الأربعاء 12 أغسطس 2020 الموافق 22 ذو الحجة 1441 هـ

حكم إعطاء البيعة لأمراء الكتائب

20 ربيع ثاني 1437 هـ


عدد الزيارات : 1137
هيئة الشام الإسلامية

السؤال: ما حكم عقد البيعة لأمراء الكتائب؟ وهل يجوز نقضها، أو الانسحاب منها؟


 

الجواب: الحمد لله :

  • أولاً: المراد بالبيعة: إعطاء العهد على السمع والطاعة.

قال الخازن -رحمه الله- في "تفسيره" : "وأصل البيعة: العقد الذي يعقده الإنسان على نفسه من بذل الطاعة للإمام، والوفاء بالعهد الذي التزمه له".

وسُميت بذلك لأنهم كانوا إذا بايعوا الأمير جعلوا أيديهم في يده تأكيداً للعهد، فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري، فسمِّيت بيعة، وصارت البيعة مصافحة بالأيدي.

قال ابن خلدون -رحمه الله- في "تاريخه": "اعلم أنّ البيعة هي العهد على الطّاعة، كأنّ المبايع يعاهد أميره على أنَّه يسلِّم له النَّظر في أمر نفسه وأمور المسلمين لا ينازعه في شيء من ذلك، ويطيعه فيما يكلّفه به من الأمر على المنشط والمكره".

  • ثانياً:

البيعة بمعناها المشهور والمصطلح عليه بين العلماء: تكون للحاكم الذي يتولى أمور الرعية وتدبير شؤونهم، وهذا المعنى هو المقصود منها في النصوص الشرعية الواردة في وجوبها والتحذير من نكثها، كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً)رواه مسلم.

وقوله: (مَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ ثَمَرَةَ قَلْبِهِ وَصَفْقَةَ يَدِهِ، فَلْيُطِعْهُ مَا اسْتَطَاعَ)رواه أحمد.

ولا يجوز عقد البيعة -بهذا المعنى- لغير الحاكم الذي تجتمع عليه كلمة المسلمين في ذلك البلد .

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "مَنْ بَايَعَ رَجُلًا عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يُبَايَعُ هُوَ وَلَا الَّذِي بَايَعَهُ، تَغِرَّةً أَنْ يُقْتَلَا"رواه البخاري. قال ابن حجر -رحمه الله- في الفتح: "والمعنى: أنَّ من فعل ذلك فقد غرر بنفسه وبصاحبه وعرضهما للقتل".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في "منهاج السنة النبوية": "ولا يصير الرجل إماماً حتى يوافقه أهل الشوكة عليها، الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الإمامة، فإن المقصود من الإمامة إنما يحصل بالقدرة والسلطان، فإذا بويع بيعة حصلت بها القدرة والسلطان صار إماماً".

  • ثالثًا:

الأصل أن تعيين أمراء الجهاد موكول للحاكم الشرعي، فإن غاب أو عُدم جاز للمجاهدين الاتفاق على تأمير أحدهم ليتولى تنظيم أمورهم القتالية وترتيبها؛ تجنباً لحدوث الفوضى والخلاف، كما فعل الصحابة رضوان الله عليهم في غزوة مؤتة حين أمّروا عليهم خالد بن الوليد دون تولية سابقة من النبي صلى الله عليه وسلم.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ، فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ، فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَأُصِيبَ، وَإِنَّ عَيْنَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَتَذْرِفَانِ، ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ، فَفُتِحَ لَهُ)رواه البخاري. قال ابن حجر -رحمه الله- في "الفتح": "وَفِيهِ جَوَازُ التَّأَمُّرِ فِي الْحَرْبِ بِغَيْرِ تَأْمِيرٍ (أي من السلطان)".

وإذا كان الشرع قد ندب المسلمين إلى تأمير أحدهم عند اجتماعهم على أمر من الأمور الخاصة كالسفر، فكيف بالقتال والجهاد!؟ قَالَ صلى الله عليه وسلم :(إِذَا كَانَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ؛ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ)رواه أبو داود.

قَالَ الْخَطَّابِيُّ -رحمه الله- في "معالم السنن": "إِنَّمَا أَمَرَ بِذَلِكَ ؛ لِيَكُونَ أَمْرُهمْ جَمِيعًا، وَلَا يَتَفَرَّقَ بِهِمْ الرَّأْيُ، وَلَا يَقَعُ بَيْنهمْ الِاخْتِلَاف".

وقال ابن تيمية -رحمه الله- في "الفتاوى" : "أَوْجَبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَأْمِيرَ الْوَاحِدِ فِي الِاجْتِمَاعِ الْقَلِيلِ الْعَارِضِ فِي السَّفَرِ ؛ تَنْبِيهًا بِذَلِكَ عَلَى سَائِرِ أَنْوَاعِ الِاجْتِمَاعِ".

قال الشوكاني -رحمه الله- في "نيل الأوطار": "فَمَعَ عَدَمِ التَّأْمِيرِ يَسْتَبِدُّ كُلُّ وَاحِدٍ بِرَأْيِهِ، وَيَفْعَلُ مَا يُطَابِقُ هَوَاهُ فَيَهْلِكُونَ، وَمَعَ التَّأْمِيرِ يَقِلُّ الِاخْتِلَافُ وَتَجْتَمِعُ الْكَلِمَةُ، وَإِذَا شُرِّعَ هَذَا لِثَلَاثَةٍ يَكُونُونَ فِي فَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ أَوْ يُسَافِرُونَ، فَشَرْعِيَّتُهُ لِعَدَدٍ أَكْثَرَ يَسْكُنُونَ الْقُرَى وَالْأَمْصَارَ وَيَحْتَاجُونَ لِدَفْعِ التَّظَالُمِ وَفَصْلِ التَّخَاصُمِ أَوْلَى وَأَحْرَى".

  • رابعاً:

كل من دخل تحت إمرة هذا الأمير فيجب عليه السمع والطاعة له فيما يتعلق بتنظيم أمور الحرب وشؤونها. ولا بأس بأخذ العهد من الناس على السمع والطاعة للأمير بأي صيغة كانت، ما لم تشتمل على مخالفة شرعية.

وتسمية هذا العهد "بيعة " -وإن كان مقبولاً من حيث الأصل اللغوي- إلا أنا لا نرى إطلاقه على العهد القائم بين قائد الكتيبة والمقاتلين معه؛ تجنباً لالتباسها بالبيعة الواردة في النصوص الشرعية، ولئلا يُظن أنه يلزم فيها ما يلزم في بيعة الحاكم الشرعي من الطاعة في كل كبيرة وصغيرة - بالمعروف- وتحريم الخروج وغير ذلك.

فليس لهذا القائد أو الأمير ما للحاكم الشرعي من الحقوق، ولا تُنزَّل عليه النصوص التي وردت في حق الحاكم، وليس له إلزام أتباعه بالطاعة المطلقة، بل تجب له الطاعة فيما وكل إليه من أمر الجهاد خاصة.

  • خامساً:

من دخل تحت إمرة أحد قادة الكتائب وأعطاه العهد على السمع والطاعة في أمور الحرب، فالواجب عليه الوفاء بعهده، لعموم النصوص الحاثة على الوفاء بالعقود، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، وقوله : (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [النحل: 91].

وليس له نكث عهده بسبب مشاحنة أو اختلاف في وجهات النظر، لما يسببه ذلك من تخلخل الصفوف، وإضعاف الكتائب. وله أن يطلب الإقالة من هذا العهد، وذلك بعد إبراء ذمته بتسليم عهدته من عتاد وسلاح إن كان استلمها منهم.

ويتحلل المرء من العهد بانتهاء الغرض الذي أعطي له، كانتهاء القتال ونحوه، ولا يلزمه أن يأتي بقول أو فعل ليتحلل منه، ولهذا لم يتحلل الصحابة رضوان الله عليهم من خالد بن الوليد رضي الله عنه بعد عودتهم من مؤتة.

نسأل الله أن يعظم أجر المجاهدين وأن يجزيهم خير الجزاء على دفاعهم عن الحرمات والأعراض والأموال، وأن يجمع كلمتهم ويسدد رميهم، وينصرهم نصرًا مؤزرًا عاجلاً غير آجل.
والله أعلم

الجمعة 2 نوفمبر 2012 م

1 - رواه مسلم
2 - رواه أحمد
3 - رواه البخاري
4 - رواه البخاري
5 - رواه أبو داود

إضافة تعليق جديد