الاثنين 20 نوفمبر 2017 الموافق 01 ربيع اول 1439 هـ

مشروعية الجهاد وحكمه وشروطه

01 ربيع اول 1439 هـ


عدد الزيارات : 1233
موقع على بصيرة

ثبتت مشروعية القتال في سبيل الله بالكتاب والسنة والإجماع والعقل.

فمن الكتاب:

قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}[البقرة: 216].
وقوله تعالى:{وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ}[البقرة: 190].

وقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}[الأنفال: 39].

وقوله تعالى:{قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}[التوبة: 29].

وقوله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}[التوبة: 41]. والآيات في هذا الباب كثيرة.

ومن السنة النبوية:

قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ؛ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّ الإِسْلامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ)رواه البخاري، رقم (25)، ومسلم، رقم (21).

وقوله صلى الله عليه وسلم: (اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، اغْزُوا وَلا تَغُلُّوا وَلا تَغْدِرُوا وَلا تَمْثُلُوا وَلا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاثِ خِصَالٍ -أَوْ خِلالٍ- فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إِلا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمْ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ)رواه مسلم، رقم (1731).

وأما الإجماع:

فقد انعقد على فرضية الجهاد استناداً للآيات والأحاديث السابقة وغيرها. قال ابن عطية رحمه الله: "واستمر الإجماع على أن الجهاد على أمة محمد فرض كفاية، فإذا قام به من قام من المسلمين سقط عن الباقين، إلا أن ينزل العدو بساحة للإسلام، فهو حينئذ فرض عين"المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، (1/289). وقال علي القاري: "ولا شك أن إجماع الأمة أن الجهاد ماض إلى يوم القيامة لم ينسخ"مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/2453).

وأما العقل:

فإن من المعلوم عند جميع العقلاء، وفي كل الأمم والحضارات أن استخدام القوة العسكرية ضرورة -إذا لم تنجح غيرها من الوسائل- لمنع الشر والظلم، ونصرة المظلومين والمستضعفين، وإحلال السلم والسلام والأمن والأمان.

كما أن الحقّ لا بد له من مؤيد يدعمه ويحميه ويظهره، وإلا خبت جذوته، وكاد له الأعداء.

والكفار لن يرضيهم إلا ردّة المسلمين عن الإسلام، قال تعالى: {وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}[البقرة: 120]، وسيقاتلون المسلمين حتى تتحقق لهم هذه الغاية، قال تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا}[البقرة: 217]. فلا مناص من مقاتلتهم دفاعاً عن الدين والأنفس.

الجهاد نوعان: جهاد طلب وجهاد دفع، ولكل منهما حكم خاص به.

النوع الأول: جهاد الطلب:

أجمع العلماء على أن جهاد الكفار وطلبهم في عقر دارهم، وقتالهم إذا لم يقبلوا الإسلام فريضة مُحكمة غير منسوخة. وحكمه عند جمهورهم: فرض كفاية، إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، واستدلوا بالأدلة السابقة في الأمر بالجهاد في سبيل الله.

قال ابن حزم رحمه الله: "والجهاد فرض على المسلمين، فإذا قام به من يدفع العدو ويغزوهم في عقر دارهم ويحمي ثغور المسلمين سقط فرضُهُ عن الباقين، وإلا فلا، قال الله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ}[التوبة: 41]"المحلى بالآثار (5/340).

وقال ابن تيمية رحمه الله: "فإذا كان ابتداءً فهو فرض على الكفاية، إذا قام به البعض سقط الفرض عن الباقين، وكان الفضل لمن قام به، كما قال الله تعالى: {لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ}الآية"مجموع الفتاوى، (28/358).

لكن رُويَ عن ابن عمر رضي الله عنهما، وسفيان الثوري رحمه الله، وغيرهما، أن جهاد الكفار ابتداءً تطوّع، والظاهر أن المراد بكلامهم أن الجهاد من فضائل الأعمال المستحبة، وأنه ليس فرضًا عينيًا على كل مسلم. قال الكمال بن الهمام، بعد ذكره الأدلة على فرضية الجهاد: "وبهذه ينتفي ما نُقِل عن الثوري وغيره أنَّه ليس بفرضٍ وأنَّ الأَمر به للنَّدْبِ ... ونُقِلَ عن ابن عمر، ويجب حمْلهُ إن صحَّ على أنَّه ليس بفرض عين"فتح القدير، (5/437). وقال ابن عطية رحمه الله: "وذكر المهدوي وغيره عن الثوري أنه قال: الجهاد تطوع، وهذه العبارة عندي إنما هي على سؤال سائل، وقد قِيمَ بالجهاد"المحرر الوجيز، (2/289).

النوع الثاني: جهاد الدفع:

وهو فرض عين على القادرين من أهل البلد حتى يتحقق الاكتفاء بإخراج العدو من بلاد المسلمين، أو صدّه عنها.

قال ابن القيم رحمه الله: "فقتال الدفع أوسع من قتال الطلب وأعم وجوباً، ولهذا يتعين على كل أحد ... وهذا كجهاد المسلمين يوم أحد والخندق"الفروسية (1/188).

وقال الخطيب الشربيني رحمه الله: "والحال الثاني من حال الكفار: أن يدخلوا بلدة لنا مثلاً؛ فيلزم أهلها الدفع بالممكن منهم. ويكون الجهاد حينئذ فرض عين، سواء أمكن تأهبهم لقتال أم لم يمكن ... ومن هو دون مسافة القصر من البلدة التي دخلها الكفار حكمُه كأهلها وإن كان في أهلها كفاية؛ لأنه كالحاضر معهم ... ويلزم الذين على مسافة القصر المضي إليهم عند الحاجة بقدر الكفاية دفعاً لهم وإنقاذاً من الهلكة، فيصير فرض عين في حق من قَرُبَ، وفرض كفاية في حق من بَعُدَ"الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، (2/558).

فإن لم يكن في أهل البلد كفاية فيجب على من يليهم من المسلمين القتال معهم حتى تتحقق الكفاية.

قال الجصّاص رحمه الله: "ومعلوم في اعتقاد جميع المسلمين أنه إذا خاف أهل الثغور من العدو ولم تكن فيهم مقاومة لهم؛ فخافوا على بلادهم وأنفسهم وذراريهم أن الفرض على كافّة الأمة أن ينفر إليهم من يكفّ عاديتهم عن المسلمين، وهذا لا خلاف فيه بين الأمة، إذا ليس من قول أحد من المسلمين إباحة القعود عنهم حين يستبيحوا دماء المسلمين وسبي ذراريهم"أحكام القرآن للجصاص، (4/312).

وقال ابن تيمية رحمه الله: "وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب؛ إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة"الفتاوى الكبرى، (5/539).

الحالات التي يصبح فيها القتال فرضاً عينياً:

يكون القتال فرض عين في الحالات الآتية:

   1. إذا حضر المسلمُ القتالَ وكان في عداد المجاهدين في المعركة، فيجبُ عليه وجوباً عينيًّا أن يستمرَّ في القتال؛ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[الأنفال: 45]، ولقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأْدْبَارَ}[الأنفال: 15]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي -صلى الله عليه و سلم- قال: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاَتِ)رواه البخاري، رقم (2766).

   2. إذا هاجم الكفَّارُ بلداً من بلاد المسلمين فيجب على أهلها دفعُهم وقتالهم، كما تقدّم. وهذه الحالة يسميها العلماء: النفير العام، قال الكاساني رحمه الله: "فأما إذا عمّ النفير بأن هجم العدو على بلد، فهو فرض عين يفترض على كل واحد من آحاد المسلمين ممن هو قادر عليه؛ لقوله سبحانه وتعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا}[التوبة: 41] قيل: نزلت في النَّفير"بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (7/98).

   3. إذا استنفر الإمام رجلاً بعينه أو جماعة بعينها صار الجهاد في حقِّهم فرضَ عين. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[التوبة :38-39]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وإذا استُنفِرتُم فانفِرُوا)رواه البخاري، رقم  (1834)، ومسلم، رقم (1353). قال الحافظ ابن حجر: "وفيه وجوب تعيين الخروج في الغزو على من عيّنه الإمام"فتح الباري، (6/39).

ويلحق بهذه الحالة: إذا دعت حاجة المجاهدين إلى شخص بذاته؛ لخبرته أو مهارته، كَرَامٍ، أو طبيب، أو طيّار، ونحوهم؛ فيجب عليه حتى تنتهي الحاجة إليه أو تتحقق الكفاية بغيره، قال القرطبي رحمه الله: "وكذلك كلُّ من علم بضعفهم عن عدوهم وعلم أنّه يُدركُهم ويُمكنهُ غِياثُهم: لَزِمهُ أيضاً الخروج إليهم"الجامع لأحكام القرآن (/151).

الشروط الواجب توافرها في جهاد الطلب عشرة، هي:

   (1) الإسلام: فلا يُقبل الجهاد من الكافر؛ لأن الجهاد عبادة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ*تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}[الصف: 10-11].

وعن البراء -رضي الله عنه- قال: أتى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- رجلٌ مقنّع بالحديد فقال: يا رسول الله أقاتل وأسلم؟ قال: (أسلم ثم قاتل) فأسلم، ثم قاتل، فقتل؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عَمِل قليلاً وأُجِرَ كثيراً)رواه البخاري، رقم (2808).

وعَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهَا قَالَتْ: (خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قِبَلَ بَدْرٍ فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ رَأَوْهُ فَلَمَّا أَدْرَكَهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: جِئْتُ لأَتَّبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ. قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ؟ قَالَ: لاَ. قَالَ: فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ، قَالَتْ: ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالشَّجَرَةِ أَدْرَكَهُ الرَّجُلُ؛ فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ؛ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ؛ قَالَ: فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ، قَالَ ثُمَّ رَجَعَ فَأَدْرَكَهُ بِالْبَيْدَاءِ فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ: تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: فَانْطَلِقْ)رواه مسلم، رقم (1817).

   (2) العقل:  فلا يجب الجهاد على المجنون.

عن علي -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ)رواه أبو داود، رقم (4403)، وأحمد، رقم (1362) وغيرهما.

   (3) البلوغ: فلا يجب الجهاد على الصبي الصغير.

والدليل حديث علي -رضي الله عنه- السابق، وحديث ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ: (عَرَضَنِي رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يَوْمَ أُحُدٍ فِي القِتَالِ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعَرَضَنِي يَوْمَ الخَنْدَقِ، وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي)رواه البخاري، رقم (2664)، ومسلم، رقم (1868).

   (4) الذكورة: فلا يجب الجهاد على النساء، عن عائشة -أم المؤمنين رضي الله عنها- أنها قالت: يَا رَسُولَ الله، نَرَى الجِهَادَ أفْضَلَ العَمَلِ، أفَلا نُجَاهِدُ؟ قال: (لا، لَكِنَّ أفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ)رواه البخاري، رقم (1520).

قال ابن بطال رحمه الله: "عن عائشة رضي الله عنها، اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فِي الْجِهَادِ، فَقَالَ: (جِهَادُكُنَّ الْحَجُّ)، وَقَالَ مرّة: (نِعْمَ الْجِهَادُ الْحَجُّ)، هذا الحديث يدلّ على أن النّساء لا جهاد عليهن واجب، وأنهن غير داخلات في قوله: {انفروا خفافًا وثقالاً} وهذا إجماع من العلماء"شرح صحيح البخاري، (5/75).

وقال ابن قدامة رحمه الله: "ولأنها ليست من أهل القتال؛ لضعفها وخورها"المغني، (9/198).

   (5) السلامة من العجز: فلا يجب الجهاد على العاجز غير المستطيع بسبب علّة في بدنه تمنعه من الركوب أو القتال، قال الله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ*وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ}[التوبة: 91-92]. قال ابن كثير رحمه الله: "بيّن -تعالى- الأعذار التي لا حرج على من قعد معها عن القتال، فذكر منها ما هو لازم للشخص لا ينفكّ عنه، وهو الضعف في التركيب الذي لا يستطيع معه الجِلاد في الجهاد، ومنه العمى والعرج ونحوهما؛ ولهذا بدأ به، ومنه ما هو عارض بسبب مرض عنَّ له في بدنه شَغَلَهُ عن الخروج في سبيل الله، أو بسبب فقره؛ لا يقدر على التجهيز للحرب، فليس على هؤلاء حرج إذا قعدوا ونصحوا في حال قعودهم، ولم يرجفوا بالناس ولم يثبطوهم، وهم محسنون في حالهم هذا"تفسير ابن كثير، (4/174).

وقال الله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا}[الفتح: 17].  

وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه: (أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أملى عليه {لاَ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ}[النساء: 95] {وَالمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}[النساء: 95] فجاءه ابن أم مكتوم وهو يملّها عليّ، قال يا رسول الله: والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت. وكان أعمى؛ فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم، وفخذه على فخذي؛ فثقلت علي حتى خفت أن ترضَّ فخذي؛ ثم سُريَّ عنه؛ فأنزل الله: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ})رواه البخاري، رقم (4592).

   (6) القدرة على مؤنة الجهاد: من تحصيل السلاح، ونفقة المجاهد وعياله وغيرها، قال تعالى: {لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ}[التوبة: 91-92].

وفي هذه الأربعة الأخيرة يقول ابن حزم رحمه الله: "واتَّفقُوا أن لا جهاد فرضاً على امرأة، ولا على من لم يبلغ، ولا على مريض لا يستطيع، ولا على فقير لا يقدر على زاد"مراتب الإجماع (1/119).

   (7) الحرية: وذلك لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يبايع الحر على الإسلام والجهاد، ويبايع العبد على الإسلام دون الجهاد.

عن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَمَرَّ بِأُنَاسٍ مِنْ مُزَيْنَةَ فَاتَّبَعَهُ عَبْدٌ لِامْرَأَةٍ مِنْهُمْ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ سَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ: فُلَانٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: أُجَاهِدُ مَعَكَ. قَالَ: أَذِنَتْ لَكَ سَيِّدَتُكَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهَا فَأَخْبِرْهَا، فَإِنَّ مَثَلَكَ مَثَلُ عَبْدٍ لَا يُصَلِّي إِنْ مُتَّ قَبْلَ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهَا، وَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ. فَرَجَعَ إِلَيْهَا فَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ، فَقَالَتْ: آللَّهِ هُوَ أَمَرَ أَنْ تَقْرَأَ عَلَيَّ السَّلَامَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتِ: ارْجِعْ فَجَاهِدْ مَعَهُ)رواه الحاكم في مستدركه، رقم (2553)، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي.

   (8) إذن الوالدين: وذلك للحديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الجِهَادِ، فَقَالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ)متفق عليه: البخاري، رقم (3004)، ومسلم، (2549).

قال ابن قدامة رحمه الله: "وإذا كان أبواه مسلمين، لم يجاهد تطوعاً إلا بإذنهما، روي نحو هذا عن عمر، وعثمان. وبه قال مالك، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وسائر أهل العلم ... ولأن برّ الوالدين فرض عين، والجهاد فرض كفاية، وفرض العين يقدم. فأما إن كان أبواه غير مسلمين، فلا إذن لهما، وبذلك قال الشافعي. وقال الثوري: لا يغزو إلا بإذنهما؛ لعموم الأخبار ... وإذا خُوطب بالجهاد فلا إذن لهما، وكذلك كل الفرائض، لا طاعة لهما في تركها، يعني إذا وجب عليه الجهاد لم يعتبر إذن والديه؛ لأنه صار فرض عين، وتركُه معصية، ولا طاعة لأحد في معصية الله"المغني، (9/208-209).

وقال ابن حزم رحمه الله: "واتَّفقُوا أن من له أبوان يضيعان بِخروجه: أنّ فرض الجهاد سَاقِط عنه"مراتب الإجماع (1/119).

   (9) إذن الدائن: والأصل فيه حديث أَبِي قَتَادَةَ، (عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَامَ فِيهِمْ فَذَكَرَ لَهُمْ أَنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالْإِيمَانَ بِاللهِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ، تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَمْ، إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَيْفَ قُلْتَ؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَمْ، وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، إِلَّا الدَّيْنَ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِي ذَلِكَ)رواه مسلم، رقم (1885).

قال ابن قدامة رحمه الله: "ومن عليه دين حالٌّ أو مؤجل، لم يَجُزْ له الخروج إلى الغزو إلا بإذن غريمه، إلا أن يترك وفاءً، أو يقيم به كفيلاً، أو يوثّقه برهن. وبهذا قال الشافعي"المغني، (9/209-210).

   (10) إذن الإمام: الأصل أنّ جهاد الطلب يكون بإذن الإمام وهذا ما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يبعث البعوث ويؤمّر عليهم.

قال ابن قدامة رحمه الله: "وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده، ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك"المغني (9/208).

وقد "صرح الشافعية والحنابلة بأنه يكره الغزو من غير إذن الإمام أو الأمير المولى من قبله؛ لأن الغزو على حسب حال الحاجة، والإمام أو الأمير أعرف بذلك، ولا يحرم؛ لأنه ليس فيه أكثر من التغرير بالنفس، والتغرير بالنفس يجوز في الجهاد"الموسوعة الفقهية الكويتية (16/136).

الشروط الواجب توافرها في جهاد الدفع:

لا يشترط في جهاد الدفع ما يشترط في جهاد الطلب، إلا القدرة، فيجب على كل أحد أن يدافع بما يقدر، قال ابن تيمية رحمه الله: "أما قتال الدفع فهو أشدّ أنواع دفع الصائل عن الحُرمة والدين؛ فواجب إجماعًا، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان مِن دفعه، فلا يشترط له شرطٌ، بل يُدفع بحسب الإمكان، وقد نصّ على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم"الفتاوى الكبرى (5/538).

وقال الكاساني رحمه الله: "فإذا عمّ النفير لا يتحقق القيام به إلا بالكل، فبقي فرضاً على الكل عيناً بمنزلة الصوم والصلاة، فيخرج العبد بغير إذن مولاه، والمرأة بغير إذن زوجها؛ لأن منافع العبد والمرأة في حق العبادات المفروضة عيناً مستثناة عن ملك المولى والزوج شرعاً، كما في الصوم والصلاة، وكذا يباح للولد أن يخرج بغير إذن والديه؛ لأن حق الوالدين لا يظهر في فروض الأعيان كالصوم والصلاة، والله تعالى أعلم"بدائع الصنائع، (7/98).

وقال النووي رحمه الله: "ويجوز أن لا يَحُوجَ الْمُزَوَّجَةُ إلى إذن الزوج، كما لا يَحُوجَ إلى إذن السيد، ولا يجب في هذا النوع استئذان الوالدين وصاحب الدين"روضة الطالبين وعمدة المفتين (10/ 214).

وقال ابن القيم رحمه الله: "فقتال الدفع أوسع من قتال الطلب وأعمّ وجوباً، ولهذا يتعين على كل أحد ... ويجاهد فيه العبد بإذن سيده وبدون إذنه، والولد بدون إذن أبويه، والغريم بغير إذن غريمه"الفروسية (1/188).

وقال ابن قدامة رحمه الله: "وأما إذا تعين عليه الجهاد، فلا إذن لغريمه؛ لأنه تعلق بعينه، فكان مقدماً على ما في ذمته، كسائر فروض الأعيان"المغني (9/209).

إذن الإمام في جهاد الدفع:

إن كان للمسلمين إمام يمكن استئذانه فيجب؛ لأن أمر القتال موكول إليه، فإن لم يمكن استئذانه كما لو فاجأهم العدو فلا يجب استئذانه. قال الإمام أحمد رحمه الله: "إن كانوا يخافون على أنفسهم وذراريهم فلا بأس أن يقاتلوا من قبل أن يأذن الأمير، لكن لا يقاتلوا إذا لم يخافوا على أنفسهم وذاريهم إلا أن يأذن الإمام"مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية ابنه عبد الله، رقم (959) ص (259).

وقال ابن قدامة رحمه الله: "ولأنَّهم إذا جاء العدو: صار الجهاد عليهم فرض عين، فوجب على الجميع، فلم يَجُز لأحدٍ التخلف عنه، فإذا ثبت هذا فإنهم لا يخرجون إلا بإذن الأمير، لأنَّ أمر الحرب موكولٌ إليه، وهو أعلم بكثرة العدو وقلتهم، ومكامن العدو وكيدهم، فينبغي أن يُرجع إلى رأيه؛ لأنه أحوط للمسلمين، إلا أن يتعذر استئذانه؛ لمفاجـأة عدوّهم لهم، فلا يجب استئذانه؛ لأن المصلحة تتعين في قتالهم، والخروج إليهم، لتعين الفساد في تركهم، ولذلك لما أغار الكفار على لِقَاحِ النبي صلى الله عليه وسلماللقاح جمع لقحة، وهي الناقة اللبون التي ترضع صغيرها. فصادفهم سلمة بن الأكوع خارجًا من المدينة، تبعهم فقاتلهم من غير إذن، فمدحه النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: (خير رجالتنا سلمة بن الأكوع). وأعطاه سهم فارس وراجل"المغني (9/ 213-214).

كذلك لا يجب استئذان الإمام في دفع الصائل، وهو المعتدي على النفس والمال والعرض، لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: قَاتِلْهُ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: فَأَنْتَ شَهِيدٌ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: هُوَ فِي النَّارِ)رواه مسلم، رقم (140).

فإن لم يكن للمسلمين إمام: فيجب على المسلمين أن يتخذوا أميراً أو قائداً لينتظم لهم أمر القتال، ويوحّد كلمتهم.

قال ابن حجر الهيتمي رحمه الله: "إذا عُدِم السلطان لزم أهل الشوكة الذين هم أهل الحل والعقد ثم أن ينصبوا قاضياً، فتنفذ حينئذ أحكامُه للضرورة الملجِئَةِ لذلك"تحفة المحتاج في شرح المنهاج (7/261).

وقال أبو المعالي الجويني رحمه الله: "لو خلا الزّمانُ عن السّلطان فحقٌّ على قُطّان كلّ بلدةٍ، وسكّان كلِّ قريةٍ، أنْ يقدّموا مِن ذوي الأحلام والنُّهى، وذوي العقول والحِجا مَن يلتزمون امتثالَ إشاراته وأوامره، وينتهون عن مناهيه ومزاجره؛ فإنّهم لو لم يفعلوا ذلك، تردّدوا عند إلمام المهمّات، وتبلّدوا عند إظلال الواقعات"غياث الأمم في التياث الظلم (1/386-387).

1 - رواه البخاري، رقم (25)، ومسلم، رقم (21)
2 - رواه مسلم، رقم (1731)
3 - المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، (1/289)
4 - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/2453)
5 - المحلى بالآثار (5/340)
6 - مجموع الفتاوى، (28/358)
7 - فتح القدير، (5/437).
8 - المحرر الوجيز، (2/289)
9 - الفروسية (1/188)
10 - الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، (2/558)
11 - أحكام القرآن للجصاص، (4/312)
12 - الفتاوى الكبرى، (5/539)
13 - رواه البخاري، رقم (2766)
14 - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (7/98)
15 - رواه البخاري، رقم  (1834)، ومسلم، رقم (1353)
16 - فتح الباري، (6/39)
17 - الجامع لأحكام القرآن (/151)
18 - رواه البخاري، رقم (2808)
19 - رواه مسلم، رقم (1817)
20 - رواه أبو داود، رقم (4403)، وأحمد، رقم (1362) وغيرهما
21 - رواه البخاري، رقم (2664)، ومسلم، رقم (1868)
22 - رواه البخاري، رقم (1520)
23 - شرح صحيح البخاري، (5/75)
24 - المغني، (9/198)
25 - تفسير ابن كثير، (4/174)
26 - رواه البخاري، رقم (4592)
27 - مراتب الإجماع (1/119)
28 - رواه الحاكم في مستدركه، رقم (2553)، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي
29 - متفق عليه: البخاري، رقم (3004)، ومسلم، (2549)
30 - المغني، (9/208-209)
31 - مراتب الإجماع (1/119)
32 - رواه مسلم، رقم (1885)
33 - المغني، (9/209-210)
34 - المغني (9/208)
35 - الموسوعة الفقهية الكويتية (16/136)
36 - الفتاوى الكبرى (5/538)
37 - بدائع الصنائع، (7/98)
38 - روضة الطالبين وعمدة المفتين (10/ 214)
39 - الفروسية (1/188)
40 - المغني (9/209)
41 - مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية ابنه عبد الله، رقم (959) ص (259)
42 - اللقاح جمع لقحة، وهي الناقة اللبون التي ترضع صغيرها
43 - المغني (9/ 213-214)
44 - رواه مسلم، رقم (140)
45 - تحفة المحتاج في شرح المنهاج (7/261)
46 - غياث الأمم في التياث الظلم (1/386-387)