الثلاثاء 18 يونيو 2019 الموافق 14 شوال 1440 هـ

شبهات وردود

شبهات تنظيم الدولة وأنصاره والرد عليها: الشبهة الثامنة: كثرةُ الأعداء دلالةٌ على صحّة المنهج؟

15 رمضان 1437 هـ


عدد الزيارات : 3581
عماد الدين خيتي

 


تقول الشبهة:

يحظى تنظيم (الدّولة) بكثرة الأعداء، وقد تكالب عليه الكفّارُ بأصنافهم، والخونةُ مِن الحكام، ومِن الفصائل العميلة، وكلُّ هذا دليلٌ على صحّةِ منهجهم، وسلامة طريقهم، وأنّ مَن خالفهم على غير الحقّ، ولا يضرهم لو كانوا قلّة، كما قال تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}[الأنعام: 116]، وقال: {وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}[يوسف: 103]. وقد سُئِل الإمام الشافعي: كيف ترى الحقَّ مِن بين كلِّ هذه الفتن ؟ فقال :اتبع سهامَ أعداء الله ورسولِه أين تقعُ ترشدك إلى أهلِ الحقِّ".

الإجابة عن هذه الشبهة: في هذه الشبهة مغالطات عديدة، يمكن بيانها كما يلي:

  • أولًا:

مقولة "إنَّ كثرة الأعداء تدلّ على صحّة المنهج" مقولةٌ مبتدعة مخترعة، لا أساسَ لها في الشرع، فليست العبرة في كثرة المخالفين، بل في موافقة الشخص نفسِه للحقّ. وإلا لكان الخوارج الأولون على حقٍّ مع مخالفة جمهور الأمة لهم مِن الصّحابة، والتابعين، والأمويين، وسائر المسلمين، وكذلك سائر المبتدعة مِن الجهمية والمعتزلة وغيرهم. ولكان ذلك حجةً لأشهر الطّواغيت الذين حاربتهم البشرية على مرِّ التاريخ!

فإن قيل: إنَّ الخوارج والجهمية والمعتزلة فاسدي المعتقد.. قلنا: وهذا يدلّ على نقض مقولتكم السابقة، وأنَّه لا بد مِن النظر في المنهج والمعتقد، وأنَّ كثرة الأعداء وحدها ليست دليلًا على صحّة المنهج. ففي هذهِ المقولةِ مُغالطة واضحة، فَمَعَ أنَّ صاحبَ الحقِّ سَيعاديِه الكفار وسَتجتمعُ عليه الاعداء، لكن ليسَ كلُّ من عادَاه الناسُ يكون هو صاحبَ الحق، بل الحق يُعرف بالبرهانِ وموافقة السنة، لا بمعاداة الناس أو مسالمتهم، وفرق بين الأمرينوبسببِ معتقدِ الغلاة هذا وقعوا في تلاعبِ الأعداء بهم لتسليطهم على المسلمين وإحداثِ الفُرقة بينهم، فكثيرًا ما يصرح أولئك –كذبًا وبهتانًا- بأنَّهم على استعدادٍ للتواصل مع الجماعة الفلانية، أو مساعدة الفصيل الآخر، أون أنَّ هؤلاء الغلاة هم الوحيدون الذين لا يمكن اللقاء أو الحوار معهم، فيناصب هؤلاء الغلاة المسلمين العداء، ويحكمون عليهم بالخيانة والردة، لما اعتقدوه أنَّ محاربة الأعداء لهم دليلُ صحة منهجهم، ومسالمة الأعداء لغيرهم دليلُ عمالتهم، وبيانات هؤلاء الغلاة مليئة بمثل ذلك..

  • ثانيًا:

ورد في الشّرع الأمرُ بلزوم جماعة المسلمين، وعدمِ الشّذوذ عنها باعتقادٍ، أو قولٍ، أو عملٍ، لأنَّ الأصلَ والغالبَ أنَّ الحقَّ معها، لذا كان مِن خصائص أهل السنة: الاجتماعُ على الحقِّ، ولزومُ الجماعة المتمسكة به، وعدم مفارقتهم، ومِن النّصوص الشّرعية في ذلك: قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا}[آل عمران: 103]. وقوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}[النساء: 115].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم قال: (إِنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا، فَيَرْضَى لَكُمْ: أَنْ تَعْبُدُوهُ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ)أخرجه مسلم (3/1340، برقم 1715).

وعن حذيفةَ بنِ اليمان رضي الله عنهما قال: (كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ، قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي، وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ، فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ، دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: نَعَمْ، قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَا تَرَى إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ، فَقُلْتُ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ)أخرجه البخاري (4/199، برقم 3606)، ومسلم (3/1475، برقم 1847).

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنَّ الرسول صلى  قال: (فمَن أحبّ منكم أن ينالَ بُحبوحةَ الجنّة فليلزم الجماعةَ، فإنّ الشّيطانَ مع الواحدِ، وهو مِن الإثنين أبعدُ)أخرجه أحمد (1/310، برقم 177)، و(بُحبوحةَ الجنّة): وسطها وخيرها.. والمقصودُ بجماعة المسلمين: سوادُهم الأعظمُ ومجموعهم الملتزمون بالسّنّة، أو المجتمعون على إمامٍ يُطبِّق فيهم شرعَ اللهتنوَّعت عبارات أهل العلم في بيان مفهوم الجماعة، ولعلّ مِن أشمل مَن جمعها الشاطبي في "الاعتصام" ، حيث ذكر أنها ترجع إلى خمسة أقوالٍ، وهي: 1- أنها السواد الأعظم مِن أهل الإسلام. 2- جماعة أئمة العلماء والمجتهدين. 3- الصحابة رضي الله عنهم على وجه الخصوص. 4- جماعة أهل الإسلام إذا أجمعوا على أمر. 5- جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير. وغالبُ تفاوت أقوالهم من اختلاف التنوع والعبارات، لا اختلاف التضاد، وهي تؤول إلى معنيين: الأول: أنها ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم، من الاعتقاد والقول والعمل، مما لا يسوغ لأحد من المسلمين أن يخالفه. الثاني: أنها الاجتماع على خليفة شرعي، وطاعته بالمعروف، وحرمة منازعته الأمر، ما لم يُر منه الكفر البواح.

  • ثالثًا:

قد يُقال: إنَّ مجموعَ الأمة وعامّتَها قد يفسد ويَضل، وقد أُمرنا في الشّرع بالأخذ بالحقّ حتى وإن كان مع شخصٍ واحدٍ. ففي حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشر في آخر الزمان، ثم قال له: (فما تأمرني إنْ أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعةَ المسلمين وإمامَهم، قلتُ: فإن لم يكن لهم جماعةٌ ولا إمامٌ؟ قال : فاعتزل تلك الفرق كلَّها، ولو أنْ تعضَّ بأصل شجرةٍ، حتى يدركك الموتُ وأنتَ على ذلك)سبق ص ( )..

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "إنَّما الجماعةُ ما وافَقَ الحقَّ، وإن كنتَ وَحدَك"أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (1/121).. وقال أبو شامة المقدسي رحمه الله: "حيث جاء الأمرُ بلزوم الجماعة، فالمرادُ به لزومُ الحقّ و اتِّباعه، وإن كان المتمسك به قليلًا، والمخالفُ كثيرًا"الباعث على إنكار البدع والحوادث ص (22).. مما يدلُّ على أنَّ الحق قد يكون مع غير الجماعة!

والجواب:

إنَّ الحقَّ قد يكون مع العدد القليل في حالات معينة، لكنَّ ضابطه أن يكون موافقًا للهدي الذي كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام، وجماعة المسلمين مِن الصحابة، والتابعين، وأهل القرون المفضلة الأولى، فقد سُئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن سبيل النجاة من الافتراق المذموم فأرشد إلى التمسك بهذا المنهج بقوله: (ما أنا عليه وأصحابي)أخرجه أبو داود (7/6، برقم 4597)، والترمذي (5/26، برقم 2641)..

وقال نُعيم بن حمَّاد رحمه الله: "إذا فَسَدت الجماعة، فعليك بما كانت عليه قبل أن تفسُد، وإن كنتَ وحدك، فإنَّك الجماعة حينئذٍ"الباعث على إنكار البدع والحوادث (1/22)..

وقال ابن القيم رحمه الله: "وما أحسن ما قال أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة في كتاب الحوادث والبدع: "حيث جاء به الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك به قليلًا والمخالف له كثيرًا"، لأنّ الحقّ هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى مِن عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولا نظرَ إلى كثرة أهل الباطل بعدهم"إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان ص (69)..

ونقل قول معاذ بن جبل رضي الله عنه": "إنَّ الجماعةَ ما وافقَ طاعةَ الله تعالى". 

وقال: "وقالوا: مَن شذَّ شذَّ الله به في النّار، وما عرف المختلفون أنّ الشاذ ما خالف الحقّ، وإن كان الناس كلّهم عليه إلا واحدًا منهم فهم الشّاذون، وقد شذَّ النّاسُ كلّهم زمنَ أحمدَ بن ِحنبل إلا نفرًا يسيرًا، فكانوا هم الجماعة، وكانت القضاة حينئذ والمفتون والخليفة وأتباعه كلّهم هم الشاذون، وكان الإمام أحمد وحده هو الجماعة"إعلام الموقعين عن رب العالمين (3/308)..

وقد كان الإمام أحمد على عقيدة أهل السنة والمخالفون له على عقيدة المعتزلة، فـ "القَوْل الشاذ هُوَ الّذي ليسَ مع قائله دليل مِن كتاب الله، ولا مِن سنة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا هُوَ القَوْل الشاذّ، ولو كان عليه جمهورُ أهل الأرضِ، وَأمّا قَولُ ما دلّ عليهِ كتابُ الله وَسنّة رَسُول الله صلى الله عليه وسلّم فَلَيْسَ بشاذٍّ، وَلَو ذهب إِلَيْهِ الْواحد مِن الْأمّة"الفروسية، لابن القيم ص (299)..

فمعنى هذه الآثار تركُ قولِ غالب النّاس إذا بدّلوا وغيروا، والرجوع للمنهج الحقّ الذي عليه الدّليل وسلف الأمة.

والسؤال:

أين في النّصوص الشرعية وأقوال سلف الأمة ما يماثل معتقدات تنظيم "الدّولة" في التكفير والتخوين لعامة المخالفين، واستباحة القتل، والطعن في ظهور المسلمين أثناء دفعهم للعدو الصائل في العراق، وسورية، وفلسطين، وأخيرًا في أفغانستان وليبيا؟ واتخاذ أشنع الطرق وسيلةً للقتل؟ والتفجير في المساجد ودور العبادة؟ والتفرُّد بإعلان الخلافة؟ إنَّ تنظيم "الدّولة" هو مَن خالف جماعة المسلمين قولًا واعتقادًا وعملًا، وشذَّ عنها، فهو ليس مِن جماعة المسلمين الصادقين، بل مِن الخوارج المارقين.

  • رابعًا:

  مِن الأخطاء في هذه المسألة تنزيلُ النّصوص التي تذمّ الكثرةَ على غير دلالاتها، كالاستدلال بالنّصوص التالية على أنَّ الحق لا يكون مع غالبية الناس: كقوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ}[البقرة: 243]، [غافر: 61].

  وقوله: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}[الأعراف: 187].

  وقوله أيضًا: {وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ}[الرعد: 1].

  وقوله: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}[يوسف: 103].

  وقوله: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا}[الإسراء: 89].

  وقوله: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}[سبأ: 13].

فالاستدلالُ بهذه النصوص على أنَّ الحقَّ لا يكون مع غالبية النّاس بإطلاقٍ غيرُ صحيح ولا حجَّة فيه، إذ إنَّ هذه الأدلة ليست خاصةً بالمسلمين أصلًا، بل هي في عموم النّاس، ويدخل فيهم غير المسلمين، لذا فإنها جاءت بلفظ (النّاس) الذي يدخل فيه جميع الناس مؤمنهم وكافرهم، فتشير هذه النّصوص إلى أنَّ أكثر النّاس غيرُ عابدين لله تعالى، وأنَّ أكثرهم في النّار، فعلى الإنسان ألا يغترَّ بالكثرة التي تخالف الحقّ، وهو الإسلام.

عن أبي هريرة أنّ النبي رضي الله عنه قال: (أوّلُ مَن يُدعى يومَ القيامة آدمُ، فَتَرَاءَى ذريتُه، فيُقال: هذا أبوكم آدم، فيقول: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فيقول: أخرج بعثَ جهنّم مِن ذريتك، فيقول: يا رب كم أُخرج؟ فيقولُ: أخرجْ مِن كلِّ مئةٍ تسعةً وتسعين، فقالوا: يا رسول الله، إذا أُخذ منّا مِن كلّ مائةٍ تسعةٌ وتسعون، فماذا يبقى منا؟ قال: إنّ أمّتي في الأمم كَالشَّعَرَةِ البَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَسْوَدِ)أخرجه البخاري (8/110، برقم 6529).. أمّا عند الحديث عن المسلمين، ومعرفة الحقِّ مِن الباطل: فقد ورد الأمرُ بلزوم الجماعة، كما سبق.

  • خامسًا:

مِن الأخطاء المترتّبة على هذه المسألة كذلك ذمُّ الأكثرية أو الأغلبية بإطلاق، والمبالغةُ في التفرُّد عن الجماعة والبعد عنها، وفهم نصوصِ غربة الدّين والقبض على الجمر، والأمر بلزوم خاصة النفس والبعد عن الجماعة في آخر الزمان بناءً على هذا المفهوم الخاطئ! مع أنَّ للأكثرية والأغلبية -إجمالًا- اعتبارٌ في الشرع، وهي مِن المبادئ التي توافرت الأدلة والشواهد عليها، ومن ذلكللاستزادة ينظر كتاب: قضية الأغلبية من الوجهة الشرعية، د. أحمد الريسوني.:

  1. أنّ تفضيل الأغلبية على الأقلية مِن الأمور المستقرّة في الفِطَر، المركوزة في العقول، فغالبُ النّاس سواء كانوا مِن المسلمين أو غيرهم يدركون أنّه حيثما كانت الكثرةُ في الرأي وفي الاختيار وفي الموقف فالصّواب فيها أكثر وأقرب.

  2. أنّ نصوصَ الشّريعة مِن الكتاب والسنة دلّت على أنّ الغلبةَ والكثرةَ في الأوصاف أو الأحوال أو الأفعال لها تأثيرٌ واعتبارٌ في تقرير الأحكام واستنباطها والترجيح بينها، ومِن تلك النّصوص:

أ. قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}[البقرة: 219]قال العز بن عبد السلام: "حرّمهما، لأنّ مفسدتَهما أكبرُ مِن منفعتِهما"قواعد الأحكام في مصالح الأنام، (1/98)..

بل إنّ النّصوصَ الدّالة على ذمّ الكثرة - وهي في مجملِها تدلُّ على ذمّ الكثرة التي على الباطل وخلاف الحجّة والبرهان- استدل بها بعضُ أهل العلم على مشروعية الأخذ بالأغلبية، قال ابن عرفة في تفسيره عن آية: {قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ}[المائدة: 100]: "فقوله تعالى: {وَلَو أَعجَبَكَ كَثرَةُ الْخَبِيثِ} يدلُّ أنَّ الكثرةَ لها اعتبارٌ، بدليلِ أنّها ما أسقطت هنا إلا الخبيث .."تفسير ابن عرفة (2/127)..

بـ. قوله صلى الله عليه وسلّم: (إذا كان الماءُ قُلَّتين لم يَحمِل الخَبَثَ)أخرجه أبو داود (1/46، برقم 63)، وابن ماجه (1/325، برقم 516)، وأحمد (4/405، برقم 4803).، وقد أجمع أهلُ العلم على أنّ الماء الكثير لا ينجس، ما لم تتغير إحدى صفاته.

جـ. وقد كان عليه  الصلاة السلام حريصًا على معرفة رأي غالبِ صحابته ومدى استعدادهم للقتال: ففي غزوة بدر شاور أصحابه في قتال قريش، فأشار المهاجرون بموافقته على القتال، لكنّه رغب أنْ يسمع مِن الأنصار، فلمّا وافقوه أذن بالسّير للقتال.

قال ابنُ هشام: "ثم قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : (أشيروا عليَّ أيها النّاس) وإنّما يريد الأنصار، وذلك أنهم عددُ النّاسِ"السيرة النبوية، لابن هشام (1/615). أي أكثرهم.

وفي غزوة أحد: كان رأي النّبي عليه الصلاة والسلام وجماعةٌ مِن شيوخ الصحابة البقاء في المدينة والدفاع عنها، وعدم الخروج لقتال المشركين، لكن كان رأي غالبية أصحابه في الخروج لقتالهم، فترك رأيَه لرأيهم، وخرج للقتال. وحينما أخذ النّبي صلى الله عليه وسلم بما أشار به الصّحابةُ في شأن إطلاق الأسرى، ونزل القرآن بذلك معاتبًا، قال الطاهر بن عاشور: "وفيه إشارةٌ إلى أنّ الرسولَ عليه الصلاة والسلام غيرُ معاتَبٍ، لأنّه إنّما أخذ برأي الجمهور"تفسير التحرير والتنوير (10/75)..

د. ورد الأخذ بالأكثر أو الأغلب في الآداب، فقد قدّم حقّ الكثير على القليل بقوله صلى الله عليه وسلّم : (يُسَلِّمُ الرّاكبُ على الماشي، والماشي على القاعدِ، والقليلُ على الكثيرِ)أخرجه البخاري (8/52، برقم 6232)، ومسلم (4/1703، برقم 2160)..

  3. وقد جرى فهم الخلفاء الراشدين على ذلك: ففي حديث رجوع عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن دخول الشّام بسبب الوباء فيها، رجع إلى قول مشيخةِ قريشٍ، فأشاروا عليه بالرجوع.

قال ابن حجر رحمه الله: "وفيه التّرجيح بالأكثر عددًا، والأكثر تجربةً، لرجوع عمرَ رضي الله عنه لقول مشيخة قريش مع ما انضم إليهم ممّن وافق رأيَهم مِن المهاجرين والأنصار، فإنّ مجموعَ ذلك أكثرُ مِن عدد مَن خالفه مِن كلٍّ مِن المهاجرين والأنصار ، ووازن ما عند الذين خالفوا ذلك مِن مزيد الفضل في العلم والدين ما عند المشيخة مِن السنِّ والتّجارب، فلمّا تعادلوا مِن هذه الحيثية رجّح بالكثرة"فتح الباري (10/190)..

  4. أنّ الأخذ بالأكثرية أصلٌ مقرر في القواعد الشرعية، ومن ذلك:

أ  / قاعدة العمل بغلبة الظن (الظنّ الراجح) في الاستنباط والعمل.

ب/ قاعدة (إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمُها ضررًا بارتكاب أخفِّهما).قال السّرخسي رحمه الله: "التّرجيح بالكثرة، وهو أصلٌ في الفقهِ"المبسوط (2/115)..

ج/ قاعدة (الأكثرُ يقوم مقامَ الكل)، ومن تطبيقاتها: الأكثر ينزل منزلة الكمال، للأكثر حكمُ الكمال أو حكم الكل، الأقلّ يتبع الأكثر، إقامة الأكثر مُقام الكلّ أصلٌ في الشّرع، الأقلُّ تبعٌ للأكثر، وللأكثرِ حكمُ الكلِّ.

  5. أنّ الأخذ بالكثرة مِن الأصول المقررة في علوم الحديث وأصول الفقه:

ففي مسألة ثبوت الحديث كان المحدثون إذا روى الراوي حديثًا -حتى ولو كان ثقة- فخالف به مجموعةً مِن الثقات فإنهم يَعدون حديثَ هذا المنفرد شاذًا، ويرجّحون الرواية التي نقلها العدد الأكثر، وهي مِن الطرق المعتبرة في الترجيح بين الأدلة . قال الخطيب البغدادي رحمه الله: "ويُرجّح بكثرة الرّواة لأحد الخبرين، لأنّ الغلطَ عنهم والسّهو أبعد، وهو إلى الأقلِّ أقربُ"الكفاية في علم الرواية (1/436)..

  6. أنّ الأغلبيةَ معتبرةٌ في المسائل الفقهية: فأهلُ العلم يَعتبرون في ترجيح المسائل الفقهية بأمورٍ، منها قول جمهور العلماء، ويحذّرون مِن الشّذوذ وقول الأفراد من أهل العلم. قال الشّاطبي رحمه الله: "إذا انفرد صاحبُ قولٍ عن عامّة الأمةِ فليكن اعتقادُك أنّ الحقَّ مع السّواد الأعظم مِن المجتهدين، لا مِن المقلدين"الموافقات (5/140)..

  7. الأخذ بالأكثر في الشّهادة والقضاء: فإذا شهد على أمرٍ ما عند القاضي أو غيره شاهدان، وشهد ضدَّ شهادتهما آخرون أكثر عددًا فإنّه يترجّح جانب الأكثر.

  8. الأكثرية معتبرة في باب السّياسة الشّرعية: فالإمامةُ تنعقد ببيعة جمهور أهل الحل والعقد.

قال الغزالي رحمه الله: "ولا تقوم الشّوكة إلا بموافقة الاكثرين مِن معتبري كلّ زمان"فضائح الباطنية (1/177)..

وقال ابن تيمية رحمه الله: "وإنّما صار -أي أبو بكر رضي الله عنه - إمامًا بمبايعة جمهور الصّحابة الذين هم أهل القدرة والشّوكة. ولم يضر تخلف سعد بن عبادة رضي الله عنه، لأنّ ذلك لا يقدح في مقصود الولاية، فإنّ المقصودَ حصولُ القدرة والسّلطان اللذَين بهما تحصل مصالحُ الإمامة، وذلك قد حصل بموافقة الجمهور على ذلك، فمَن قال: يصير إمامًا بموافقة واحدٍ أو اثنين أو أربعةٍ، وليسوا هم ذوي القدرة والشوكة فقد غلط، كما أنَّ مَن ظنَّ أنّ تخلف الواحد أو الاثنين أو العشرة يضرّ فقد غلط"منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية (1/530)..

ومما ينبغي التنبيه عليه أنَّ الأخذ بالأغلبية أو الأكثرية إنما يكون بضوابطَ مِن أهمها:

  1. ألا يعارض هذا القولُ نصًا شرعيًا صحيحًا صريحًا.
  2. ألا يكون هناك دليلٌ أقوى للتّرجيح.

قال السرخسي رحمه الله: "والمصيرُ إلى الترجيحِ بالكثرة عند المساواةِ في القوة"المبسوط (26/83)..

وأساس الخطأ في إنكار مشروعية الأغلبية أو الأكثرية: الربط بينها وبين الديمقراطية، وتصوير أنَّهما متلازمتان، وبالتالي سحب حكم الديمقراطية على قضية الأغلبية والأكثريةوسيأتي مزيد تفصيل لحكم الديمقراطية ص ( )..

  • سادسًا:

  أما ما نُسب للإمام الشافعي من قول: "اتبع سهام أعداء الله ورسوله أين تقع ترشدك إلى أهل الحق"، فغير صحيح لما يلي:

  1. هذه العبارة -بجميع ألفاظها- غير ثابتة عنه، ولا عن أحدٍ من أهل العلم، بل هي مِن العبارات الدّارجة على الألسنة وفي الصفحات والمنتديات، ولا سندَ لها.

  2. هذه العبارة تعارض ما سبق تقريره مِن النّصوص وأقوال أهل العلم.

  3. لو قيل بصحّتها: فإنها لا تكون مُطلقة عامة، بل هي مُقيَّدة بموافقة الشرع.

  • سابعًا:

على فرض صحة هذه الشُّبهة (كثرة الأعداء دلالة على صحة المنهج)، فإنَّ تنظيم (الدّولة) ليس هو الوحيد مِن بين التنظيمات (الجهادية) الذي يلقى العداء والمحاربة والتضييق، فبقية التنظيمات والحركات الجهادية تلقى العداء والتضييق والتصنيف بالإرهاب كذلك، وقبل ظهور هذا التنظيم بمدة طويلة، ولو كان هذا دليلًا للتنظيم فهو دليلٌ لغيرها كذلك، ولا وجه لتخصيص التنظيم بذلك، أو زعم انفراده بالأمر.

  • والخلاصة:

أنَّ الجماعة هي ما عليه جمهورُ الأمة وعامّة علمائها، المجتمعون على الحقّ، والملتزمون بالسنّة، والمعيارُ في معرفة هذه الجماعة: ما كان عليه هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وصحابته، وتابعوهم، وأئمة العلم، في المعتقد والعمل، أما معرفة الحقّ مِن خلال كثرة المخالفين: فهو معيارٌ مبتدعٌ باطلٌ، لا اعتبارَ به. وأنَّ جماعة تنظيم (الدولة) قد خالفت جماعة المسلمين وشذَّت عنهم في المنهج والمعتقد.

المصدر: كتاب "شُبهات تنظيم "الدولة الإسلامية" وأنصاره والرَّد عليها" الشبهة الثامنة، د. عماد الدين خيتي

1 - وبسببِ معتقدِ الغلاة هذا وقعوا في تلاعبِ الأعداء بهم لتسليطهم على المسلمين وإحداثِ الفُرقة بينهم، فكثيرًا ما يصرح أولئك –كذبًا وبهتانًا- بأنَّهم على استعدادٍ للتواصل مع الجماعة الفلانية، أو مساعدة الفصيل الآخر، أون أنَّ هؤلاء الغلاة هم الوحيدون الذين لا يمكن اللقاء أو الحوار معهم، فيناصب هؤلاء الغلاة المسلمين العداء، ويحكمون عليهم بالخيانة والردة، لما اعتقدوه أنَّ محاربة الأعداء لهم دليلُ صحة منهجهم، ومسالمة الأعداء لغيرهم دليلُ عمالتهم، وبيانات هؤلاء الغلاة مليئة بمثل ذلك.
2 - أخرجه مسلم (3/1340، برقم 1715).
3 - أخرجه البخاري (4/199، برقم 3606)، ومسلم (3/1475، برقم 1847).
4 - أخرجه أحمد (1/310، برقم 177)، و(بُحبوحةَ الجنّة): وسطها وخيرها.
5 - تنوَّعت عبارات أهل العلم في بيان مفهوم الجماعة، ولعلّ مِن أشمل مَن جمعها الشاطبي في "الاعتصام" ، حيث ذكر أنها ترجع إلى خمسة أقوالٍ، وهي: 1- أنها السواد الأعظم مِن أهل الإسلام. 2- جماعة أئمة العلماء والمجتهدين. 3- الصحابة رضي الله عنهم على وجه الخصوص. 4- جماعة أهل الإسلام إذا أجمعوا على أمر. 5- جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير. وغالبُ تفاوت أقوالهم من اختلاف التنوع والعبارات، لا اختلاف التضاد، وهي تؤول إلى معنيين: الأول: أنها ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم، من الاعتقاد والقول والعمل، مما لا يسوغ لأحد من المسلمين أن يخالفه. الثاني: أنها الاجتماع على خليفة شرعي، وطاعته بالمعروف، وحرمة منازعته الأمر، ما لم يُر منه الكفر البواح.
6 - سبق ص ( ).
7 - أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (1/121).
8 - الباعث على إنكار البدع والحوادث ص (22).
9 - أخرجه أبو داود (7/6، برقم 4597)، والترمذي (5/26، برقم 2641).
10 - الباعث على إنكار البدع والحوادث (1/22).
11 - إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان ص (69).
12 - إعلام الموقعين عن رب العالمين (3/308).
13 - الفروسية، لابن القيم ص (299).
14 - أخرجه البخاري (8/110، برقم 6529).
15 - للاستزادة ينظر كتاب: قضية الأغلبية من الوجهة الشرعية، د. أحمد الريسوني.
16 - قواعد الأحكام في مصالح الأنام، (1/98).
17 - تفسير ابن عرفة (2/127).
18 - أخرجه أبو داود (1/46، برقم 63)، وابن ماجه (1/325، برقم 516)، وأحمد (4/405، برقم 4803).
19 - السيرة النبوية، لابن هشام (1/615).
20 - تفسير التحرير والتنوير (10/75).
21 - أخرجه البخاري (8/52، برقم 6232)، ومسلم (4/1703، برقم 2160).
22 - فتح الباري (10/190).
23 - المبسوط (2/115).
24 - الكفاية في علم الرواية (1/436).
25 - الموافقات (5/140).
26 - فضائح الباطنية (1/177).
27 - منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية (1/530).
28 - المبسوط (26/83).
29 - وسيأتي مزيد تفصيل لحكم الديمقراطية ص ( ).