الأربعاء 12 أغسطس 2020 الموافق 22 ذو الحجة 1441 هـ

إضاءات فكرية

التكفير.. البعد الأخلاقي والتربوي!!

03 شعبان 1437 هـ


عدد الزيارات : 1349
بدر العمري

 

 

   لو كان للواقع لسان، لأشار بكلامه إلى "التكفير" وأنه بؤرة خطيرة للغاية، ولكن لسان الحال هو الذي يعمّق القناعة بخطورة هذا المنهج وأثره على العمل والدعوة والاصلاح، والأمة كلها.

   لقد جاء محمد -صلى الله عليه وسلم- ليُدخل الناس إلى الإسلام، ويدلّهم إلى طريق الهداية، ثم توالت الأدلة على تحريم "التكفير" وهو إخراج المسلم من دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر، فقال: (من قال لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما)، (ولم يكن كذلك إلا حارت عليه)، ولذا كان التكفير مزلقاً خطيراً ومنهجاً لم يتبنّاه في تاريخ الأمة إلا الغلاة الذين جعلوا التكفير وسيلة إلى استحلال دماء الناس وأموالهم وأعراضهم.

   إنّ فتنة التكفير لا يُنظر إليها من باب الاجتهاد الشرعي الذي يقوم به عالم مجتهد يستجمع قضايا التكفير، وليست حكماً على فرد بردّة أو كفر، فإنّ هذا أمر قضائي موجود على مدار التاريخ الإسلامي، ولكن المشكلة في طردها والتسلسل فيها وعدم إدراك خطورتها وأبعادها الفكرية والمنهجية والتربوية، فيلجأ من خلالها إلى استحلال دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، ولا يُعرف في منهج السلف أن خرج في الأمة فئة تكفرها البتة، فقد كانت قضية الأحكام هي قضية سياسة شرعية يُمارسها أهل الرأي من الولاة، حيث كان "الخوارج" فقط هم الذين يُكفرون بالفعل، ثم يوقعونه على كل مخالفيهم.

   التكفير يحمل وراءه مآسي تربوية ضخمة، فالعدائية التي توجد عند كثير من الشباب، والسرعة في الحكم على الأموال والدماء، والشعور بالغربة داخل المجتمع المسلم، والحنق على أهل العلم والدعوة، والتسرّع في إطلاق الأحكام، والتأزّم النفسي، وحدوث الانشقاق داخل الصف الإسلامي، وانتهاك حرمة العلم والعلماء؛ كلها تأتي نتيجة لزرع منهج التكفير في وعي الجيل المسلم المعاصر.

   إن المفارقة الغريبة العجيبة حين تقرأ في كتب أهل العلم وخاصة فيما يتعلق بالتورع عن الأحكام بالردة والكفر، ووضع الضوابط الصارمة في إيقاع الأحكام على المعينين، ووضع الموانع والشروط التي لا بدّ أن تتحقق، حتى يُخيل إليك صعوبة أن يُوقع وصف الكفر على مسلم يشهد ألا إله إلا الله، ثم تقارن هذا بـ "التكفير" المعاصر الذي يعطي الانسان ملفات حمراء طول اليوم، فمن تكفير الحُكّام، إلى تكفير العسكر والجند، والوزراء، والعلماء، ومن لا يُكفرونه من العلماء والدعاة! فوصف الانبطاح والتخذيل والعمالة والفسق وغيرها أمر لا يتردد فيه كثير من الشباب الذين وقعوا تحت تأثير مُنظّري التكفير والقتال، وهذا ناتج عن عدم إدراك البعد التربوي للقيمة العلمية والفكرية التي يقولها العالم أو طالب العلم.

   ما عليك سوى أن تدخل إلى كثير من المنتديات الحوارية، وغرف "البال توك" وغيرها حتى تدرك خطورة هذا المنحى على فكر الشباب وتوجّهاتهم، فالحنق على الناس، والسباب والشتائم، واستحلال الدماء، والاستهانة بما يحدث داخل العالم الإسلامي من فتن وقلاقل ومواجهات، بل لقد صرم هذا المنهج علاقة الأمة بعلمائها ودعاتها، والنظر إلى المجتمعات بنظرة دونية وإسقاطية، والفُجر في الخصومة مع كل من لا ينتهج منهج "التكفير"، واندراس معالم العلاقات الإسلامية والأخوة الإيمانية، وإذابة أواصر القربى بين المسلمين، والتراشق بأقذع الألقاب والأوصاف، وهذا لا شكّ يُحدث معالم غائرة في قلوب وعقول وضمائر الأجيال المسلمة، وتربيتهم على التشظي والتناحر والتشتّت، وهو لا شك باب عريض يدخل منه الشيطان في التحريش بين المؤمنين، وانتهاك حرمات بعضهم بعضاً!

   إن الذين يؤصلون قضايا التكفير لا يدركون الفرق بين طرحها بطريقة علمية شرعية منهجية، فيركزون على التكفير باعتباره أمراً جاءت به نصوص الشريعة الإسلامية، وموقف المسلم منه، من خلال دراسات أكاديمية إن صحّ التعبير، ودراسة أحكام الردة والحدود وغيرها، وبين القفز من التأصيل الشرعي إلى إنزال الأحكام على جهات أو حكومات أو أحزاب أو مذاهب أو جماعات، حيث إن الآخر يحمل بُعده التربوي في تهيئة النفسيات التي تطبق الأحكام على الوقائع والأحوال، بينما الأولى هي التي تضبط منهج الشاب، وتعلمه خطورة الطريق ووعورته، وخاصةً أن قضية التكفير كلما تعمق الإنسان في قراءتها وجد أن بينه وبين أن يحكم على شخص بكفر وردة بُعدَ المشرقين، فهي شبيهة بقدر كبير بإيقاع عقوبة الزنا على المحصن الذي لم يُقر، ويُدرك أن الإسلام وضع سياجات كثيرة بين الحكم على المسلم الذي دخل إلى الإسلام بيقين، حيث جعل وصف الإسلام لا يزول عنه إلا بيقين مثله أو أعلى منه، وهذا صعب الوقوع، وشاقّ على من يتقي الله تعالى في أديان المسلمين، فالعاقل يرى أنه يُخطئ في إبقاء كافر على الإسلام، خير له من أن يخطئ في إخراج مسلم من الإسلام فيبوء بإثم الجرأة على الله تعالى!

   إن التكفير لم يعد عند كثير من التوجهات أمراً شرعياً مضبوطاً بضوابط أصول العلم وقواعده، بل أصبح وسيلةً للعمل وتصفية الحسابات مع الخصوم، وهو بهذا طريقٌ سالكٌ إلى استحلال الدماء؛ فحتى تُقنع الإنسان بصحّة القتل والقتال، عليك أن تحكم على المقابل باستحقاقه لهذا لردته أو كفره، وهذا لا شك تسييس للمفهوم الشرعي، وإخراج له عن فقهه الشرعي، ولذلك تجد التساهل في إطلاق الأحكام طالما هي تبرر الأفعال في القتل والقتال. ولو عرضت على البعض نفس المسائل في وقت تراجعه أو تركه للمنهج لوجد من العوائق الكثير التي تحول بينه وبين أن يحكم على فلان أو علّان بالردة والكفر.

   إن الشريعة لم تحذّر من أمر إلا لضرره وخطورته، ولم تُرغّب في أمر إلا لتحقيقه المصلحة للإنسان في عاجل أمره وآجله، ولذا فإني أدعو كل شاب من شباب المسلمين إلى التبرؤ من منهج التكفير بالعموم، ومن العجلة فيه. وإن هذا أمر بَانَ للقاصي والداني خطورته وآثاره التي ترتبت عليه، حين انتقل الأمر من استباحة دماء الكفار الأصليين، إلى استباحة أهل الدماء المعصومة، ولا شك أن المنطلق في هذا هو منطلق تكفيري ظاهر لا يشك فيه متابع ولا مطلع ! 

وفق الله الجميع لكل خير، وكفانا شر أهل الشر، وأصلح حال المسلمين، ونصر الله المجاهدين في سبيله في كل مكان ... والله أعلم

المصدر: موقع صيد الفوائد

إضافة تعليق جديد