّهم الله تعالى بحفظ الدين والذكرِ في الصدور... إلى من جعلهمُ الله قدوة وأسوةً للناس في دينهم، سيّما في ميدان الجهاد في سبيلِ الله... فأنتم آباؤنا، وإخواننا، وفخرِ أمتنا، وعزّ ديننا، وورثةِ نبيــّـنا.." إلى آخر كلامه.

 

فهذا الكلام وغيره يوضح أنَّ قادة (الدولة) يعرفون لأهل العلم فضلهم، ومكانتهم، ويصدرون عن أقوالهم وفتاواهم.. وهل الأمر كذلك عند التفصيل والتنزيل على الواقع؟

 

من خلال التتبع لكلمات وبيانات الدولة تتضح أمامنا صورة يمكن عرضها في المسائل التالية:

المسألة الأولى:

اتهام أهل العلم بكتمان العلم، وخاصة فيما يتعلق بالأمور الهامة والمصيرية للأمة:

ففي كلمة (إنّ دولة الإسلام باقية) يقول أبو محمد العدناني المتحدث الرسمي: "فيا علماءنا، لقد علمتم والله أننا على حق (!) فإلى متى تكتمون علمكم؟ أما فقهتم قول ربكم عز وجل (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ) فبالله عليكم متى وقت القتال؟

أما آن لكم أن ترفعوا الراية وتحملوا اللواء؟ فإلى متى تهادنون الطواغيت وتسكتون؟ وإلى متى تخافون المطاردة وتهابون السجون؟ وحتامَ تسلمون لليهود والصليبيين البلاد والعباد؟ حتام تمتنعون وتمنعون من النفير إلى ساحات الجهاد؟ أبهذا أمر ربكم؟

فاعلموا أننا نناديكم وقد أعددنا العدة وهيأنا لكم العتاد والجنود، فهلموا فلا حجة لكم بالقعود، هلموا لتستلموا زمام الأمور، فإن أبيتم فإلى الله نشكوكم وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولنا أمامه وقفةٌ معكم: {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}" انتهى.

 

وهذا اتهام مجمل غير مفصل، وشامل ليس فيه استثناء!

وفي كلمته (السلمية دين من؟) يوجه كلمات عديدة غاية في القسوة والاتهام لأهل العلم بقوله:

"وإنما رسالتنا صدع وتصريح بأمور كتمها العلماء والدعاة إلا من رحم الله خوفاً من السجون والمطاردة.... وبعد هذا كله يخرج علينا فقهاء رسميون ودعاة مسالمون يحرمون الجهاد ويجرمون المجاهدين فمن أين جاءوا بهذا الفقه؟ فقه الخنوع والخضوع والركوع والذل فقه السلمية، من سلفهم في هذا من أي دين جاءونا بالسلمية؟ السلمية دين من؟...

ثالثاً: لابد لنا أن نصدع بحقيقة مرة لطالما كتمها العلماء واكتفى بالتلميح لها الفقهاء ألا وهي: كفر الجيوش الحامية لأنظمة الطواغيت...

وإن الذين يدافعون وينافحون عن هذه الجيوش من المنتسبين إلى العلم ويأمرون المسلمين بعدم تكفيرها وقتالها: لهم أجهل الناس بحقيقة الدين، وحقيقة ما عليه هذه الجيوش الآن...

فهل يقول عاقل أن هذا الجيش لا تجوز محاربته وقتاله؟؟ حتى وإن كان يراه مسلماً...

وكما نتوجه بخطابٍ ونداء إلى الدعاة من أمتنا والعلماء، إلى مصابيح الهدى وورثة الأنبياء، نخاطب العلماء الربانيين ولا نعني أنصار الطواغيت من علماء السوء أو فقهائهم الرسميين، ولا دعاة الشر من مشايخ الفضائيات المهرجين، فيا علماء أهل السنة اذكروا قول ربكم عز وجل: (وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ)".

 

ولنا مع هذه الكلمات الخطيرة وقفات وتساؤلات:

إذا كان العلماء والفقهاء قد كتموا علمهم ولم يظهروه للناس، فمن أين يأخذ الناس علمهم ودينهم في الوقت الحالي؟

وإذا كانت (الدولة) قد اتهمتهم بكتمان العلم هنا، فمن الذين تصدر عنهم (الدولة) في فتاوها ومواقفها؟

وإذا كان هؤلاء المنتسبون للعلم هم أجهل الناس بحقيقة الدين، فمن هم العالمون العارفون بها؟ وإذا كان هؤلاء أجل الناس، فمن هو الأعلم؟

علمًا نَّ الجهاد الذي يقصده العدناني هنا ليس الجهاد في ساحات العراق وبلاد الشام ضد الرافضة والنصيريين والصليبيين فحسب، بل الجهاد في الدول العربية وضد الجيوش المرتدة!

 

وهنا تساؤل:

من قال من أهل العلم المعروفين المشهورين المشهود لهم بالفتوى والرسوخ في العلم بتكفير هذه الجيوش وبقية الأجهزة العسكرية، ووجوب قتالها، بل إن قتالها أولى من قتال الصليبيين؟

وإذا كان هؤلاء العلماء قد كتموا هذا العلم، فهل بقي من (العلماء الربانيين) الذين يؤخذ عنهم في العالم الإسلامي أحد؟ ومن هم؟

ثم ما هذا الإطلاق والتعميم دون ضابط ولا رابط (فقهائهم الرسميين، دعاة الشر من مشايخ الفضائيات المهرجين)؟ هكذا؟

وأي احترام بقي لأهل العلم بعد كل هذا؟

ألم يقل المهاجر في تسجيله الصوتي الثاني: "أيّها العلماء عيبٌ عليكم أن يذكّركم المجاهدون فأنتم من تذكّرونهم، عيبٌ عليكم أن يعرّفوكم واجبكم فأنتم من تعلّمونهم" انتهى.

أهكذا يُخاطب أهل العلم؟ أهذا هو منهج أهل العلم والسلف الصالح في التعامل مع الكبراء والعلماء؟ وهل يستقيم هذا الكلام قوله بما بعده: "أيّها العلماء لن ندعكم وشأنكم، إن قذفتمونا بقذائف الباطل فسالت دماؤنا على وجوهنا مسحنا جراحنا وغفرنا لكم ورجوناكم ألاّ تعودون، وسألناكم ألاّ تخذلونا، وإن أدبرتم عنّا تعلّقنا بردائكم رجاء أن لا تتركونا، فإن أقبلتم علينا عرفنا قدركم و رفعنا شأنكم وما قطعنا أمراً دون مشورتكم، ولن تجدوا منّا إلاّ انصياعا للحقّ وتعظيماً للشّرع" انتهى!

فأي أدب في التزام الحديث معهم بعدما سبق؟

وإن كانوا قد كتموا العلم، فخانوا الأمانة، ووالوا الطواغيت فكيف يسوغ لهم اتباعهم والأخذ بكلامهم؟

 

والسؤال الأهم في هذه النقولات:

ما المقصود بأن هؤلاء العلماء مهادنين للطواغيت؟ هل هو مجرد عدم الخروج عليهم بالتكفير أو إباحة القتال؟ أم موالاتهم ومناصرتهم ضد الإسلام والمسلمين؟ وما حكمهم إن كانوا أنصارًا لهم؟ وهل يطبق عليهم حكم الردة في الجيوش والأحزاب السياسية كما بيناه في المقال الثاني؟

 

لننظر في هذا المثال التطبيقي:

جاء في اللقاء الصوتي الثاني لوزير الحرب أبو حمزة المهاجر قوله: "ولن يقبل الصّليب واليهود بأقلّ مما قام بهِ قطبيّ الإخوان المسلمين في قطر ولبنان حيث وقف يوسف القرضاوي على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي خطبة الجمعة في سابقةٍ لا مثيل لها يطالب الأمّة أن يكون الجنرال ميشيل رئيساً وأميراً على ساحل المسلمين ...

ومع أن الرّجل خالف الشّرع في هذه الحادثة من وجوهٍ كثيرة أعلاها رده إجماع الأمّة في حكم الإمامة من عالم به وأدناها ما قاله السّادة الأحناف أنه من سمّى الجور عدلا: كفر، ومن قال للظالم أنه عادل: يكفرِ".

فهل هذا تكفير للقرضاوي؟ بغض النظر عن صحة موقفه في هذا المقام.

وهل هذا رأيكم في بقية العلماء الرسميين ؟ و(الراضين) و(المهادنين) للطواغيت؟

وهل أنتم راضون عن تكفير أنصاركم لعلماء العالم الإسلامي بناء على هذه الأحكام العامة؟

 

* * *

المسألة الثانية: عدم الأخذ بفتاوى أهل العلم من خارج تنظيم (الدولة):

درج تنظيم (الدولة) على الرفض لكل من خالف فتاويه ورؤاه الشرعية والسياسية، وهذا نتاج طبيعي لاتهام أهل العلم بكتمان علمهم، وموالاة الطواغيت، فلا بد أن يكون لديهم مصدر آخر يستقون منه هذا العلم.

 

ويمكن في هذا السياق أن نستحضر مثالين مشهورين معلنين:

الأول: عند إعلان إنشاء (دولة العراق الإسلامية)، وحينها أعلن غالبية أهل العلم في العالم الإسلامي عدم الموافقة على هذا الإعلان، ليس من باب الطعن في المجاهدين، ولا الوقوف إلى جانب الطغاة والصليبيين، فقد كان من الرافضين لهذا الإعلان أكثر المفتين بوجوب جهاد الرافضة والأمريكان في العراق، والداعمين للمجاهدين بالقول والفعل والمال، وإنما كان الرفض لعدم الموافقة على إعلان الدولة بتلك الطريقة لأسباب عديدة ليس هذا موضع بيانها.

فماذا كان موقف (الدولة)؟ لقد كان موقفها الرفض  التام لكل تلك الفتاوى والآراء، بل والطعن فيها وتخوينها.. ولن نتوقف عندها طويلاً فقد فات وقتها وتطاول، وهنك ما يغني عنها.

 

والموقف الثاني:

عندما أعلنت (الدولة) تمددها لسوريا وتغيير اسمها إلى (الدولة الإسلامية في العراق والشام)، والتي وقف فيها أهل العلم والفتوى في العالم الإسلامي موقف المعارض الرافض لهذا الإعلان أكثر مما وقفوا في إعلان التأسيس الأول، بل تجاوز ذلك إلى ثلة كبيرة من المحسوبين على (التيار الجهادي العالمي) القريب من فكر (الدولة)، بل أعلى قيادة لما يعرف باسم (الجهاد العالمي)، أعني الظواهري، وهم الذين لم يكتموا علمًا، ولم يوالوا طغاة! 

فما كان من رموز (الدولة) وأنصارها إلا رفض جميع هذه الآراء والطعن فيها، والإصرار على موقفهم هذا، ومما جاء في ذلك:

قول أبي بكر البغدادي في كلمته (باقية في العراق والشام): "أما الرِسالةُ التي نُسِبَت إلى الشَيخ أيـمَـن الـظـواهـِري حَفِظهُ الله، فإن لَنا عَليها مؤاخَذاتٍ شَرعية ومَنهَجيةٍ عَديدة، وقَد خُيّرَ العَبدُ الفَقير بَينَ أمرِ رَبه المـُستَفيض، وبينَ الأمر المـُخالِف لأمر الله تَعالى، وبَعد مُشاورة مَجلِس شُورى الدَولة الاسلاميةِ في العِراق والشام مِن مُهاجِرين وأنصار، ومِن ثَمّ إحالة الأمر إلى الهَيئة الشَرعية اخترتُ أمر رَبي عَلى الأمر المخالِف له..." انتهى.

بل كانت كلمة المتحدث الرسمي باسم الدولة العدناني أشد في ذلك، حيث قال في كلمته (فذرهم وما يفترون): "وهذا هو حال الدولة مع طواغيت العالم وأنصارهم، ففي الإعلام يصورونها دولة وهمية، كما ينظر لها علماء السوء أنصار الطواغيت وفقهاء القعود ودعاة الإنبطاح...

 

فاستنفرت العمائم من علماء السوء ليُلبسوا على المسلمين ويشوشوا على المجاهدين... وقد نسبت للشيخ الدكتور أيمن الظواهري حفظه الله، على ما تضمنته من مآخذ وقرارات لا تأتي إلا بمفاسد كبيرة، لا يختلف عليها اثنان من المسلمين (!!) عايشا واقع الحال على الأرض في الشام...

فهل يجوز شرعًا تقسيم الجماعة الواحدة المجاهدة وتفريقها وتشتيت شملها على هذا النحو؟ أهذا معروف أم منكر؟ أهذا إصلاح أم إفساد؟ منجاة أم مهلكة؟.." إلى آخر تلك الكلمة العجيبة في كلماتها وعباراتها الموجهة لأكبر زعماء (التنظيم العالمي للجهاد)!

 

وإذا عدنا لموضوعنا في هذه المقالة:

فإنَّ الذي رفض هذا الإعلان هو: الغالب الأعظم من علماء المسلمين في العالم، وجميع قادة الجهاد والهيئات الشرعية المجاهدة في سوريا، بل وكثير من شخصيات الجهاد العالمي الفكرية، والعسكرية الممثلة بجبهة النصرة، وكبار تنظيم القاعدة!

ولم يوافق على هذا الإعلان إلا عدد قليل ممن وُصفوا في البيان المتقدم بأنهَّم (مَجلِس شُورى الدَولة الاسلاميةِ في العِراق)!

فسبحان الله يا إخواننا في (الدولة)! أين يُذهب بكم؟ أوصل الأمر والحال إلى رفض أقوال أهل العلم من الموافقين والمخالفين في هذه المسألة الخطيرة التي يُجمع لأمثالها أهل العلم والحنكة والخبرة والدراية بالفقه والسياسة وغيرها، والاكتفاء برأي عددٍ قليل؟ بل والطعن والتشكيك في كل من خالفكم حتى من الموافقين لكم في الرؤية والمنهج؟

فما المعيار لديكم في قبول أو رفض الفتاوى والمواقف الشرعية والسياسية؟ وخاصة أن جزءًا كبيرًا منها صدر ممن هو على منهجكم نفسه؟ مما يعني أنهم ليسوا من المنحرفين أو أعوان الطواغيت ونحو ذلك؟

أم هو التحزب للجماعة (الدولة) ورفض كل ما خالفها؟

وهل جميع أموركم العلمية والشرعية والسياسية تجري على هذا النحو؟

 

أما إنَّكم إن قلتم أنَّ المعيار هو موافقة الحق، فهو مردود لأمور من أهمها:

1- أنَّ هؤلاء الموصوفون بأنهم (مجلس شورى) مجهولو الحال عند الغالبية العظمى من علماء المسلمين وفقهائهم، فضلاً عن عامة الناس، ومثل هؤلاء لا يؤخذ عنهم هذه الفتاوى وهذا العلم، ولا يتعلَّق بقاء المنهج السليم الصافي بهذه الفئة من المجاهيل!

2- أنَّ هذا تزكية لأنفسكم بأنَّكم الوحيدون على الحق دون الأمة! وهذا يحتاج إلى دليل ووقفات!

 

* * *

المسألة الثالثة: عدم معرفة من تصدر عنهم فتاوى وآراء (الدولة) الفقهية والسياسة والعقدية:

من خلال ما سبق:

يتبين أنَّ تنظيم (الدولة) لا يأخذ برأي العلماء الرسميين، والخاضعين للطغاة، ولا حتى من المخالفين يتوقع الشخص للوهلة الأولى أنَّ (الدولة) تصدر في أقوالها، وأفعالها، ومواقفها عن آراء علماء راسخين في العلم، وخاصة مع الموضوعات الخطيرة التي تتعامل معها..

فالسؤال الذي يتبادر إلى ذهن كل متابع لشأن (الدولة): من هم العلماء والمفتون الذين تصدر عنهم الفتاوى والمواقف الشرعية؟ ومن هم الذين يمثلون أهل الحل والعقد الذين يرجع إليهم في مسائل الدولة والخلاف؟ والذين يكون بقولهم فصل المسائل؟

إنَّ من المُسلَّم به أنَّ هؤلاء العلماء أو طلبة العلم غير معروفين لغالبية أهل العلم، فضلا عن عموم الناس، وهذا مال لا شك فيه.

وهم وإن كانوا أشخاصًا موجوديين حقيقيين (لا نشك في وجودهم) فهم غير معروفين، وكون بعض أتباع (الدولة) أو غيرهم يعرفهم بأسمائهم وأشخاصهم لا يرفع عنهم الجهالة العلمية، إذ ليس المقصود هنا معرفة أسمائهم وأشخاصهم فقط كما يظن البعض، بل المقصود معرفة أحوالهم، وسلامة منهجهم، وتمكنهم من العلم، وغير ذلك.. وقد مر بنا سابقًا أقوال أهل العلم في ذلك..

وليس توثيق (الدولة) لهؤلاء أو شهادتها لهم بالعلم والفضل رافعًا للجهل عنهم، فإنَّ التوثيق لا بد أن يكون من عموم أهل العلم المشهود لهم، فالشهادة تزكية، ولا تقبل من ثقات، قال النووي: "ولا يتعلم إلا ممن تكمَّلت أهليته وظهرت ديانته وتحققت معرفته واشتهرت صيانته"، وقال الشاطبي: "وَالْعَالِمُ إِذَا لَمْ يَشْهَدْ لَهُ الْعُلَمَاءُ فَهُوَ فِي الْحُكْمِ بَاقٍ عَلَى الْأَصْلِ مِنْ عَدَمِ الْعِلْمِ حَتَّى يَشْهَدَ فِيهِ غَيْرُهُ".

إلا إن كان الإخوة في تنظيم الدولة لا يعتدون بأهل العلم في شتى بلاد العالم الإسلامي، بل والعالم كله، بمختلف مستوياتهم ومؤسساتهم المختلفة!

 

ونقطة أخيرة في هذه المسألة:

وإنَّه وإن كان بعض رجالات (الدولة) أو المقربين منهم معروفون بالعلم لدى البعض، فإنَّ تزكيتهم لبقية طلبة علم أو مفتي (الدولة) غير مقبول، لأنَّ توثيق الثقة للمبهم لا يقبل على إطلاق كما هو معلوم في مصطلح الحديث، لأنه وإن كان ثقةً عند من وثَّقه بما يظهر له منه، فلا بد من إظهار اسمه وحاله لغيره، فربما كان مجروحًا أو معروفًا بقلة العلم أو انحراف المنهج، وهذه من المسائل الخطيرة والهامة التي تخفى على كثير من الناس ويقع فيها الخطأ. فتنبه!

 

* * *

المسألة الرابعة: معيار قبول رأي أهل العلم وفتاواهم:

بعد كل هذا العرض لقائل أن يقول: هل يعني هذا أنَّ منهج تنظيم (الدولة) هو الرفض القاطع لجميع أهل العلم وطلبته، وكل ما يصدر منهم؟ أم أنَّ هناك معايير معينة يمكن أن تقبل فيها أقوالهم وفتاواهم عند تنظيم (الدولة)؟

والجواب: أنَّه بعد التطواف الكبير في كلمات وبيانات الدولة تتضح لنا ملامح منهجية هامة لقبول آراء وأقوال أهل العلم في الفتوى وأمور الجهاد، وهذا بيانها من عباراتهم وكلامهم:

  1. أن يكون على منهج السلف قولاً واعتقادًا.
  2. أن يكون على منهج (التيار الجهاد العالمي) وهو ما يوصف أحيانًا بفكر القاعدة.
  3. أن يكون يُطبق أقوالهم واعتقاداتهم ولا يخرج عنها.
  4. أن يكون ممن انحاز إلى أرض الجهاد، أو ينوي ذلك.

 

وبيان هذه الشروط من كلماتهم الرسمية كما يلي:

جاء في كلمة  أبي عمر البغدادي (جريمة الانتخابات الشرعية والسياسية.. وواجبنا نحوها) للخروج بحل لمشاكل الجهاد في العراق: "ولكي نقدم مبادرة عملية التطبيق نرجو مِن الله فيها القبول ندعو إلى تشكيل لجنةٍ من العلماء أو طلبة العلم المتقدمين تكون نواة لجمع المجاهدين وإصلاح حال المقاومين عسى الله أن يفتح علينا ونشترط لمن يكون في هذه اللجنة من العلماء:

أ- أن يكون مُلتزمًا بالسنة على ما كان عليه سلف الأمة.

ب- أن يكون موصوفًا بالعدل والإنصاف والجرأة في أمر الله، والبُعد عن الهوى، وحَسَن الخُلُق.

ج- أن يكون ممن قاتل ويُقاتل في سبيل الله ومارس الجهادَ عبادة، وهذا شرطٌ هامٌّ جدًا، فإن الذين حشروا أنفسهم في زوايا المكتبات يعكفون على الأوراق لكي يخرجوا حلولًا لمشاكل البندقية والقنبلة دون أن يروها أو يتعلموها يومًا لا شك أنهم سيفجرونها في وجوههم ووجوه مَن يستمع إليهم، أما في غير أمور الجهاد ومسائله فهم أئمتنا وعلى رؤوسنا.

د- أن يكون مرضيًّا عليه من جميع الفرقاء أو أغلبهم، وليس بالضرورة أن يكون من أهل العراق بل من أي بلدٍ من بلدان المسلمين التي تشهد حركة جهادية وصراعًا بين الكفر والإيمان كأفغانستان والصومال والشيشان والجزائر والجزيرة وغيرها....

 

ونقترح أن تقوم هذه اللجنة بالآتي:

أ- البحث في حالة كل جماعة أو كيان في الساحة العراقية منهجًا وإمارة وتمويلًا ودعمًا، فمَن كان مِن الجماعات أو التكتلات أهلًا أن يُوصف أنه من أهل السنة والجماعة أعلنوا ذلك، ومَن كان عنده خللٌ في مُعتقده ومنهجه حكموا بذلك ودعوه للتوبة مما تلبّس به من بدعة أو شِرك، والتبرؤ إلى الله من خطئه وبيان ذلك للأمة والناس.." انتهى.

وقال أبو حمزة المهاجر في لقائه الصوتي الثاني: "وقد اقترح الشّيخ أسامة حفظه الله اقتراحا جيّدا وجيها نزيد عليه أنه يمكنكم تشكيل لجنة فتوى سريّة كحدّ أدنى تصدر الفتاوى في نوازل الأمة يتبنّاها إخوانكم المجاهدون في الإعلام الجهادي إلى حين هجرة بعضكم إلى مكان آمن، وهذا ما لابدّ منه وفرض عين عليكم جميعًا حتى يقوم بهِ بعضكم".

 

وهنا لا بد من التساؤلات التالية:

1- من أين لكم اشتراط أن يكون المفتي أو العالم الذي يؤخذ، فضلاً عن الذي يُشارك في أمور الجهاد عنه على منهج السلف؟ وألا يكون عنده انحراف أو بدعة أو خطأ؟

ألم يأخذ العلماء العلم عن أهل العلم ممن وقع في خطأ أو بدعة أو انحراف؟

ألم يشاركوهم الجهاد في سبيل الله؟ بل انضووا تحت رايتهم؟ وقد سبق الإشارة إلى جانب من جوانب التعامل مع أهل العلم هؤلاء.

2- بل تجاوز الأمر إلى درجة الامتحان والاستتابة في أرض الجهاد: "ومَن كان عنده خللٌ في مُعتقده ومنهجه حكموا بذلك ودعوه للتوبة مما تلبّس به من بدعة أو شِرك، والتبرؤ إلى الله من خطئه وبيان ذلك للأمة والناس"، فأين هذا في منهج السلف؟

بل ألم يجاهد السلف خلف العديد من القادة الذين تلبسوا ببعض البدع؟

3- ثم عن أي منهج من مناهج السلف يُقصد هنا؟

هل هو منهج التوسع في التكفير، والطعن في أهل العلم، والذي وصف مخالف بأنه من أجهل الجاهلين؟ والذي تحدثنا عنه في المقال الأول؟

4- وأما اشتراط أن يكون العالم ممن جاهد في سبيل الله الله بيده: فلعلها من آثار العبارة المشهورة المتداولة (لا يفتي قاعد لمجاهد)، أو ما نقل عن عدد من أهل العلم قولهم (إذا اختلف الناس فانظروا إلى ما عليه أهل الثغور)!

نعم لا بد أن يكون من يفتي في أمور الجهاد عالمًا عارفًا بواقع ما يفتي فيه ومَن يفتي لهم، إما عن طريق السؤال والاستفصال، أو نقل الثقات، ونحو ذلك من الطرق الكثيرة.

لكن اشتراط ذهابه إلى الثغور ومشاركته بالجهاد: فهذا اشتراط ما لم يشترطه الشرع، ولا أهل العلم، وإلزام الناس بما لم يلزمهم به الدين، فضلاً عن إهدار طاقات علمية كبيرة عن البت في شؤون المجاهدين بما لها من سابق خبرة وعلم وتجربة، ومعايشة طويلة لنصوص شرع وأقوال أهل العلم، مع ما فيه من عدم احترام لهم ولا توقير.

 

بل إنَّ من أخطر آثر هذا الاشتراط:

أن أُهمل أهل العلم المشهود لهم بالعلم والفضل، وأُسيء الظن بهم، وطُعن في دينهم وأمانتهم، فلم يبق من يُرجع إليه في هذه المسائل إلا من ارتضى منهجم وسار على هديهم ممن لم ترسخ قدماه في العلم، فكانت النتيجة ما نراه من آراء وفتاوى ومواقف!

 

* *  *

وأخيرًا:

إنَّ ما سبق من بيان منهجية تعامل (الدولة) مع أهل العلم، وأقوالهم وفتاواهم:

تعني إسقاط الرموز الدينية، وجميع المظاهر العلمية في العالم من آلاف المختصين بالعلوم الشرعية، وأساتذة الجامعات، والقضاة، والمفتين، وعشرات المراكز البحثية بكافة أشكالها (!)، وما يؤدي ذلك إلى مخاطر جسيمة، تتمثل في إذهاب هيبة العالم، والاستهانة بعلمه، ومن ثم التجرؤ عل القول في دين الله دون علم، وذلك هو الضلال المبين.

وإلى إخوتنا في تنظيم (الدولة):

أي مثال وقدوة تزرعونها في عقول وقلوب أتباعكم وأنصاركم من خلال الأحاديث السابقة عن أهل العلم، ورميهم بكل منقصة ومسبة؟

أليست صفحات التواصل ومجالس النقاش مع المناصرين لكم تئن بألفاظ السباب والشتائم والتكفير والاستهزاء والتحقير لأهل العلم فضلاً عمن هو دونهم، فهل أنتم راضون عن ذلك؟

وإن كنتم غير راضين فلم السكوت وقد وجب البيان؟

ألا توجهون أنصاركم وأتباعكم ببيان شامل معلن تتبرؤون فيه من هذه الانحرافات والتهوكات والولوغ في أعراض ولحوم أهل العلم وطلبته؟

إنكم إن لم تفعلوا فأنتم شركاؤهم في الإثم، ولا يغني عنكم تبرؤكم من ذلك وزعمكم أنكم لم تأمروهم، فبياناتكم وكلماتكم تطفح بهذه العبارات والمصطلحات!

ألا تدركون عاقبة ذلك على أتباعكم أولاً في إعراضهم عن هؤلاء العلماء، وزهدهم بما في أيديهم –حتى وإن كان في غير مسائل الجهاد ونحوها- وما يخلفه ذلك من جهل وانحراف؟

إننا ندعوكم إلى مراجعة ذلك كله، وقياسه بمقياس الشرع وكلام أهل العلم.. والله الهادي إلى سواء السبيل.

والحمد لله رب العالمين.

 

 

4.موقف تنظيم (الدولة) من إقامة الدولة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فإنَّ إقامة الدولة الإسلامية التي تحكم بشرع الله تعالى، وتنشر العدل والحق لم يزل حلم المجتمعات الإسلامية، منذ سقوط الخلافة العثمانية، ولأجل هذا نشأت جماعات وحركات إسلامية عديدة، حملت همَّ إقامة هذا المشروع، مع تفاوت في برامجها، ووسائلها، وفي قربها أو بعدها من الالتزام بالحدود الشرعية في هذه المسألة، وليس هذا مجال عرضها أو نقاشها.

وفيما يتعلق بتنظيم (الدولة)، فإنَّ  لمشروعه في إقامة الدولة الإسلامية قواعد وأسس يمكن الوقوف عليها من خلال كلمات وبيانات قادتها:

حيث أُعلن عن إنشاء (دولة العراق الإسلامية) في 2ربيع الثاني  1428 هـ – 19/4/2007م على لسان المتحدث الرسمي باسمها حينذاك: محارب الجبوري، من خلال حلف المُطيبين والذي كان يضم حينذاك (مجلس شورى المجاهدين في العراق، وجيش الفاتحين، وجند الصحابة، وكتائب أنصار التوحيد والسنة، وعدد من شيوخ العشائر).

ومما قاله زعماء تنظيم (الدولة) في شرح هذا المشروع:

قول أبي عمر البغدادي في كلمته (جريمة الانتخابات الشرعية والسياسية .. وواجبنا نحوها): "إننا ندعو جميع المجاهدين إلى الاجتماع تحت راية واحدة راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، ومنهج واحد وأميرٍ واحد وفي جيشٍ واحد ولغايةٍ واحدة هي حاكمية الشريعة لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى" انتهى.

 وقول أبي محمد العدناني المتحدث باسم تنظيم (الدولة):

"فأما مشروعنا السياسي: فهو مشروع الأمة، إن هدفنا إقامة دولة إسلامية على منهاج النبوة، لا تعترف بحدود، ولا تفرق بين عربي وأعجمي، ولا شرقي أو غربي :إلا بالتقوى، ولاؤها خالص لله، لا تعتمد إلا عليه ولا تخشى سواه" انتهى.

وهذا الكلام بمجمله طيب.. لكنه عام، لا يوضح المنهجية التي تقوم عليها الدولة.. وبتتبع بيانات تنظيم (الدولة) تتضح لنا المنهجية التي يمكن تناولها عبر المسائل التالية:

 

المسألة الأولى: سبب إعلان الدولة:

ذكر قادة تنظيم (الدولة) في أسباب إعلان الدولة عدة أسباب:

 

1. تحكيم الشرع وتكون كلمة الله هي العليا:

قال أبو حمزة المهاجر في (اللقاء الصوتي الأول): "ينبغي أن يدرك الجميع كما قررنا ذلك مراراً أننا نقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ولا يكون ذلك إلا بحكم و إمارة، فإنشاء دولة إسلامية في العراق هدفٌ لنا جميعاً منذ أول طلقة أطلقناها على المحتل وأعوانه" انتهى.

وهذا الأمر غيرُ مُسلَّم به، فالحكم بالشرع لا يفتقر إلى دولة، ولا حاكم عام، بل يكفي أن يقيم الأمراء والقادة (أصحاب الولايات الخاصة) ما يستطيعونه ويقدرون عليه من أحكام الدين.

فالجهاد في العراق، وفي بلاد الشام هو جهاد دفع للصائل المعتدي، ولا يُشترط فيه وجود حاكم أو إذنه، فضلاً عن  إنشاء إمارة، فكيف بدولة! كما قرَّر ذلك أهل العلم، ودلَّت عليه النصوص الشرعية.

 

2. القوة على الأرض، وحماية الانتصار من سرقته من العلمانيين وغيرهم:

قال محارب الجبوري في كلمته (الإِعْلانُ عَنْ قِيَامِ دَوْلَةِ العِرَاقِ الإِسْلامِيَّةِ): "ولمَ لا ونحن بحول الله وعونه أكثر انتشارًا وأطول ذراعًا وأمنع دارًا من حكومة فلسطين التي أقر شرعيتها الكثير على الرغم من أن المحتل الصهيوني يقتل ويعتقل من يشاء ويدع من يشاء في أي وقتٍ ومكان ... بينما المحتل الأمريكي لا يصل إلى أي جندي عندنا حتى نسكب من دمائه الكثير ويشهد بذلك الكثير..." انتهى.

 

وقال في كلمته (التَّشْكِيلَةُ الوزَارِيَّةُ الأُولَى لِدَوْلَةِ العِرَاقِ الإِسْلامِيَّةِ): "فاليوم وبفضل من الله تعالى وبعد أن قهر الله الصليبيين وأخزى المرتدين على أيدي المجاهدين، أصبح من واجبات المرحلة أن يعلن إخوانكم في مجلس شورى دولة العراق الإسلامية عن تشكيلة وزارية لأول حكومة إسلامية تكفر بالطاغوت وتؤمن بالله وتجاهد في سبيله لتُحكّم شرعه بعد عشرات السنين من سقوط خلافة الإسلام وضياعها" انتهى.

 

وقال أبو عمر البغدادي  في كلمته (حصاد السنين بدولة الموحدين): "إنا حينما أعلنا دولة الإسلام لم نكن فحسب نحاول قطف الثمرة بعد نضوجها بل إن الثمرة سقطت سقوطا حرا فالتقطناها قبل وقوعها في الوحل وصارت في أيدينا أمينة نظيفة" انتهى.

وجميع ما ذُكر غير مسلَّم به:

- فالسيطرة على الأرض ليست سيطرة مستقرة، وليس فيها تمكين، بل هي سيطرة جماعة مسلحة سيطرة مؤقتة غير ثابتة، لا يمكن في ظلها إقامة دولة، وهو ما أثبتته الأيام بعد ذلك.

-كما أنَّ الخشية على المشروع الجهادي من الضياع حق واجب، ويكفي الأمة ما مرَّت به من تجارب سابقة مريرة.. لكن ليس الحل في الإسراع بإعلان دولة دون استيفاء مقوماتها، أو بمعزل عن بقية مكوناتها من الجماعات الجهادية والهيئات الشرعية، بل والشعب، وليس معيار نجاح الدولة فيمن يسبق إلى إعلان الدولة، بل كيف تُبنى وعلى أي أسسٍ تكون.. وإلا لن يكون لها أي فرصة للنجاح..

وسيأتي مزيد تفصيل لهذه الأمور جميعها في الفقرات التالية..

 

* * *

المسألة الثانية: شروط إقامة الدولة:

يتَّضح من خلال من خلال كلمات وبيانات قادة تنظيم (الدولة) أنَّهم لا يشترطون لإقامة (الدولة) إلا مجرد الوجود في مكان ما، مهما كان ذلك الوجود، مع إعلان منهجهم وأفكارهم في إقامة شرع الله.. وقد جمعت الكلمة الطويلة لأبي حمزة المهاجر عن (الدولة النبوية) خلاصة ما ذكره قادة التنظيم في عدة كلمات وتصريحات، ومما ذكر فيها:

أنَّ المدينة كان فيها وباء وحمى، وفيها ماء آجن، وكانت حياة الصحابة فيها حياة خوف ووجل وترقب، وأنَّ الحياة فيها كانت حال فقرٍ وقلة وجوع، وفي الجانب العسكري: قلة تجهيزات، ومؤونة، وأسلحة، وقلة عدد المقاتلين وأنهم بعد ثلاث سنوات لم يبلغوا أكثر من (700) مقاتل، مع وجود أعدائهم من المنافقين واليهود بين صفوفهم، ويستدل من جميع ذلك على أنَّه مع كل تلك الظروف "ما سمعنا قط مسلماً ولا حتى منافقاً يطعن في دولته صلى الله عليه وسلم".

ثم قال: "والسؤال الآن: هل الدولة الإسلامية في العراق استوفت شروط الدولة من حيث المساحة والقوة وبسط النفوذ وبالمقارنة بما كانت عليه الدولة النبوية آخذين في الاعتبار ما مرت عليه الدولتان من محن، والفرق الهائل بينهما...".

ثم عرض لبعض المناطق التي ينتشر فيها التنظيم، ثم قال: "سأتحدث عن عرب جبور وما حولها، فقد شرف الله هذه المنطقة بنعمة الجهاد في سبيل الله ومنذ أول يوم لدخول المحتل إلى أن انضوى جميع رجالها المجاهدون تحت لواء الدولة الإسلامية، فبلغ عدد جنودنا في هذه المنطقة وحدها ثلاثة آلاف مجاهد فأقاموا الحدود وردوا المظالم ونشروا الأمن وأعالوا الفقراء، وذلك بعدما خاضوا حرباً ضروساً ضد المحتل وأعوانه فطهروا الأرض من رجسهم و أخرجوهم منها خزايا خائبين، ولقد منَّ الله عليهم أن حرموا الأرض على آلياتهم ثم حرموا السماء على طائراتهم فبدؤوا بالمروحيات ثم الطائرات الحربية، وأخيراً منعوا كل أصناف الطائرات من دخولها ....والسؤال لو كانت الدولة الإسلامية فحسب في عرب جبور ألم تكن دولة حقيقية؟".

وعرب جبور: بلدة عراقية ريفية تقع جنوب بغداد شمال قضاء المحمودية، يبلغ عدد سكانها 150،000 نسمة، تسكنها عشائر مختلفة..

 

ويُلحظ في هذا العرض المطول العديد من المغالطات، وأهمها:

1- التهوين الشديد من الأمن والاستقرار في وصف حالة المدينة النبوية، وما كانت تعانيه من جوع وصعوبات في الحياة، لدرجة أنه كاد أن يعصف بها في حديثه الطويل، وجميع ذلك لأجل قياس حالة المناطق التي يقيمون بها في حال الحرب والكرِّ والفر، على حال المدينة النبوية التي كانت تعاني الأمر نفسه كما يصور!

بل إنَّ (المهاجر) بالغ في التحقير من وضع المدينة ووصف نفوذ اليهود والمنافقين بها بقوله: (تحالف المشركين وأهل الكتاب ضده فقد كان اليهود في تجمعات سكنية منفصلة وعلى أعلى درجاتٍ من التدريب والترتيب العسكري والإداري بالإضافة إلى تجمع المنافقين ومن انحاز إليهم من المشركين وعلى رأسهم ابن سلول الطامع في ملك المدينة) انتهى.

وهذا الأمر غير صحيح، فقد كانت الغَلبة والملك والحكم للمسلمين، وكانوا الأظهر فيها، والأكثر قوة، وأكثر سكانًا، والأقوى تسليحًا، لذا خشي المنافقون من إظهار كفرهم ونفاقهم وأعلنوا إسلامهم، وردَّ الله كيدهم وعداوتهم، وعقد المسلمون الصلح مع اليهود ذي البنود المشهورة وما فيها من تقرير سلطة المسلمين على المدينة، بل إنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم حينما عاقب قبائل اليهود واحدة تلو الأخرى لم تستطع القبائل الأخرى أن تدفع عنها، وهذا ما يُبين حقيقة الحكم والسُّلطة.

بل إنَّ وجود الحياة العلمية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها كان موجودًا ومستقرًا في المدينة.. وهو ما تفتقده التنظيمات المسلحة، التي لا يتكون منها مجتمع، فضلاً عن دولة. فتنبَّه!

أما مناطق سيطرة تنظيم (الدولة) في العراق مهما عظمت فهي سيطرة قلقة مؤقتة، لا تعدو أن تكون سيطرة بقوة السلاح، وتحت تهديد ضربات المحتل أرضًا وجوًا.. وهذا ما أثبته الزمن بعد عدة شهور، فعادت هذه المناطق لسيطرة الرافضة، فشتَّان بين الوضعين، شتان.

2- أنَّ هناك فرقًا بين حال الضيق والشدة التي تمر بها الدول القائمة بالفعل، وبين الأخطار التي تواجهها جماعة مقاتلة في منطقة ما، فتلك دولة قائمة لها السلطة والسيادة، وهذه جماعة أعلنت أنها دولة، ومجرد إعلانها لا يعني أنها أصبحت كذلك!

3- ثم إنَّه جعل مساحة المدينة النبوية وعدد سكانها وجيشها مقياسًا لإقامة الدول، ولا دليل على هذا الأمر!

و تفسير إقامة الدولة بهذا الشكل لهو تسطيح خطير وساذج لمعنى الدولة الإسلامية، لا يدعمه دليل شرعي، ولا نظر عقلي، ولم يقل به أحد من أهل العلم قديمًا ولا حديثًا.

بل فيه فتح لباب العبث بإطلاق اسم الدولة أو الإمارة على مجموعة مبان أو مناطق محدودة بمجرد الاستيلاء عليها، وهو ما حدث بالفعل في عدد من الدول الإسلامية على يد بعض الحركات الجهادية، وأيدها تنظيم (الدولة) في ذلك، لعله يتيسَّر الإشارة إلى ذلك بالتفصيل في مقال قادم إن شاء الله.

 

4- والمغالطة الأشد في قياس الدولة النبوية التي قائدها النبي عليه الصلاة والسلام وهو النبي المعصوم الموعود بالنصر والتمكين، وبين تنظيم عسكري مقاتل ليس له ذلك، وهو قياس مع الفارق. فتنبَّه.

وقد لخَّص عثمان بن أحمد التميمي في رسالته (إعلان الأنام بميلاد دولة الإسلام) الصادرة عن (وزارة الهيئات الشرعية)  في (دولة العراق الإسلامية) بقوله: "إن الدولة التي أقامها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا تحمل كل المواصفات التي ينظر لها على أنها من خصائص الدولة المعاصرة بكياناتها السياسية والإدارية والاقتصادية، فالدولة التي ينشدها الإسلام هي تلك التي تقيم الدِّيْن أولا قبل أي اعتبار آخر، وعلى رأس ذلك تحكيم الشريعة، الذي يأخذ بعين الاعتبار مضامين الأحكام وغاياتها، والدولة التي يطلبها الشرع هي دولة مرتكزة على عقيدة التوحيد، منبثقة عنها، تحكم بمقتضى الشرع في السياسة والعلاقات الخارجية، كما تحكم بمقتضى الشرع في النظم والسياسات الداخلية" انتهى.

وهذا ما عناه أبو حمزة المهاجر في كلمته عن (الدولة النبوية) بقول: "قد انطبع عند كثير منا أن مفهوم الدولة الإسلامية هو نفس مفهوم الدولة الطاغوتية التي رسمها سايكس بيكو".

وبهذا يتبيَّن أنَّ التنظيم قد هدم كل أركان الدولة الحقيقية، ولم يبق منها إلا (التوحيد، وتحكيم الشريعة)، والذي يمكن لأي عددٍ من الأشخاص في أي مكان في العالم إعلان نشوء دولةٍ به!

وما المقصود بالتوحيد وتحكيم الشريعة هنا وفق تفسير التنظيم وفهمه؟ وما حكم مخالفته عندهم؟ هذا ما سيتضح من الفقرات القادمة.

 

6- والسؤال الأهم: أين بناء الدولة كما رسمتها دولة الخلافة الراشدة، والدول الإسلامية على مر العصور كالخلافة الأموية والعباسية؟ بل أين هي مما ذكره جهابذة علماء المسلمين في السياسة الشرعية، والعلوم الاجتماعية وغيرها مما يتعلق بأمور الدول؟ أيترك ذلك كله ويهمل لأجل التعلُّق بتفسيرات لا دليل عليها؟.

 

* * *

المسالة الثالثة: ملامح هذه (الدولة):

يتضح من خلال أدبيات قادة تنظيم (الدولة) الملامح التالية:

1. أنَّها مشروع حرب واصطدام مع العالم:

- يقول أبو محمد العدناني في كلمته (السلمية دين من؟): "ثالثاً: لابد لنا أن نصدع بحقيقة مرة لطالما كتمها العلماء واكتفى بالتلميح لها الفقهاء ألا وهي: كفر الجيوش الحامية لأنظمة الطواغيت، وفي مقدمتها الجيش المصري، والجيش الليبي، والجيش التونسي ... إنَّ جيوش الطواغيت من حكام ديار المسلمين هي بعمومها جيوش ردة وكفر، وإنَّ القول اليوم بكفر هذه الجيوش وردتها وخروجها من الدين، بل ووجوب قتالها وفي مقدمتها الجيش المصري لهو القول الذي لا يصح في دين الله خلافه" انتهى.

ويقول في كلمته (العراق العراق يا أهل السنة): "فليعلم القاصي والداني والشرق والغرب أننا أقسمنا وعزمنا أنَّه بغير دولة الإسلام لا أمان ولا سلام لا في العراق ولا في الشام ولا مصر ولا الجزيرة ولا خراسان ولا في الشرق ولا في الغرب، لن نساوم ولن نسالم، لن نفاوض ولن نقايض، فشرع الله لا يُحكّم إلا بالسيف ولا يقوم إلا على الشوكة والقوة".

فسبحان الله! أين الحكمة في هذا الكلام؟ وهل من الحكمة والعقل إعلان الحرب على جميع الدول؟ واستعداؤها، بل والاشتراك في تنفيذ عمليات قتالية فيها؟

بل أين المنهج النبوي في إعلان القتال والتحريض عليه لكل العالم؟ ألم يعلن تنظيم الدولة اقتداءه بدولة المدينة؟ فهل كان من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم مثل ذلك؟ ألم يعمل على تحييد بعض الخصوم؟ وراسلهم، وقبل منهم الهدايا؟

وأي خيرٍ على هذه (الدولة) ومشروعها يُرتجى من هكذا إعلانات؟ وها هي نتيجة ذلك واضحة في العراق..

إن تنظيم (الدولة) ومن يوافقه في المنهج إنما أُتي في هذه المسألة وشبهها من المسائل من الحكم باللازم.. فبنوا عليها مسائل وأحكام، واتهامات وتصنيفات.. وهي مسألة في غاية الخطورة، تصل إلى حد الاتهام بالكفر والعمالة..

وكأمثلة سريعة في هذا المقام:

 - قال أبو عمر البغدادي  في كلمته (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء) في حديثه عن بعض الجماعات الجهادية في العراق: "وإمعانًا بالخيانة أسقطوا معلومًا من الدين بالضرورة ألا وهو جهاد الطلب، فقالوا في برنامجهم السياسي المشؤوم: إنَّ من أهدافهم إقامة علاقات حسنة مع دول العالم مبنية على المصالح المشتركة" انتهى .

فيالله! رمي بالخيانة، بل والكفر لإنكار معلوم من الدين بالضرورة، واتهامٌ بتعطيل جهاد الطلب.. فأين في مقولة (إقامة علاقات حسنة معدول العالم مبنية على المصالح المشتركة) إسقاطٌ لجهاد الطلب؟ ألا يجوز للدولة المسلمة أن تعقد اتفاقيات هدنة؟ أليس هناك فرق بين حالات السلم وحالات الحرب؟ ألا يدخل هذا في معنى قوله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها}، وخاصة وقت الضعف والقلة، كما نصَّ على ذلك أهل العلم في تفاصيل تنظر في مظانها من كتب أهل العلم..

بل أليس هناك مراعاة للمآلات والعواقب من هذه التصريحات؟

وأين في الشرع أو العقل إعلان الحرب على جميع دول العالم وجيوشها أثناء مدافعة الصائل وقتال المحتل؟

-  وقال أبو محمد العدناني في كلمته (فذرهم وما يفترون): "أو ما علم القاصي والداني أننا لم نتصالح مع أيٍ من الحكومات، علاوة على أن ننفذ لهم أجندات".

فهل المفاوضات مع دول العالم خيانة؟ وهل مجرد الجلوس مع الكفار أو الأعداء رضى بالطاغوت؟ ألم يجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مع اليهود والمشركين؟ ويتفاوض معهم؟ ويوقع الاتفاقيات معهم؟ بل تنازل لهم في بعض المواطن، كما في صلح الحديبية، وكما كاد أن يصالح غطفان على ثلث ثمار المدينة في غزوة الخندق؟

وفعل صحابته بعده مثل ذلك؟ ومن بعدهم من أئمة العلم وحكام المسلمين؟ بل إن أهل العلم بحثوا في مسائل غاية في الدقة كمصالحة الكفار على مالٍ يدفعه المسلمون، وغير لك؟

بل ألم تجلس طالبان في الوقت الحالي مع المحتل الأمريكي وتتفاوض؟

إنَّ الذي يُفرِّق بين مفاوضات جائزة وأخرى محرمة: طبيعة الأمور المتفق عليها، وأهدافها، بالإضافة لعوامل أخرى عديدة، أما إغلاق الباب بالكلية، والحكم على المخالف بالخيانة والعمالة بمجرد هذا الفعل، فليس عليه دليل شرعي ولا عقلي.

ومن الواضح أنَّ هذا الموقف من إعلان التحدي والاستعداء أساسه مفهوم خاطئ للاستعلان بالتوحيد والبراءة من الشرك وأهله، والأخذ بسنن الله في مجابهة الأعداء، قال أبو محمد العدناني في كلمته (فذرهم وما يفترون): "سبحان الله، ما الذي جعل نوحًا يتحدى قومه هذا التحدي المثير، ويغري بنفسه خصومه وحلفائهم وأنصارهم وآلهتهم؟ ما الذي جعل نوحًا يثق هذا الوثوق؟ ما الذي كان معه من قوة وعدة واتباع؟ إنه سلاح ابراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، وسلاح أتباعهم، سلاح نبينا صلى الله عليه وسلم، سلاح أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله تعالى عنهم، وهذا هو سلاح الدولة الإسلامية وسر وجودها واستمرارها، ومنه تنبع قوتها وعن طريقه يأتي مددها، نعم مالها من دون الإيمان من قوة ولا عدة، وما عندها من غيره أجندة!" انتهى.

وهذا فهم ليس عليه دليل شرعي، ولا قول أهل العلم.

 

2. مشروع دولة عالمية!

قال أبو حمزة المهاجر في كلمته (إن الحكم إلا لله): "لسنا أبناء سايكس – بيكو! نحن أبناء محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم الذي ابتدأ دولته المباركة في تلك البقعة الطاهرة طيبه القابعة في قلب الصحراء، حيث لا مورد ولا ماء إلا ما يجود به عليهم رب الأرض والسماء، فهل كان يسعى صلى الله عليه وسلم إلى لتقسيم وتفتيت جزيرة العرب حينما أعلن دولته بالمدينة وحارب أهله بمكة؟".

كما قال في كلمته (الدولـة النبويـة): "قد انطبع عند كثير منا أن مفهوم الدولة الإسلامية هو نفس مفهوم الدولة الطاغوتية التي رسمها سايكس بيكو دولة صدام والأسد واللامبارك".

بينما قال أبو محمد العدناني في كلمته (فذرهم وما يفترون):

"ثانيا: أن إقرار ولاية مكانية لا تفصلها عن أرض الواقع إلا حدود سايكس وبيكو التي فرضت على أمتنا تكريس لتلك الحدود المشؤومة التي مزقت جسد الأمة إن هذا الرسم الجغرافي هو بمثابة شرع منزل ... والإسلام أتى للدعوة والانتشار ... ولقد كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يحركون الجيش والقادة بين العراق والشام ولا فرق بين الجيشين ، وهذا ما نفعله الآن من تحريك قطاعاتنا و قاداتنا وعدم التفريق بيننا (!) ... " .

ومما سبق يتَّضح: أنَّ تنظيم (الدولة) يعتقد أنَّ قيام حكومة في أي من الدول الإسلامية على وضعها حالي هو: رضى بسايكس بيكو، والذي هو رضى بالطاغوت، وتبديل للشرع المنزل من عند الله تعالى!

وفي هذا التصوُّر أخطاء وخلط.. وحكم باللازم..

فمع رفضنا للتقسيمات سايكس-بيكو وما بُني عليها من مسائل عديدة، إلا أنَّ إقامة الدولة ضمن هذه الحدود ليست من باب الرضى بالطاغوت، ولا تبديل للشرع، الذي هو كفر وردَّة عن الدين! بل هي من مسائل  التعامل مع الواقع الموجود، ولا يلزم منها الرضا به.. ولا يلزم التعامل مع المحرم الرضا به..

أما عالمية الإسلام وانتشاره: فلا علاقة لها بمثل هذه الأمور.. فمازال الإسلام ينتشر ويدخل البدان حتى مع توقف الجهاد وضعف المسلمين!

 

3. إقامة الدولة دون أي تدرج أو مرحلية:

يقول أبو محمد العدناني في كلمته (السلمية دين من؟): "لن نرضى بنظامٍ أو دولةٍ لا تحكِّم شرع الله، ولو كان الدين تسعًا وتسعين بالمئة لله فلن نرضى ولن نقنع، ولنسعِّرنّ القتال ولنقاتلنّ جيوش الأرض حتى يكون الدين مئةً بالمئة كله لله في جميع أرض الله، ولتجتمع علينا أمم الأرض قاطبة ..".

فبغض النظر عن تفسير تنظيم (الدولة) لمعنى أن يكون الدين لله، والذي يظهر جليًا أنَّ بينه وبين تفسير بقية المسلمين اختلافات كبيرة، فإنَّ التنظيم يطرح فكرة غير واقعية، ولا ممكنة التنفيذ، ألا وهي أن تكون الدولة –بكل ملامحها السابقة- تطبق فيها الأحكام الشرعية مئة بالمئة ومن أول يوم!

ثم إن لم يمكن تطبيق هذه الأحكام فيكون إعلان الحرب والقتال لجميع (جيوش الأرض)!

فما حكم هذا الكلام شرعًا؟ وهل يمكن لأي قوة كبيرةٍ مهما بلغت أن تعلن الحرب ضد العالم؟

وهل هذا كان منهج الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته وأهل العلم من بعدهم طوال القرون السابقة؟

إنَّ التدرُّج في تطبيق الأحكام الشرعية أمر مشروعٌ معلوم،  ذكره أهل العلم وسار عليه حكامهم منذ القدم، قالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لأَبِيهِ عُمَرَ : مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُنْفِذَ لِرَأْيِكَ فِي هَذَا الأَمْرِ ؟ فَوَاللَّهِ مَا كُنْتُ أُبَالِي أَنْ تَغْلِي بِي وَبِكَ الْقُدُورُ فِي إِنْفَاذِ هَذَا الأَمْرِ ، فَقَالَ عُمَرُ : "إِنِّي أَرُوضُ النَّاسَ رِيَاضَةَ الصَّعْبِ ، فَإِنْ أَبْقَانِي اللَّهُ مَضَيْتُ لِرَأْيِي ، وَإِنْ عُجِّلَتْ عَلَيَّ مَنِيَّةٌ فَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ نِيَّتِي ، إِنِّي أَخَافُ إِنْ بَادَهْتُ النَّاسَ بِالَّتِي تَقُولُ أَنْ يُلْجِئُونِي إِلَى السَّيْفِ ، وَلا خَيْرَ فِي خَيْرٍ لا يَجِيءُ إِلا بِالسَّيْف"..

 

4. إما إقامة الدولة كما يرونها أو الفناء!

قال أبو محمد العدناني في كلمته (لـن يضرّوكم الاّ أذىً): "ولتعلموا أن بينكم وبين دولة لا تحكم بشرع الله في الشام : بحار من الدماء وجبال من الجماجم والأشلاء ، ولن تحلموا بأمن ولا أمان ، وإنا لكم إن شاء الله بالمرصاد حتى يحكم الله بيننا ، فإما أن ينعم المسلمون في العراق والشام بعدل الشريعة ورحمة الإسلام ، وإما أن نُباد عن بكرتنا ، وهيهات هيهات".

إذًا فإنَّ العالم –ومعه الجماعات الإسلامية والمجاهدة- أما خيارين: إما الدولة كما يراها تنظيم (الدولة)، أو جر المنطقة والعالم إلى حرب شعواء حتى الإبادة! والسؤال: أين ستجري هذه الحرب، ومن هم وقودها؟ وما نتائجها؟

بل أين ما يجيز هذا التصرف في شرع الله تعالى، وأقوال أهل العلم؟

إنَّ النتيجة الحتمية لهذا المنهج: فشل هذا المشروع، ونزول المصائب بالأمة الإسلامية، وما حدث في العراق خير شاهد..

 

5. مشروع لا يقبل البحث ولا المراجعة ولا النقد!

مع كل الدعوات التي وجهها تنظيم (الدولة) للفصائل الجهادية في العشرات من البيانات والتصريحات للانضواء تحت راية (الدولة)، وأنَّ مشروع هذه الدولة هو مشروع الأمة، وهو مستقبلها الذي لن تنجو إلا به، يظهر هذا الطرح:

قال أبو حمزة المهاجر في (اللقاء الصوتي الأول): "يا عباد الله هذا مشروعكم ومشروع الأمة وليس حكراً علينا، ولقد تخلينا عن أسماء جماعاتنا وتركنا إمارتها لصالح هذا المشروع الكبير، وقلنا للجميع: إنَّ قلوبنا مفتوحة لكل نقد وتعديل يخص هذا المشروع، فقط لا يمكن الرجوع عن أمرين: الدولة وأميرها، لأنَّا اجتهدنا ونحسب فيهما الخير والبركة والفلاح" انتهى.

ويظهر السبب في عدم المراجعة أو التخلي عن هذه المشروع في قول أبي عمر البغدادي  (حصاد السنين بدولة الموحدين): "إننا حين أعلنا دولة الإسلام وأنها دولة هجرة وجهاد لم نكن نكذب علي الله ولا علي الناس ولم نكن نتكلم عن أضغاث أحلام لكنا بفضل الله تعالى الأقدر على فهم سنة الله في هذا الجهاد – هذا الفهم منشأه دماء المجاهدين من مهاجرين وأنصار بعد معايرة أخلاقهم ومنهجهم" انتهى.

إذًا، مع مطالبة الأمة جمعاء بالدخول تحت هذا المشروع، وأنَّه مشروعها المستقبلي، ومع غياب عامة أهل الحل والعقد والعلم في بلدان العالم الإسلامي عن إعلان هذه (الدولة) وأميرها وما يتعلق بها، لا سبيل لإدخال تغييرات على بُنيتها، ولا نظرتها للأمور، ولا الأحكام التي تصدرها، ولا اختيار الحاكم فيها.. فهل هذ دعوة للتوحد، أم دعوةٌ للتسليم المطلق؟ وأين هذا في شرع الله؟

وكيف لمجموعةٍ قليلة من الأشخاص مهما كانت صفتهم العلمية أو الشرعية أو العسكرية أن تفرضَ على الأمة جمعاء، بل العالم كله رؤيتها السياسية والشرعية، بزعم أنها (الأقدر على فهم سنة الله في هذا الجهاد) دون جميع الناس؟

وأين هذا في شرع الله أو أقوال أهل العلم؟ وأين أهل الحل والعقد؟

 

* * *

بل حتى ما يظنه البعض تراجعًا أو قبولاً بالتنازل في هذا المشروع لا يبدو كذلك!

قال أبو حمزة المهاجر في (الّلقاء الصّوتي الثّاني): "كلمتي إلى الذين يظنون أنّنا على الحق ونقاتل لتكون كلمة الله هي العليا ... فإن كان يمنعكم من الجماعة ووحدة الصف أخطاءٌ تظنّونها فينا فنحن لم ندّع ِ أبداً العصمة، وإننا اليوم وغداً نعترف أن هناك أخطاء، بل ولن تنتهي كلّ الأخطاء، ولكن والله إننا نحسب أنفسنا لم نتعمَّد أبدا الأمر بخطأ ولا نرضى عليهِ، وإن حدثَ نسارعُ في إصلاحه، وإن علمنا نأخذ على أصحابه، ولكم علينا إن جئتم إلينا أن نمكّنكم من إصلاحِ ما نتفقُ على أنّه خطأ على وفق شرع الله، فإن لم نفعل فأنتم في حلٍ من أي اتفاق، وإن كان يمنعكم من الوحدة أنَّ الناس رمتنا عن قوس واحدة، وأن رايتنا هدفٌ لكل طاغوت و جبّار فهذا هو عين ما أمركم بهِ الشّرع وجعله سببا لنصرتنا والوحدةِ معنا".

فما معنى عدم ادعاء العصمة بنص الكلمة، وقولها بعبارات أخرى؟

وما معنى قبول النقد من الآخرين وإصلاح الأخطاء بشرط الدخول تحت قيادة التنظيم؟

وما الأخطاء التي يمكن قبول النظر فيها إن كانت المحاكم التي سيتحاكمون لها هي محاكم (الدولة)، وإن كان اختيار الأمير، وإعلان الدولة وما يتعلق بها لا يقبل النقد ولا المراجعة؟

بل ما صحة عبارة (فإن لم نفعل فأنتم في حلٍ من أي اتفاق) مع ما سيأتي في الفقرة التالية وفي مقالات قادمة من تعامل مع المخالفين؟

 

* * *

المسألة الرابعة: من الذي يقيم الدولة؟

إنَّ إقامة الدولة واختيار الحاكم من أهم الأعمال التي يقوم بها المجتمع المسلم، وقد تكلم أهل العلم في هذه المسألة، وضوابطها، ومن يقوم بها، ولا مجال لتفصيلها في هذا المختصر... فما الذي قرَّره تنظيم (الدولة) ؟

يتَّضح من خلال كلمات وبيانات تنظيم (الدولة) أنَّهم لا يعتبرون في ذلك إلا بقول من كان في تنظيمهم، دون استشارةٍ لأحدٍ من خارجه، بالغًا ما بلغ:

قال محارب الجبوري في كلمته (الإِعْلانُ عَنْ قِيَامِ دَوْلَةِ العِرَاقِ الإِسْلامِيَّةِ): "يزف إليكم إخوانكم في حلف المطيبين بشرى إنشاء وإقامة دولة العراق الإسلامية في بغداد والأنبار وديالى وكركوك وصلاح الدين ونينوى وأجزاء من محافظة بابل وواسط".

وحلف المطيبين جزء من الفصائل العسكرية، ولا تشمل: بقية الفصائل المجاهدة، ولا عامة أهل العلم في العراق، ولا عامة أهل الحل والعقد، ولا عامة الناس من أهل السنة! فضلا عن بقية المسلمين في بلدان العالم الإسلامي الذي يفترض أن تتمدَّد الدولة له مستقبلاً..

وقد عارضهم في هذا الإعلان عامة أهل العلم لاعتبارات عديدة ليس هذا مجال بسطها.

وقد صوَّر تنظيم (الدولة) أنَّ من كان مع إعلان الدولة هم الغالبية في العراق، فقد ذكر أبو حمزة المهاجر في اللقاء (الصوتي الثاني): "الأسابيع الأولى لإعلان الدولة كان يلحق بجيش الدولة في الأسبوع الواحد نحو ألف مقاتل، حتى استوعبنا بحمد الله أكثر من 80% من المجاهدين على الأرض...

 لقد كنا صادقين أن أكثر من 70% من شيوخ عشائر أهل السنة بايع الدولة الإسلامية وأميرها...".

وتبقى هذه الأرقام مفتقرةً لتأكيد من مصدر آخر، إذ هي ادعاءات لم يُصدقها مصدر مستقل، وواقع الجماعات الجهادية لا يُصدقها، صحيح أن تنظيم (الدولة) كان في العراق من أكبر التنظيمات العاملة على الأرض، لكن هذه الإحصائيات غير ثابتة، فهناك العديد من التنظيمات المسلحة الأخرى، كما أنَّ الجهاد العراقي كان في جزء كبيرٍ منه جهادًا شعبيًا ضد الاحتلال لا ينتمي في جزء منه لأي تنظيم.

ولو كانت الأغلبية تابعةً لتنظيم (الدولة) في الجانب العسكري، فإنَّ إقامة الدولة لا تكون على يد الفصائل الجهادية فحسب، بل يكون ذلك بعموم أهل الحل والعقد، والذين هم  هم أهل الشأن من العلماء والقادة ووجوه الناس، كما قرَّره أهل العلم، وهو ما لم يكن في هذا الإعلان.

فضلاً أنَّ كلام أبي حمزة السابق هو انضمام هؤلاء بعد إعلان (الدولة)، وليس من قامت على أيديهم، وفرق كبير بينهما، فتنبَّه!

أمَّا إعلان تمدد (الدولة) إلى الشام فهو أشدُّ عجبًا وغرابة! فتنظيم (الدولة) في سوريا ليس هو أكبر الفصائل، ولا أكثرها عددًا وعدة، ولا أوسعها انتشارًا، وغالبية أهل العلم والفضل وقادة الجهاد وأفرادهم في الفصائل الأخرى، ومع ذلك أعلنوا (ضم الشام!) كلها لدولتهم، ثم قاموا بتسمية المقرات التي يسيطرون عليها بـ (ولايات).. فمن الذي قرَّر تمددها؟

يقول أبو بكر البغدادي في كلمته (وبشر المؤمنين): "وقد عقدنا العزم بعد استخارة الله تعالى واستشارة من نثق بدينهم وحكمتهم على المضي بمسيرة الرقي بالجماعة متجاوزين كل ما سيقال، فإن رضا الله فوق كل شيء، وإن أصابنا ما أصابنا لأجل ذلك، فنعلن متوكلين على الله إلغاء اسم (دولة العراق الإسلامية) وإلغاء اسم (جبهة النصرة) وجمعهم تحت اسم واحد (الدولة الإسلامية في العراق والشام)".

فالشورى هنا لا تشمل إلا تنظيم (الدولة)، ويسقط منها كل الفصائل الأخرى، وأهل العلم، ووجوه الناس وفضلاؤهم، كما هو منهج أهل السنة والجماعة.

بل إنَّ تنظيم (الدولة) رفض مشورة وحكم من هم على منهجه من قيادات (الجهاد العالمي) كالظواهري، والعديد من قياداته في بلدان العالم الإسلامي، بل ورفض عدد كبير ممن هم من مجلس شورى (الدولة) نفسها وهم قادة جبهة النصرة، يقول أبو بكر البغدادي في كلمته (باقية في العراق والشام): "أما الرِسالةُ التي نُسِبَت إلى الشَيخ أيـمَـن الـظـواهـِري حَفِظهُ الله، فإن لَنا عَليها مؤاخَذاتٍ شَرعية ومَنهَجيةٍ عَديدة، وقَد خُيّرَ العَبدُ الفَقير بَينَ أمرِ رَبه المـُستَفيض، وبينَ الأمر المـُخالِف لأمر الله تَعالى، وبَعد مُشاورة مَجلِس شُورى الدَولة الاسلاميةِ في العِراق والشام مِن مُهاجِرين وأنصار، ومِن ثَمّ إحالة الأمر إلى الهَيئة الشَرعية اخترتُ أمر رَبي عَلى الأمر المخالِف له..."انتهى.

فهل يعتقد تنظيم (الدولة) أن عامة من هم في سوريا من أهل العلم والجهاد ليسوا من أهل الحل والعقد؟ ولماذا؟

يأتي الجواب سريعًا على لسان أبي محمد العدناني في كلمته (لن يضروكم إلا أذى): "ومما نُتَّهَمُ به ويُفترى علينا: أننا أعلنّا الدولة الإسلامية قبل أوانها، وافتأتنا على الأمة، ولم نشاورها، وأعلنّا دولة لا نملك مقوماتها، إلى آخر هذه القائمة من التهم...ثم ما كان لنا أن نشاور مِن الفصائل مَن يخالفنا المنهج والمشروع، ويعمل ضدنا في الخفاء والعلن، أو مَن يجتمع متآمراً مع المخابرات علينا، بل ويوقّع على قتالنا .." انتهى.

هكذا بكل صراحة! إهدارٌ لعامة أهل العلم والجهاد بجرة قلم! ولماذا؟ لتهم دون إثباتها خرط القتاد!

وليس هذا مجرد إعلان دولة خاصة بهم، بل الدولة الإسلامية التي يجب على الجميع الانضمام لها!

وبقي أن نعرف أنَّ التآمر هنا والخيانة لها مقياس آخر عند تنظيم (الدولة) لعلنا نلقي عليه الضوء في مقال آخر بمشيئة الله تعالى.

 

* * *

المسألة الخامسة: مكانة الدولة الإسلامية المعلنة عند تنظيم (الدولة):

يظهر في هذه المسألة النقاط التالية:

1. الحكم بما أنزل الله يتحقق بالانضمام لتنظيم (الدولة):

قال أبو محمد العدناني في كلمته (إنَّ دولة الإسلام باقية): "أخاطب أهلنا وعشائرنا في أرض الرافدين ... أخاطبكم بقلبٍ جريحٍ من وقوف بعضكم ضد مشروع الدولة، ضد الحكم بما أنزل الله، ومن تخلي بعضكم عنه بعدما كان يؤيده ويناصره".

إذا الوقوف ضد الدولة هو وقوف ضد الحكم بما أنزل الله.. سبحان الله! لم هذا التلازم؟ أليست الساحة مليئة بالجماعات الجهادية التي ترفع راية الحكم بما أنزل الله؟ بل والهيئات الشرعية؟ فلم احتكار الحكم بما أنزل الله، وتحجيمه في تنظيم (الدولة) فقط؟ وهل من أهل السنة ادعاء أن الجماعة الفلانية هي التي تقوم وحدها بالحق أو الحكم بما أنزل الله بالشكل الصحيح؟

نعم إن وقف بعض الأهالي أو الصحوات مع المحتل الصليبي أو الرافضي فهذه خيانة تستلزم دعوتهم للحق، وهو موجود عند بقية الفصائل والتشكيلات الجهادية، ولا ينحصر في (الدولة).

 وقال في كلمته (لن يضروكم إلا أذى): "ومن هنا .. نتوجه إلى جميع الفصائل المسلمة المجاهدة الساعية لتحكيم شرع الله، إلى كل المجاهدين الصادقين المخلصين العاملين لله: ندعوكم قادة وجنوداً، جماعات وأفراداً: أن تسرعوا بالالتحاق بمشروع الدولة الإسلامية في العراق والشام ...".

أي أن التحاكم لشرع الله غير موجود عندكم أيها الجماعات، أو غير كامل، فإن أردتم الحكم الصحيح فتعالوا إلى تنظيمنا.. فأين هذا في منهج أهل السنة حصر الحق واحتكاره في جهة أو تنظيم أو جماعة؟ أليس الصحيح دعوتهم إلى منهج معين، وأمور شرعية إن التزموا بها كانوا متحاكمين للشرع؟

ثم: لنفترض أنَّ اجتهاد تنظيم (الدولة) في إعلان الدولة، ومبايعة أمير لها أمر صحيح شرعًا، فما الترابط بين ذلك وبين الحكم بما أنزل الله؟ هل يُفهم مما سبق أنَّ هذه الاجتهادات لها حكم التحاكم للشرع نفسه؟ أم المقصود بها جملة الرؤى والأفكار التي يراها تنظيم (الدولة)؟ وعلى كلا الفرضين فلا تلازم بينهما وبين مسألة الحكم بما أنزل الله، إذ هما مسألتان مختلفتان تمامًا. فتنبَّه!

ومثلها كلمة أبي حمزة المهاجر في كلمته (إِنِ الحُكْمُ إِلَّا للهِ): "إخواننا المجاهدين الأكارم أصحاب المنهج والخلق والعمل لقد أذقتم الكافر الأهوال ومرغتم أنفه بالأوحال ... ألستم خرجتم للذي خرجنا لأجله!؟ ... ألستم تهرقون دمائكم لإقامة دولة الإسلام في الأرض... فإن إخوانكم يدعون الله أن يحفظكم، وأن تبشروهم باليوم الذي تعلنون فيه ما عودتموهم عليه من صفاء المنهج ووضوح الهدف، فتباركون دولة العراق الإسلامية وتبايعون الشريف أميرًا...".

 

2. التحاكم للشرع يتحقق بالتحاكم لمحاكم (الدولة):

قال أبو عمر البغدادي في كلمته (قل إني على بينة من ربي): "خامسًا: نرى وجوب التحاكم إلى شرع الله من خلال الترافع إلى المحاكم الشرعية في الدولة الإسلامية، والبحث عنها في حالةعدم العلم بها..".

مع أنَّ العراق حينها كان يعج بالهيئات الشرعية التابعة للفصائل الجهادية الأخرى، بل والمستقلة، فإن كان الهدف إقامة شرع الله، فلم لا تكون الدعوة لتوحيد المحاكم الشرعية، أو التنسيق بينها، أو إنشاء محاكم مستقلة لحل النزاعات التي تحصل بين الكتائب على الأقل؟

وفي سوريا.. بعد الأحداث الدامية التي حصلت بين تنظيم (الدولة) وبين بقية التنظيمات الجهادية، فتداعى عددٌ من أهل العلم والفضل من المقربين لتنظيم (الدولة) للمطالبة بإنشاء محاكم مستقلة، فجاء الرد من العدناني في كلمته الأخيرة (الرائد لا يكذب أهله) بقوله: "رابعًا: إن الدولة الإسلامية في العراق والشام، تفتح أبواب التجنيد لكل مسلم يبغي الجهاد في سبيل الله، مِن المهاجرين والأنصار، فهلمّوا يا شباب الإسلام في كل مكان، ونخصّ أهل الكفاءات في كل المجالات، ونخصص منهم القضاة، فهذه محاكم الدولة الإسلامية مفتوحة، فَمَن كان أهلاً للقضاء: فليأتِ إلى تلك المحاكم، فيرجع الحقوق ويردّ المظالم، ويحكم بما أنزل الله، بلا مواربة أو محاباة".

وكلمة العدناني هذه تدل على حصر التحاكم لمحاكمها الشرعية، وتجاهل محاكم الآخرين ومطالباتهم لا علاقة له بحجم تنظيم (الدولة) ولا قوته، ولا أي اعتبار آخر، إلا اعتبار احتكار الحق! وهو بهذا يرى أنَّ تنظيمه الوحيد المخول بالحديث باسم الشرع وتفسيره وتطبيقه في سوريا!

ألا يدل ذلك على أنَّ التنظيم لا يرى لغيره مشروعية؟ وأنَّ  كل تلك الفصائل لا تحكم بالشرع؟ ولا يُعتدُّ بمحاكمها الشرعية؟ ولا بأحكامها؟ وتعدُّ أحكامها أحكامًا وضعية؟ وبالتالي تبديل لشرع الله؟

وهو ما يظهر في كلمة أبي عمر البغدادي (قل إني على بينة من ربي): "الرابع عشر : كل جماعة أو شخص يعقد اتفاقية مع المحتل الغازي فإنها لاتلزمنا في شيء ، بل هي باطلة مردودة ، وعليه نحذر المحتل من عقد أياتفاقات سرية أو علنية بغير إذن دولة الإسلام".

فبأي حقٍ إلغاء هذه الاتفاقيات ورفضها؟ وحصر الموافقة عليها بتنظيم (الدولة) فحسب؟

أليست ذِمَّة المسلمين واحدة كما هو مُقرَّرٌ عند أهل العلم؟

 

بل إنَّ تنظيم الدولة لديه تصورٌ فريد عن الحكم بما أنزل الله، يقال أبو حمزة المهاجر في (اللقاء الصوتي الأول): "وإذا كنا قادرين على إقامة حكم الله في أرضه ساعة من نهار بلا مفسدة راجحة بل بمصالح راجحة ألا يكون ذلك واجباً علينا؟ فكيف إذا أمكن ذلك لأيام وشهور وسنين كما هي الحال في الدولة الإسلامية في العراق؟".

إذًا يكفي لإقامة شرع الله مجرد إقامتها لساعة أو أيام!

وهذا فهم غير صحيح لمعنى إقامة شرع الله، بل فهم غير صحيح لمعنى القدرة والاستطاعة، وهو ما يحتاج لإفراد في مقال مستقل..

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في منهاج السنة: "فالشارع لا ينظر في الاستطاعة الشرعية إلى مجرد إمكان الفعل، بل ينظر إلى لوازم ذلك، فإذا كان الفعل ممكنا مع المفسدة الراجحة لم تكن هذه استطاعة شرعية، كالذي يقدر أن يحج مع ضرر يلحقه في بدنه أو ماله، أو يصلي قائما مع زيادة مرضه، أو يصوم الشهرين مع انقطاعه عن معيشته، ونحو ذلك".

والمصلحة والمفسدة لا ينفرد فصيل عسكري بإقرارها نيابة عن الأمة بأكملها!

فضلاً عن المقصود بشرع الله هنا، والذي يتضمن فيما يتضمن إعلان العداء والمحاربة لجميع جيوش الأرض!

 

* * *

3. إدعاء صحة المنهج:

ظهر كثيرًا في كلام قادة تنظيم (الدولة) وصف تنظيم (الدولة) بأنَّه الطائفة التي تتبع الحق، ومن ذلك:

قال أبو عمـر البـغدادي في كلمته (وَعدُ الله): "ونعلمُ يقيناً من ديننا وعقيدتنا أنَّ معالم هذا النصر أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، وأن تقام حدوده في أرضه وتكون شريعته كلها بين عباده بلا اجتزاء أو انتقاص، وهذا ما رأيناه بحمد الله ونعمته في دولة الإسلام ببلاد الرافدين... كما أننا أيها الصهاينة على يقين بقهركم وخسرانكم العاجل لأنني أحسبُ أنَّ الذين يقاتلون المحتل في دولة العراق الإسلامية هم أولياءُ الله في أرضه القائمين بفرض الزمان على قلةٍ وخذلان المتبعين لشريعة الرحمن...قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيح: "إن الله قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب...".

فجنود تنظيم (الدولة) هم القائمون بحدود الله دون سواهم، لذا فإنَّهم منصورون على أعدائهم، بل إنَّهم هم أولياء الله! فأنى لهم هذا الادعاء؟ وأين في منهج أهل السنة ادعاء الولاية لجماعة أو تنظيم معين؟

وهل يعتقد أعضاء تنظيم (الدولة) أنهم هم الجماعة الوحيدون الثابتون على الحق؟ أنَّهم الطائفة المنصورة الناجية دون بقية المسلمين!

لننظر في الكلمة التالية!

قال أبو عمر البغدادي في كلمته (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ): "أما أنتم يا فرسان التوحيد .. ورهبان الليل .. وأسودَ الشرى .. فجزاكم الله عنا وعن المسلمين كل خير . فلقد عاينت الحروبَ ورجالها .. وأشهدُ بالله .. أشهدُ بالله ، أن أمتي لم تبخلَ علينا في بلاد الرافدين ، بخيرة أبنائها ، وأصدقُ نُجبائها ، فلم ترى عيني مثلهم ، ولا سمعتُ كخبرهم ، إلاّ خبرَ الرعيلِ الأولِ (!).

فأشهدُ أنهم أصدقُ الناسِ لهجة .. وأوفاهم عهدا .. وأكثرهم ثباتا .. وأشدّهم في أمر الله . فلستُ أشكُّ يعلمُ الله ، طرفةَ عين .. أنا نحنُ الجيش الذي يُسلِمُ الراية لعبداللهِ المهديّ .. إن قُتِلَ أولنا .. فسيُسلمها آخرنا .. وبسطُ هذا في غيرِ موضعنا".

وبغض النظر عن هذه الأوصاف التي في إطلاقها نظر شرعي، يأتي القسم على أنَّه ليس مثل جنود التنظيم إلا جيل الصحابة!

والأشد خطورة: ادعاء أنَّ امتداد هذا التنظيم  سيكون مع المهدي؟ فما هذه المجازفة؟ وهل في عقيدة أهل السنة مثل هذا؟ ولا ندري ماذا سيكون في الكلام المبسوط!

بل إنَّ امتداد تنظيم (الدولة) أو من كان على منهجم هو من سيقاتل الدجال، أي يكون مع عيسى عليه السلام!

قال أبو محمد العدناني في كلمة (إنّ دولة الإسلام باقية): "أتظنون أنا سنرحل؟ أتخالون أنا سننتهي؟ أتحسبون أنا سنكل أو نمل؟ كلا إننا باقون بإذن الله إلى قيام الساعة وليقاتلنّ آخرنا الدجال".

 

بل وفتح روما! قال أبو حمزة المهاجر في كلمته (إن الحكم إلا لله): "أيها الموحدون أبشروا، فوالله لن نستريح من جهادنا إلا تحت أشجار الزيتون في رومية بعد أن ننسف البيت الأنجس المسمى بالبيت الأبيض" انتهى.

بل إنَّ تنظيم (الدولة) مقدمة للخلافة الراشدة على منهاج النبوة!

قال أبو محمد العدناني (إنّ دولة الإسلام باقية): "فيا أهلنا أهل السنة، يا عشائرنا عشائر الخير... فتبنوا مشروع الدولة الإسلامية، ... لتعيدوا خلافتكم وتسترجعوا مقدساتكم وخيراتكم، وتعود لكم عزتكم وكرامتكم وسيادتكم التي فقدتموها منذ سقوط الخلافة، ولن تعود لكم حتى تعودوا إلى دينكم وتعيدوا خلافتكم".

ويظهر مما سبق خلطٌ خطيرٌ للغاية، ألا وهو إنزال (الدولة الإسلامية) التي تحكم بشرع الله في تنظيمهم حصرًا، ثم الجزم بصحة منهج التنظيم، وأنَّ هذا التنظيم هو الطائفة التي على الحق!

ألا يؤدي جميع ذلك إلى ادعاء احتكار الحق وصحة المنهج؟ وهو ما يؤدي إلى إلباس (القداسة) و(العصمة) لجميع أقوالهم وقراراتهم حتى الدنيوية منها؟ وينعكس ذلك على مواقفهم من الفصائل الأخرى، بل ومن عموم المخالفين؟

 

4. مشروع (الدولة) ينضم له الأخيار، والالتحاق به تقوى لله!

قال أبو محمد العدناني في كلمته (لن يضروكم إلا أذى): "إلى كل المجاهدين الصادقين المخلصين العاملين لله : ندعوكم قادة وجنوداً ، جماعات وأفراداً : أن تسرعوا بالالتحاق بمشروع الدولة الإسلامية في العراق والشام ، فإن المشروع مشروعكم ، وإن مجيئكم أتقى لربكم وأقوى لجهادكم وأغيظ لعدوكم ، قال الله تعالى : {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} ، هلموا فإنا لا نشك أبداً أنه مَن كان منكم فيه خير : فسيأتي الله به ولو بعد حين".

فالالتحاق بمشروع (الدولة) أتقى للرب! ومن كان فيه خير سيأتي به الله..

إن الشخص لا يكاد يصدق ما يقرؤه من هذا التألّي على الله، والتعالي على الخلق.. ولا حول ولا قوة إلا بالله..

 

وقبل ختام هذه الفقرة يحسن ذكر كلمة عظيمة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث يقول في الفتاوى: "وليس لأحدٍ أن ينصب للأمة شخصاً يدعو إلى طريقته، ويوالي عليها ويعادي غير النبي صلى الله عليه وسلم، وما اجتمعت عليه الأمة، بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصاً أو كلاماً يفرقون به بين الأمة، يوالون علي ذلك الكلام أو تلك النسبة ويعادون.

ولهذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم بإحسان ـ وإن تنازعوا فيما تنازعوا فيه من الأحكام ـ فالعصمة بينهم ثابتة، وهم يردون ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول" انتهى.

 

5. نظرة تنظيم (الدولة) لدولته المعلنة:

حفلت كلمات قادة تنظيم (الدولة) بتضخيم شأن الدولة، وإضفاء هالة من التعظيم عليها، ومن ذلك:

قول أبي عمـر البـغدادي في كلمته (وَعدُ الله): "فأدرك رجالُ الإسلام وفرسانُ الجهاد وعلماؤهم أن الفرصة سانحة لقيام دولة الإسلام في أرضه وتحكيم شريعته، فبادَروا لإعلان دولة العراق الإسلامية، فطار جنونكم واستشاط شيطانكم، فكيف استطاع هؤلاء أن يقيموا للإسلام دولة في عقر دار الإسلام وبوجود جحافل الشر والكفر من كل ملل الأرض ... وارتعدت معكم فرائص أقوام كانوا يحسبون أن ثمرة جهادنا ستقع في أفواههم؟".

 

وقول أبي محمد العدناني في كلمته (الآنَ الآنَ جَاءَ القِتَال): "ولقد هزم المجاهدون أمريكا في العراق يوم أعلنوا قيام دولة الإسلام، وحينها وقفت أمريكا عاجزةً مذهولةً تترنح للسقوط تستصرخ تستنجد، حتى انبرى المرتدون وأراذل الناس لدعمها ومساندتها ونجدتها وإنقاذها..".

 

نعم إنَّ ضربات المجاهدين –بكل فصائلهم- أوقعت بأمريكا شر هزيمةٍ عرفها تاريخها، وأنها قد وصلت إلى مرحلةٍ كادت أن تحيق بها الهزيمة النكراء كاملة، وكان من أهم عوامل إنقاذها: الخونة من أهل السنة..

لكن أن يكون إعلان (الدولة) أصاب أمريكا بالذهول، وجعلها تترنح للسقوط! فهذا من المبالغات التي لا تستقيم، إذ هي لا تعدو سيطرة مسلحيها على مناطق معينة وظهورهم فيها، وليس هذا بدولة!

بل تحفل الكمات والبيانات بالمبالغة في وصف (صرح) هذه الدولة، كمقولة أبي عمر البغدادي  في (حصاد السنين بدولة الموحدين): "إلي أبنائي من جنود الدولة الإسلامية : أيها المجاهدون إياكم أن توقفوا نهرا أجريتموه بدمائكم ،أو تهدموا صرحا رفعتموه بشهاداتكم" انتهى.

 

ويقول في حَصَادُ الخَيْرِ (سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ): "لا تخافوا ولا تخشوا على الجهاد في العراق، وطيبوا نفسًا فقد انكسرت حدة الموجة، وإن بنيانًا شُيد من جماجم الشهداء وعُجن ترابه من دماء الفضلاء لبنيان صدق، هو أشد من الجبال رسوخًا وأعز من النجوم منالًا، وحاشا الكريم الرحمن الرحيم أن تذهب تضحياتهم سدى".

ولعل جميع ما سبق في هذه المسألة هو ما أدى لادعاء البقاء في وصف (الدولة) بقولهم (باقية)، حتى إنَّها أصبحت عَلمًا يكررها أفرادهم بشكل جازم قاطع..  

وعلى الرغم مما في هذا اللفظ من محذورٍ شرعي بإطلاق البقاء على دولتهم، فإنَّها غير صحيحة، لوجود الخلط بين (الدولة) و(المنهج)، والخطأ في فهم النصوص الشرعية..

 فالمنهج الحق باقٍ إلى قيام الساعة، وهو معنى النصوص الشرعية في الطائفة المنصورة والناجية..

أما الدول فإنها لا تبقى، بل تزول، وها هي الدولة النبوية، ودولة الخلفاء الراشدين قد انتهت، لكن منهجهما باقٍ إلى قيام الساعة.. فتنبَّه!

 

* * *

المسألة السادسة: الدليل على صحة المنهج:

إنَّ ما سبق من اجتهادات في إعلان الدولة، ومنهج تنظيم (الدولة) في استنباط مشروعيتها، وما يتعلق بها من أحكام وأمور في غاية الخطورة، تفتقر إلى إثبات صحة المنهج في استنباطها والاستدلال عليها، فما هو الإثبات أو الدليل على ذلك؟ هل هو نص شرعي؟ أم قول عالم؟ أم...

 

هذا ما سيتضح من النقول التالية:

1. بذل الدماء وتقديم الشهداء:

يقول أبو حمزة المهاجر في (الّلقاء الصّوتي الثّاني): "ألا تكفي هذه الدماء التي سالت غزيرة من رجالنا حتى تعرفوا صحة المنهج وصدق التوجه؟ ... أليس إقامة الدين فرض واجب عند القدرة على ذلك ؟ وأليس الواجب على المسلم أن يجتهد في ذلك بحسب وسعه؟ والقدرة والوسع من يحددهما؟ أليس الرجال في الميدان من أهل الحل والعقد؟ وإن لم يكونوا شورى المجاهدين فحلف المطيبين فمن ؟" انتهى.

 

وقال في كلمته (رِسَــــالـَـةٌ إِلـَـــى فـَـــــوَارِسِ بَغْــــــــدَادَ): "تُثبت الأعمال  صدق رجال الدولة وعلى رأسهم دُرة الرأس وقرة العين جنود وأمراء بغداد، فإن وراء كل عملية العشرات من الاستشهاديين يعملون في ظروف بالغة التعقيد" انتهى.

وفي هذا الكلام خلط: إنَّ القوة في القتال وبذل الدماء يدلُّ على عزيمة المقاتل وصدق نيته وإخلاصه فيما يقاتل لأجله.. لكنه –وحده دون أي أمر آخر- لا يدل على صحة قتاله! فكم من مقاتل مخلصٍ في قتاله لكنه منحرف المنهج؟ ألم يكن مقاتلو الحشاشين، ووثنيو اليابانيين من أشد الناس إخلاصًا في قتالهم؟ لكنهم على منهج منحرفٍ غير صحيح..

لذا فإنَّه في منهج أهل السنة لا بد من اجتماع الإخلاص، والمتابعة، حتى يكون العمل صحيحًا. فتنبَّه!

ثم ما علاقة صحة عمل المجاهد وسلامة نيته بصحة اجتهاده في بناء الدولة وبقية الأمور المتعلقة بها؟ إنهما أمران مختلفان بلا ريب!

 

 

- وقال أبو عمر البغدادي في كلمته (حصاد السنين بدولة الموحدين):

"باقيــــــــــــة ..لأنها بنيت من أشلاء الشهداء ورويت بدمائهم وبها انعقد سوق الجنة.

باقيــــــــــــة .. لأن توفيق الله في هذا الجهاد أظهر من الشمس في كبد السماء.

باقيــــــــــــة .. لأنها لم تتلوث بكسب حرام أو منهج مشوه.

باقيــــــــــــة .. بصدق القادة الذين ضحوا بدمائهم – وصدق الجنود الذين أقاموها بسواعدهم نحسبهم والله حسيبهم.

باقيـــــــــــة .. لأنها وحدة المجاهدين ومأوي المستضعفين.

باقيـــــــــــة .. لأن الإسلام بدأ يعلو ويرتفع وبدأت السحابة تنقشع وبدأ الكفر يندحر وينفضح.

باقيــــــــــة .. لأنها دعوة المظلوم ودمعة الثكالى وصرخة الأسارى وأمل اليتامى.

باقيــــــــــة .. لأن الكفر بكل ملله ونحله اجتمع علينا وكل صاحب هوي وبدعة خوان جبان بدأ يلمز ويطعن فيها فتيقنا بصدق الهدف وصحة الطريق.

باقيــــــــــة .. لأننا علي يقين أن الله لن يكسر قلوب الموحدين المستضعفين ولن يشمت فينا القوم الظالمين.

باقيـــــــــة .. لأن الله تعالى وعد في محكم تنزيله فقال {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}النور55 " انتهى.

وفي هذه الكلمات ما لا يخفى من المجازفات والخلط كما سبق التنبيه عليها مراراً.

 

2. محاربة العالم وعداؤه لهم:

قال أبو محمد العدناني في (لن يضروكم إلا أذى): "أجيبوا بالله عليكم : هل المجاهدون الصادقون المخلصون  مَن تتنقل قادتهم وممثلوهم بين العواصم ... أهذا هو منهج الأنبياء ؟ أهؤلاء هم المجاهدون ؟! أم مَن تطاردهم السلطات ، وتلاحقهم جنوداً وأمراء جميعُ المخابرات ، وتُغلق إذا نشرت صحيحَ أخبارهم القنواتُ ، وَيُودَعُ في السجون كل من يؤيدهم ويدعو لهم من العلماء والدعاة ، وتلاحقهم أينما حلوا وتقصفهم وعوائلَهم الطائرات؟! ... هذا هو منهج الأنبياء ومَن تبعهم مِن أصحاب الدعوات ، فأي الناس في العراق والشام اليوم أقرب لهذا المنهج؟" انتهى.

 

وقال في كلمته (إنّ دولة الإسلام باقية) مخاطبًا جنوده: "إنّ من أعظم منن الله عليكم أن أبقاكم إلى هذه الساعة التي عز فيها الناصر وقل الداعم وخان الصاحب وكثر الشاك واللائم، فاشكروا الله على هذه النعمة الجسيمة التي هي في ظاهرها فتنةٌ عظيمة، واحمدوه على هذه المنحة الكريمة التي هي في ظاهرها محنةٌ أليمة" انتهى.

 

وقال أبو حمزة المهاجر في (الّلقاء الصّوتي الثّاني): "وقد علمتم أننا مظلومون ثم إن عداء كل طاغية لنا هو سرّ قوتنا وموضع عزّتنا وعلامة لصدق رايتنا وصفاء منهجنا" انتهى.

 

وسبحان الله! أين في الإسلام أنَّ مُجرَّد العداء والمطاردة والسجن و.. إلخ تدلُّ على صحة المنهج؟ ألم يُعتقل ويُعذَّب ويُطارد ويُنفى بل ويُقتل عدد من أهل الانحراف بل والكفر من الأحزاب والأفراد في البلاد الإسلامية لسبب أو آخر؟

بل ألا يدل هذا العداء والمطاردة في بعض الأحيان على عدم الحكمة في التصرفات، كما سبق من أقوالهم؟

نعم إنَّ هذه سنة الله في عباده الصالحين، لكنها ليست لازمةً لكل أحد، ولا تعني افتعال العداء وعدم اتباع الحكمة في التعامل لاستجلاب انطباق هذه الأوصاف!

 

* * *

المسالة السابعة: نظرة هذا المشروع للمشاريع المنافسة:

من المعلوم أنَّ للفصائل المجاهدة وبقية الجماعات الإسلامية اجتهادات في نظرتهم لمشروع الدولة الإسلامية، ليس هذا مجال نقدها، فكيف ينظر تنظيم (الدولة) لهذه المشاريع؟

يقول أبو محمد العدناني في كلمته (لـن يضرّوكم الاّ أذىً): "إن مشروعنا هذا يقابله مشروعان ، الأول : مشروع دولة مدنية ديمقراطية ، مشروع علماني تدعمه جميع ملل الكفر قاطبة على تضارب مصالحها واختلاف مناهجها ، ليس حبّاً بأهل العراق ولا رأفة بأهل الشام ، وإنما خوفاً من إعادة سلطان الله إلى أرضه وإقامة الخلافة الإسلامية..

وأما المشروع الثاني ، فمشروع دولة محلية وطنية تسمى إسلامية ، تدعمها أموال وفتاوى علماء آل سلول وحكومات الخليج ، وتهندسُ مشروعَها المخابراتُ ... إن هذا المشروع ظاهرُه : إسلامي ، وحقيقته : مشروع دولة وطنية ، تخضع للطواغيت في الغرب وتتبع لهم في الشرق ، يهدف لحرف مسار الجهاد وتوجيه ضربة له في الصميم .

ولقد تورط في هذا المشروع فصائل تسعى لإقامة دولة إسلامية ، إلا أن قادتها انحرفوا عن منهج النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد ...".

 

ثم يقول: "وإن الدولة الإسلامية في العراق والشام تواجه على هذا الصعيد أشرس الحروب ، إذ إن لها في هذا المضمار ثلاثة خصوم ، الكفار بجميع أبواقهم ووسائل إعلامهم، والمرتدون من بني جلدتنا بكل أطيافهم وعلماء سوئهم، وأهل الأهواء وأرباب البدع وأصحاب المناهج المنحرفة من المسلمين ... بل وحتى من بعض مَن يُحسَب على المجاهدين".

إذًا هكذا بكل بساطة تخوين لجميع المخالفين، والحكم عليهم بفساد مشاريعهم، بل خيانتها –على أقل الاحتمالات- وارتباطها بالمشاريع الغربية التآمرية. مع تزكية للنفس في مقابل ذلك!

وقد كرر مثلها العدناني في كلمته الأخيرة (والرائد لا يكذب أهله)!

علمًا أنَّ المقصود بالدولة الوطنية: الدولة التي تُقام حسب الحدود الحالية، ومعنى الخضوع للطواغيت والغرب: عدم إعلان الحرب عليهم، ومجرد اللقاء بمندوبيهم أو إجراء المفاوضات معهم، مهما كانت النتيجة!

 

بل انظر لهذه العبارات التي قالها أبو محمد العدناني في كلمته (لن يضروكم إلا أذى): "ونقول لمن يزعم أن الدولة ليس عندها مشروع سياسي : أَعَمِيت عيناك عن مشروع الدولة مشروع المجاهدين ... وأبصرت مشاريع المنحطين والسفلة والعملاء في فنادق تركيا وقطر ولياليها الحمراء ؟

أتصغي أذناك لمشاريع وطنية علمانية وقومية ... وتُصَمُّ لمشروع الدولة الإسلامية ؟

عجباً كل العجب ! عجباً ممن لا يستهجن ... بل يشجع ويصفق لإعلان حكومة ممسوخة ، تتسكع في فنادق الغرب والشرق بأحضان المخابرات ، لا يجرؤ فرد منها على دخول الشام ... ويستنكر إعلان المجاهدين عن تمدد الدولة الإسلامية إلى الشام".

والحديث هنا ليس عن أصحاب المشاريع المشبوهة والعميلة فحسب، بل يشمل كذلك أصحاب المشاريع المنافسة للفصائل الأخرى كما كرَّ سابقًا!

وأما الأدلة على هذه الاتهامات: فهي مجرد تفسيرات أو استنتاجات، أو إلزامات.. وسيأتي مزيد تفصيل لهذه النقطة في مقال قادم بإذن الله تعالى.

 

* * *

أخطاء وخلط..

بعد الاستعراض السابق يتَّضح أنَّ في تصوُّر تنظيم (الدولة) للدولة الإسلامية التي أعلنوها أخطاء كبيرة منهجية:

1- الخلط بين إقامة الدين وبين إعلان الدولة.

2- الخلط بين مفهوم الجماعة المقاتلة ومفهوم الدولة القائمة على جميع مكونات المجتمع ومؤسساته.

3- عدم الأخذ بأي سنة من سنن الله تعالى في بناء الدول.

4- الخلل الكبير في مفهوم الاستطاعة الشرعية.

5- إعطاء إعلان الدولة ونظرتها الشرعية والسياسية والعسكرية صفة العصمة التي لا تقبل المراجعة ولا النقد.

6- رمي جميع المشاريع المخالفة لمشروعهم بالخيانة والعمالة..

إنَّ أي مشروعٍ يقوم على هذا الأسس ليس شرعيًا، بل هو مخالف لنصوص الشرع، ومقاصده، وما نص عليه أهل العلم، وسنن الله تعالى في إقامة الدول، ولن يُكتب له البقاء ولا الاستمرار إلا إن كانت وفق مفهوم تنظيم (الدولة) بأن يعلن جماعة ما في مكان ما إنشاء دولة.. فهنا فعلا ستبقى (باقية)!

ونقول لإخواننا المخلصين من أعضاء تنظيم (الدولة): إن أردتم إقامة شرع الله في الأرض، وإقامة دولة إسلامية تحكم بشرع الله، فضعوا أيديكم في أيدي إخوانكم المجاهدين، وأهل العلم الصادقين، وليس بعداوتهم وتخوينهم..

والحمد لله رب العالمين.

1 - متفق عليه
2 - رواه مسلم
3 - متفق عليه
4 - متفق عليه
5 - متفق عليه
6 - أخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى
7 - رواه مسلم
8 - رواه مسلم

إضافة تعليق جديد