الأحد 22 سبتمبر 2019 الموافق 22 محرم 1441 هـ

شبهات وردود

شبهات تنظيم الدولة وأنصاره والرد عليها: الشبهة التاسعة: تنظيم الدّولة يحارب الأعداءَ ويحقّق الانتصارات

16 رمضان 1437 هـ


عدد الزيارات : 747
عماد الدين خيتي

 

 

تقول الشُّبهة: تنظيمُ (الدّولة) يحارب الرّافضة و النّصيريين، وله في ذلك إنجازاتٌ هي الأكبر على السّاحة، وهي كبيرةٌ لا تُنكَر، فهو الذي قاتل الرافضةَ في العراق، وقصم النّصيرية وأنزل بها الهزائم، ومِن أهمها تحرير المطارات الثلاثة في الرقة، فكيف تقولون : إنه يقتل أهلَ الإسلام فقط، وتستدلّون بحديث: (يَقتلونَ أهلَ الإسلامِ، ويدَعون أهلَ الأوثان) ؟ والتّنظيمُ لم يترك قتالَ الرّافضة والنّصيرية؟ ثمّ ألا تدلّ تلك الانتصاراتُ على أنّهم مجاهدون صادقون؟


  • الإجابة عن هذه الشُّبهة: احتوت هذه الشُّبهة على عدّةِ مسائل توضيحُها فيما يلي:
  • أولًا:

أصلُ الشُّبهة هو الخطأ في فهم قول النّبي صلى الله عليه وسلم: (يَقتلونَ أهلَ الإسلامِ، ويدَعون أهلَ الأوثان) حيث فهمها بعضُهم أنَّ مِن صفات الخوارج أنَّهم يتركون قتالَ غيرِ المسلمين نهائيًا، وجعل هذا مقياسًا للحُكم على الأفكار والجماعات، وليس ذلك بصحيحٍ، لا شرعًا، ولا واقعًا.

  • فأمّا شرعًا:

فمعنى الحديث: أنَّه لـمّا كان يجب توجيهُ القتال إلى الكفّار فقط (أهلِ الأوثان)، فإنّ صرفَ شيءٍ منه إلى مَن لا يستحقّه (أهل الإسلام) هو تركٌ لقتالهم في هذا الموضع، كما قال تعالى عن قوم لوط: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ} [الشعراء: 165-166]، ومعلومٌّ أنّ قومَ لوط لم يتركوا إتيانَ النّساء بالكلّية، وإلا لانقطع نسلُهم، ولكنهم لما أتوا الذُّكران لشهوتهم حين كان ينبغي عليهم أن يأتوا النّساء، صاروا تاركين لإتيان النّساء بهذا المعنى.

وكما يُقال للزاني المحصن: أتترك ما أحلّ اللهُ لك وتذهب إلى ما حرم الله عليك؟ فهو حين أتى الحرامَ بدل الحلالِ في هذا الموضع سُمّي تاركًا لما أحلّ الله له، مع أنَّه لم يتركه بالكلية(د. معن كوسا)..

ولذلك لم يفهم العلماءُ مِن الحديث أنّه يعني تركَ قتالِ الكفّار بالكلّية، وأنّ مَن قاتل الكفّار أحيانًا يكون قد سلم مِن بدعة الخوارج، قال ابن تيمية رحمه الله: "وصاروا يُقاتلون إخوانهم المؤمنين بنوعٍ مما كانوا يقاتلون به المشركين، وربما رأوا قتال المسلمين آكَدَ ، وبهذا وَصَفَ النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج حيث قال: (يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدْعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ)"الفتاوى الكبرى (6/360)..

  • وأمّا واقعًا:

فإنَّ الخوارجَ على مرِّ التاريخ كانوا يقاتلون المسلمين أكثر من قتالهم للكفار، وأشدُّ نكاية، وأعظم ضررًا.

فالنتيجة:

أنَّ الخوارجَ يَستَحِلُّون مِن قتال المسلمين ما يستحلّون من قتال الكفار، ويعدُّون ذلك مِن الجهاد، بل يعدُّون قتال المسلمين أولى؛ لأنَّهم يحكمون عليهم بالكفر والرَّدة. - ثم إنَّ في قوله صلى الله عليه وسلم: (يَقتُلونَ) إشارةٌ إلى غدرهم بالمسلمين، وتسلُّطهم عليهم؛ لقربهم منهم، ومخالطتهم لهم، فلربَّما أَمِنَهم المسلمون، أو اغترُّوا بحالهم فانقلبوا عليهم. والتاريخُ يشهد على مرِّ العصورِ أنَّ الخوارج كانوا يتسلَّطون على المسلمين، فيقتلونهم دون تحرُّجٍ أو إعذار، كما فعلوا مع عبد الله بن خبَّاب بن الأرتّ رضي الله عنهما، وزوجه وولده، ويُسالمون أهل الكتاب، ويراعون فيهم ذمّةَ الله ووصية رسوله صلى الله عليه وسلمومِن تناقضات تنظيم (الدولة) في ذلك: أن بثُّوا أشرطة فيه تنفيذ حكم القتل بعدد من أفراد الفصائل في سورية، لأنَّهم قدروا عليهم قبل التوبة، وبالتالي فلا توبة لهم، بينما بثوا إصدارات فيه إعلان قبول توبة بعض النصيريين بعد أسرهم! وقد تكرَّر منهم هذا مرارًا. !.

وتنظيمُ (الدّولة) منذ ظهورِه لم يزل معظمُ قتاله وعملياته موجهًا ضدّ أهل السنة، بتهم الخيانة، والرّدّة، والصّحوات، وهذا ما عمل عليه في العراق، ثمّ سورية، ثمّ في أماكن ظهوره في مناطق المجاهدين في كلّ مِن فلسطين، وأفغانستان، وليبيا وغيرها، ولم يظهر له وجودٌ في دولٍ يزعم قتالها وحربها، كإيران، مثلاً!.

فهو بهذا المعنى الوارد في الحديث تاركٌ لقتال الكفّارِ حقيقةً، وإنْ وجّه لها بعض العمليات؛ فالعبرةُ بغالب العمل، ومنطلقه الشّرعي.

  • ثانيًا:

الزعم أنَّ تنظيم (الدّولة) هو أكبر الفصائل، أو أكثرها انجازات غير صحيح. فلم يكن التنظيم هو الأكبر ولا الأكثر إنجازًا في العراق، بل كان للفصائل الأخرى العمل الأكبر بشهادة أشخاصٍ مِن التّنظيم نفسه، فقد جاء في شهادة أبي سليمان العتيبي القاضي الأول في (دولة العراق الإسلامية):

"... وفي حقيقة الأمر يظنّ النّاسُ أنّ قيامَ (الدّولة) كان بعد مبايعة جماعات مجلس شورى المجاهدين لتنظيم القاعدة، ثم مبايعة شيوخ العشائر بحلف المطيّبين، وليس الأمر كذلك البتة، وإنّما بايع رؤوس هذه الجماعات كسرايا الجهاد، وسرايا الغرباء، وجيش أهل السنة، وكتائب الأهوال، وجيش الطائفة المنصورة... وهم أناسٌ لا علاقة لهم بالجهاد الحقيقي في السّاحة، بل منهم مَن لم يحمل السّلاح في حياته كلّها، ومنهم مَن ليس له أتباعٌ أصلًا، وإنّما هي أسماءٌ مجرّدة، فبايعوا واشترطوا إمّا بلسان الحال أو المقال أن يتولّوا مناصب في هذه الدّولة التي ستُعلن، ووقع الأمرُ كما أرادوا. وأنا أشهد بالله العظيم على ذلك بحكم قربي مِن أبي حمزة المهاجر، ولم يتدخل شيوخُ العشائر المعروفون كما يصرحّ كثيرًا أبوحمزة" انتهىوللمزيد ينظر: رسالة الشيخ أبي سليمان العتيبي للقيادة في خراسان، http://syrianoor.net/article/9380، وقد أوضح العتيبي في رسالته أخطاء عديدة، وانحرافات كبيرة للتنظيم أدت لاستقالته من منصب القضاء، واعتزال التنظيم..

وأمّا في سورية: فالأمرُ أشهر مِن أن يوضّح؛ فالتّنظيمُ لم يدخل إلا متأخّرًا بعد انطلاق الثّورة التي حرّرت مساحات كبيرة مِن البلاد، ثم بدأت سيطرةُ التنظيم على بعض تلك المناطق لعوامل عديدة سيأتي ذكرها.

وكذلك حاله في جميع المناطق التي ظهر فيها فيما بعد.

  • ثالثًا:

يعتمد تنظيمُ (الدّولة) على تضخيم وجوده، وأعماله، ومنجزاته، والتّهويل منها، مِن خلال أعمال إعلامية احترافية، تقوم على عدّة مرتكزاتٍ، منها:

1. نفسية، تخاطب العاطفةَ مِن خلال:

  • التركيز على أنَّ التنظيم هو الأكبر والأضخم في السّاحة الجهادية، والوحيد الذي استطاع تحويل حلم الدّولة الإسلامية والخلافة - الذي تنتظره الأمّةُ منذ أمدٍ طويل- إلى واقعٍ متحقّق، مع التّأكيد على استخدام الألفاظ ذات المدلول الضّخم، كالدّولة الإسلامية، أو الخلافة، واستدعاء الأمجاد السّابقة بتسميات تاريخية لمختلف أعمالهم، (كالوالي، وبيت المال) ونحوها. وتصوير الأوضاع في مناطق سيطرة التنظيم تصويرًا مثاليًا لا شائبة فيه، ينعم بالرخاء والاستقرار وإقامة دين اللهومن طرائف ذلك: نشر التنظيم لإصدارات تصور الحياة في مناطق وجوده عن (صناعة الخبز في مدينة كذا، أو صناعة النسيج في ولاية كذا، أو صور منشآت من جسور أو مصانع أو مستشفيات ونحوها)، وهي مما ليس للتنظيم فيها يدٌ أو عمل، بل هي إما مملوكة للسكان، أو من منشآت الدولة قبل أن يظهر التنظيم. بل يعمد التنظيم إلى نشر صور طبيعية لبحيرات، أو مراعٍ ونحو ذلك من المظاهر الطبيعية أنعم الله بها على تلك المناطق، ويعدّها من الرخاء الذي منَّ الله به عليهم! كما يعمد التنظيم إلى نشر خرائط تظهر سيطرته على معظم العراق وسوريا، وأنَّه قاب قوسين أو أدنى من إحكام السيطرة عليهما، بينما لا تعدو سيطرته على بعض المدن، والطرق بينها، أما الغالبية العظمى من المناطق فهي إما صحارٍ غير مأهولة وليس عند التنظيم ما يغطي حراستها أو البقاء فيها، أو يوجد فيها أعداد قليلةٌ من مقاتليه. فيظن الجاهل بالمنطقة وغير العارف بها أن منجزات التنظيم عظيمة، ويستقي رسالة مفادها أن دولة التنظيم مستقرة ثابتة الأركان، وأنَّ لها منجزات تنموية ضخمة..
  • تعمُّد إظهار القوة والعنف وبثّ الرّعب في قلب الخصوم، بالترّكيز على مشاهد التّفجير، والتّدمير، والإسراف في تصوير عمليات القتل، ومشاهد الذّبح، وقطع الرؤوس، وغيرها، مع استخدام ألفاظ التشفي والانتقام مِن الأعداء ونصرة المستضعفين؛ لذا فإنّها تعمد إلى تسمية منتجاتها بأسماء رنانة ذات مدلول إيحائي معيّن، كإصدار (فشرد بهم من خلفهم) مثلًا، مما يؤدّي لرسوخ صورة البطل الذي لا يهزم، والأسطورة التي ليس لها مثيل.

وفي المقابل تصمتُ عن الهزائم والخسائر ولا تذكرها، وإن ذُكرت فيجري التّعرض لها سريعًا تحت شعار: الحرب سجال!

2.  شرعية تقوم على إظهار التّنظيم أنَّه المشروع الجهادي الشرعي الوحيد،

مع مهاجمة الخصوم وإسقاطهم واتهامهم بشتى الاتهامات و أقساها، والغضّ مِن حجمهم ومنجزاتهم، حتى ليخيل إلى السّامع أنَّه لا يوجد مقاتلون إلا هم. وتؤدّي هذه السياسة الإعلامية إلى اجتذاب عامّة النّاس، وخاصّة طبقة الشّباب المتحمِّس، وإلى تجنيدهم مدافعين ومروجين للتّنظيم، ممّا يعطي انطباعًا غير حقيقي عن حجمه وأعداد مناصريه وأتباعه.

  • رابعًا:

يعتمد تنظيمُ (الدّولة) في وجوده وتوسعه على سياسة النّشاط في المناطق الرخوة، والخارجة عن سيطرة الأنظمة الحاكمة في الدول الإسلاميةوعلى الرغم من مرور السنواتِ الطوال على ظهور تنظيماتِ الغلو هذه، وتهديدها للشرق والغرب فإنها لم تستطع أن تجدَ لها موطئَ قدم في الدول غير الإسلامية، مما يوضَّح حقيقة قدرة هذه التنظيمات، ودور الدول الأخرى في إفساح المجال لها للعبث في مناطق السنة بهدفِ إنهاك هذه المناطق وتدميرها، مستغلين ما هو معروف من معتقدات هذه الجماعات في تقديمِ (قتال المرتدين) على المشركين. كما يُحقق هذا الوجودُ (إنجازًا ما) لتلك الجماعات في مقابل عجزها عن الوجود في تلك الدول، وتستغله في الترويجِ لمشروعها وأهدافها.، بما يحقّق له وجودًا قويًا وانتصارات سهلة بسبب أوضاع المناطق التي تسود فيها فوضى الحروب والنزاعات.

ففي العراق لم يظهر التنظيم إلا في مناطق السُّنة، وهي المناطق هي التي تشهد فعليًا حركة جهاد ومقاومة سنيّة كبيرة، على الرّغم مِن مرور السنوات الطوال على ظهوره، والتي كانت كافية له بالتمدُّد إلى مناطق الشيعة في العراق أو إيران، إلا أنه لم يفعل، أو لم يستطع، مع تكرار التّحدي الإيراني بالاقتراب مِن الحدود الإيرانية على لسان عدّة مسؤولين!

وكذلك الحال في سورية: حيث لم يظهر التنظيم إلا في المناطق السُّنية التي ينشط فيها الثّوار وقاموا بتحريرها مِن قوات النّظام قبل أنْ يُعلن تنظيمُ (الدّولة) عن نفسه، فقام بالسّيطرة عليها بعد الغدر بالمجاهدين على الجبهات، كما حصل في كلٍّ مِن الرقة، ودير الزور، والقلمون، وغيرهاويلحظ أنَّ ظهور التنظيم في مناطق السنة قد أضر بأهل السنة اقتصاديًا دون أن يضر بالمناطق الأخرى، ففي العراق سيطر التنظيم على المقدرات الاقتصادية من مصانع، ومخازن حبوب، وسدود، ونحو ذلك، بينما بقيت مناطق النفط، والممرات المائية بيد النظام. وفي سوريا سيطر التنظيم على المناطق النفطية التي خرجت من يد النظام، كما سيطر على المصانع، والمخازن، والسدود، ولم يتأثر النظام بها حيث بقي له تمويله الخاص من إيران وروسيا، واستمرت المحروقات وغيرها تأتيه من التنظيم عبر وسطاء. والخاسر الوحيد في كلا الحالتين الثورتان السُّنيتان! .

ويمثِّل هذا العمل انتهازيةً قائمةً على التمدُّد على حساب الغير، والتّخلص ممّن كانوا شركاءه أو سبقوه في العمل، بينما يُصورها إعلامه على أنَّها تطهيرٌ للأرض مِن الفاسدين، وتحقيقٌ لوعد الله بتمكين المجاهدين الصّادقين!

وبعد إلحاق الهزيمة بهذه التّنظيمات يُعرض على أفرادها الانضمام إليهم، فلا يكون أمامَ غالبية النّاس إلا الانضمام إليهم، إمّا خوفًا مِن انتقام التنظيم كما ثبت عليه القتل بتهمة العمالة، أو بسبب انهيار بعض الأشخاص حيث يجد المهزوم في ذلك فرصةً لكي يعيد الاعتبارَ لنفسه، وأن يصبح جزءًا مِن تنظيم قويّ، ممّا يُكسب التنظيم مزيدًا مِن الأتباع، ويُصوَّر ذلك على أنَّه شعبية كبيرةٌ للتنظيم، ورضًا بمنهجه.

  • خامسًا:

أمّا انتصارات التّنظيم: فمع تحقيق التنظيم لبعض الإنجازات والانتصارات، إلا أنها لا تقارن بما أنجزته فصائل المجاهدين منذ اندلاع الثورةوبنظرة سريعة في إحصائيات الثورة السورية خلال السنوات السابقة: فإنَّ خسائر النظام السوري منذ أن انطلقت شرارة العمليات العسكرية -على وجه التقريب- كما يلي: 1- أكثر من (70.000) ألف جندي، منهم ما يقارب (30.000) نصيري "علوي". 2- أكثر من 3700 دبابة وآلية عسكرية. 3- حوالي 100 طائرة. 4- بالإضافة لعدد كبير من كبار الضباط والرتب العسكرية العالية. وبالنظر في إعلانات معارك تنظيم (الدولة) والتي تكاد تنحصر في المطارات الثلاثة في الرقة، والتي كانت الخسائر فيها تقارب (1000) قتيل، ولو زادت لما تجاوزت بأقصى حساباتها (5000) قتيل خلال سنوات الثورة. بالإضافة لعدد الثكنات العسكرية التي حررتها الفصائل الأخرى، وقتلى كبار الضباط. فإذا كان الحساب بكمية الانتصارات والإنجازات فما قيمة ما قام به التنظيم أمام عمل بقية الفصائل الأخرى؟ (وهذه الإحصائيات منذ إعداد الكتاب للطبعة الأولى، لم يدخل فيها تحرير إدلب، والمناطق المحررة مؤخرًا في الغوطة).، ومع ذلك فلا بدَّ مِن وقفةٍ معها، ويمكن الاقتصار في هذا المختصر على وقفتين صدرت العديد من التحليلات السياسية والعسكرية للانتصارات الكبيرة لتنظيم (الدولة)، وللتمثيل ينظر: (أحداث العراق الأخيرة ومشاركة تنظيم (الدولة) فيها) http://islamicsham.org/article/1837، و(من الموصل إلى تدمر .. الرهان على "حصان" داعش) http://syrianoor.net/revto/12614.:

  • الوقفة الأولى: الاستيلاء على الموصل:

شهدت عمليات المقاومة العراقية نشاطًا كبيرًا في عامي 2013م، و2014م، على الرّغم مِن ضعف التّغطية الإعلامية لها، وكانت شاملةً لكافّة المكوّنات السّنيّة مِن عشائرَ وفصائل، ثمّ كان الحراكُ السّني الذي أربك النّظامَ الطّائفي، وشمل غالبَ مناطق السّنّة، واستطاع توحيدَ كلمتِهم، مع عجز النّظام عن اختراق هذا الحشد لشهورٍ طويلة، والذي بدأ يتحرّك ويتوسّع باتجاه مناطقَ جديدةٍ، وأهمُّها بغداد.

وفي هجومٍ مفاجئٍ سيطر تنظيمُ (الدّولة) على الموصل في الشهر السادس مِن 2014م بعد أن كان محصورًا في بضع مناطق صحراوية، بعد أن أصدر عدة بيانات في تخوين الحشد السني والطعن بهم لرفعهم شعاراتٍ سلمية، واعتبار ذلك رضوخًا للطواغيت، وتخاذلًا عن نصرة الدّين!.

واستولى التنظيمُ خلال هذا الهجوم على كمياتٍ هائلةٍ مِن أموال البنوك، والأسلحة الحديثة، استُخدمت فيما بعدُ في حصار وضرب الفصائل المجاهدة في سورية، وظهر ذلك في إصدارات التّنظيم.

رافق ذلك حريةٌ كبيرةٌ لتحرك التّنظيم قبل الاستيلاء على الموصل وبعده بأرتالٍ كبيرة بين بعض المناطق العراقية، وبين سورية والعراق بعد انسحاب قوات حرس الحدود العراقية، وعدم تعرّضها لضربات النّظامين العراقي والسوري. ثم نشر تنظيم (الدّولة) عدة إصدارات إعلامية منتجة بطريقةٍ احترافية يعزف فيها على وتر هدم حدود سايكس بيكو، وظهور (الخليفة) لإثبات وجوده، ونفي الجهالة عنه.

وكان مِن نتائج سقوط الموصل ونقل هذه الأسلحة:

  1. ضرب الحراك السّنّي في العراق وإنهاؤه بما لم يستطع النّظام العراقي على مدى عام فعله.
  2. روَّج النظام العراقي لما يجري أنه عمليات إرهابية من تنظيم (الدولة)، فحشد لضرب مناطق أهل السنة قوات من العراق وإيران، وحصل على دعم المجتمع الدولي وتأييده.
  3. الطعن في خاصرة المجاهدين في سورية، وإنهاء وجود الجماعات الجهادية في العديد مِن المناطق، مع قتل المئات منهم.
  4. فتح الباب لدخول القوّات الإيرانية للمعركة علانيةً دون مواربة عبر الحدود التي أسقطها التنظيم! وتحت صمتٍ بل سماحٍ عالمي بحجّة محاربة إرهاب التنظيم!

مع ظهور تساؤلات هامة عن هذه الأحداث، من قبيل: سِرّ زيارة مسؤولين إيرانيين لبعض مناطق الموصل والحدود العراقية السورية قبل الأحداث بمدة يسيرة.

  • الوقفة الثانية: الاستيلاء على تدمر:

بعد شهورٍ طويلةٍ مِن هدوء جبهات القتال استولى التنظيمُ سريعًا على مدينة تدمر الحصينة المنيعة واحتلّها في بضعة أيام، مع قلّة خسائر النّظام السوري، وانسحاباته مِن عدة مناطق لا تقتضيها الطبيعة الحربية، وانسحابه مِن معبر التّنف على الحدود مع العراق دون قتال.

ومدينة تدمر تعتبر امتدادًا لصحراء الأنبار التي سقطت قبل ذلك بأيام قلائل بيد التّنظيم بطريقةٍ مدهشة كذلك، كما تُعدّ تدمر مِن المستودعات الضخمة للسلاح والذخيرة للنظام السوري، والتي تركها دون تدمير كما يفعل عادة، بالإضافة إلى أنها بحسب موقعها الاستراتيجي عقدةُ مواصلاتٍ تتيح لمن يتحكم بها أن يتوجه إلى مختلف المناطق السورية، وقطع شرايينها، ومحاصرة أيّ منطقة فيها.

وبالنظر إلى النّجاح الكبير الذي حصده النّظامان السوري والعراقي بعد سقوط الموصل، وظهور تناغم كبير بين تحركاتهما وتحركات التّنظيم، وقيام التّنظيم بما عجز عنه النّظامان في كل ٍّمِن العراق وسورية بسبب عقيدته التّكفيرية الغالية، وما تتضمنه مِن تقديم قتال (المرتدين)، وإلى أهمية مدينة تدمر عسكريًا، واستراتيجيًا، فقد كان مِن المتوقع: أنه أريد لمنطقة تدمر أن تكون نقطة ارتكاز للتنظيم للانطلاق شمالًا وجنوبًا وغربًا لضرب التّنظيمات الجهادية، وقطع الطرق عليها، مستخدمًا ما تحصّل لديه مِن أسلحة وأفرادٍ، ويمكّنه مِن وصل مناطق نفوذه وطرقه بعضِها ببعض، فيضغط على هذه الفصائل بقوة. بل إنّ ذلك سيؤدي إلى وقف زحف الفصائل المجاهدة إلى منطقة السّاحل؛ حيث إنّ ظهرها سيكون مكشوفًا له بالكامل، كما سيؤدّي إلى تقطيع أوصال المناطق المحررة بالكامل وفك الارتباط بينها. وهو ما تحقّق فعلًا خلال الشهور الماضية.

وبهذا يتبيَّن بما لا يدع مجالًا للشكّ أنَّ هناك إرادةً مبيّتةً لاستدراج التنظيم وتيسير السّبل أمامه للاستيلاء على هذه المناطق، والكمّيات مِن الأسلحة، ومِن ثمّ توظيفه لحصار أهل السّنّة، والقضاء على التّنظيمات الجهادية الأخرى بذريعة محاربة المرتدّين! ثمّ اتخاذ وجوده ذريعة للهجوم على تلك المناطق وإعادة إخضاعها للنظام أو عملاء آخرين، بحجّة القضاء على الإرهاب.

فضلاً عن الدلائل المتزايدة عن اختراق التنظيم من عدة أجهزة استخبارات على مستويات قيادية من جهة، ووجود تواصل مباشر وتنسيق بين بعض قيادات التنظيم وبعض رجالات هذه الأنظمة.

وأنَّ النظامين العراقي والسوري لم يقاتلا التّنظيم قتالًا حقيقيًا كما يقاتلون غيرَه مِن التنظيمات، بل على العكس: كان وجود التّنظيم في مكانٍ ما حائلًا بين المجاهدين وبين السّيطرة على بعض المناطق التي يحتلّها النّظام، وما إنْ خرج التّنظيم منها ودخلها المجاهدون حتى فتحها اللهُ عليهم. وكذا الحال بالنسبة لتحرير بعض السّجون في العراق، والاستيلاء على مطارات الرقّة الثلاثة في سورية، والتي ما زال الشّكّ يدور حول كيفية حصول ذلكتمتاز السجون العراقية بأنَّها شديدة التحصين والمراقبة، ومع ذلك تكرر حدوث عمليات فرار جماعية للمئات من عناصر التنظيم، وغالبًا ما تقع عمليات الفرار هذه قبل عمليات كبيرة للتنظيم، كما حدث قبيل تمدده في سوريا،. ويلحظ في عملية الفرار الأخيرة أنها ترافقت مع الاستيلاء على البنوك والمؤسسات المالية في الموصل، وكذلك الأسلحة الحديثة، فاجتمع للتنظيم القوة البشرية، والمالية، والعسكرية! أما المطارات الثلاثة في الرَّقة، فقد كانت محاصرةً من بقية الفصائل وبعضها كان على وشك السقوط، لولا مهاجمة التنظيم لهم: 1- فسقطت في يد التنظيم بعد أن انسحب غالب جنود النظام وخاصة كبار الضباط من خلال ممرات آمنة، ولم يُمَسُّوا بسوء. 2- لم تستمر المعارك إلا بضعة أيام، بينما في مناطق أخرى يخوض فيها المجاهدون قتالًا ضد النظام يستمر فيها شهورًا طويلة. 3- لم يستخدم النظام في قتاله للتنظيم إلا قوة نارية يسيرة، في مقابل ما يستخدمه في معاركه ضد الفصائل الأخرى، من عشرات الآلاف من القذائف، والصواريخ، ومئات الطلعات الجوية، بل والسلاح الكيميائي..

  • سادسًا:

حقيقة حرب التحالف مع التنظيم:

للمرة الأولى في التاريخ يُعلن عن إنشاء حلف يتكون مِن 40 دولة، وبميزانية تُقدر بمليارات الدّولارات للقضاء على (تنظيم) لا يتمتع بمقوّمات البقاء، فضلًا عن بناء دولة، وبعد مرور شهور طويلة على بدء الحملة فإن نتائجها هزيلة للغايةفي مقابل الحرب على النظام العراقي الأسبق والذي كان يُعد الجيش الرابع في العالم! فقد تحالفت (49) دولة في معركة استمرت منذ 20/ 3 مارس / آذار 2003م إلى إعلان انتهاء العمليات الحربية في 1/ 6 مايو/ أيار 2003م، أي قرابة الشهرين ونصف.، ويُلحظ فيها ما يلي:

  • تصريح العديد مِن قادة دول التّحالف أنَّ ضرباتهم لا تسعى إلى إسقاط التّنظيم، بل إلى تحجيمه، وأنَّ الحرب على التنظيم ستمتد لأكثر مِن عشر سنين، وربما لثلاثين سنة!
  • غض النظر عن المسافات الطّويلة التي تقطعها أرتال تنظيم (الدّولة) وهي تتنقل بين العراق وسورية، وتنقل آلاف المسلحين، والآليات الضّخمة، دون التّعرّض لهابل نقلت وسائل الإعلام تصريحًا لأحد جنود البيشمركة تأكيده على منع القيادة لهم من التعرض لخطوط إمدادات التنظيم من العراق إلى سوريا..
  • بقيت الغارات على مناطق سيطرة التّنظيم محصورة في مساحات جغرافية قليلة، بينما بقيت غالب مناطقه تتمتع بأمان نسبي في مقابل مناطق سيطرة الفصائل الأخرىوقد صرح جون ماكين -رئيس لجنة الشؤون العسكرية التابعة للكونغرس في مقابلة مع CNN أن "75 في المئة من الغارات الجوية تعود لقواعدها دون إلقاء القنابل، ذلك بسبب عدم وجود أي أحد على الأرض يمكن أن يعطيهم قدرة على تحديد الأهداف"!.
  • كان التحالف جادًّا في حالةٍ واحدةٍ حين اتجه التّنظيم –أو استدرج- إلى مناطق الأكراد في العراق وسورية، فضرب بقوة، وتم تقليم أظافره بعنفٍ في معارك خسر فيها العديد مِن قادته وقواته وأسلحته، فارتدّ إلى مناطق السنّة يعمل فيها قتلًا وتشريدًا دون أنْ ينبس ببنت شفةٍ عن تلك الأحداثحسب تقريرٍ أعدَّه موقع أورينت فإنَّ (75 %) من الغارات كانت من نصيب بلدة عين العرب الصغيرة، "حيث تقول الإحصائيات حسب الصحيفة بأن (428) غارة جوية استهدفت مواقع داعش في مدينة "عين العرب"، بينما قام التحالف بتنفيذ (21) غارة على مواقع داعش في محافظة حلب، من أصل (559) غارة شنها التحالف منذ الأول من أيلول حتى 30 كانون الاول الماضي"..

وهو ما يوضح أنّ التحالفَ حريص على حصر التّنظيم في مناطق السّنّة، وهو سيقوم بدوره شرَّ قيام، مدفوعًا بعقيدته المنحرفة، وتخيلاته المريضة في الانتقام من المجاهدين باعتبارهم عملاء التحالف!

وحتى بعد حصول الاعتداء الروسي تحت مزاعم ضرب التنظيم فإنَّ جميع الإحصاءات تشير إلى أنَّ الضربات الروسية قد تركزت على الفصائل الأخرى المعادية للتنظيم، والمناطق المدنية، وكانت الخسائر فيها بالمئات، والدمار هائلاً(15)ففي تصريح صحفي للائتلاف السوري أوضح أنَّه "منذ اليوم الأول للعدوان الروسي على سورية كانت الاستراتيجية واضحة لا لبس فيها، فالمدنيون يقعون على رأس الأهداف الروسية، وذلك بقصد قتلهم أو تهجيرهم، فقد أسفرت الغارات التي شنتها طائرات الاحتلال الروسي حتى يوم (٢٦ شرين أول) عن استشهاد ١٥١١ مدنيًا، بينهم نساء وأطفال، وتدمير ١٢ مشفى ومركزا طبيا، إضافة إلى مدارس ودور عبادة ومؤسسات خدمية ومناطق أثرية"..

  • لم يدعم التّحالفُ أيًا مِن مناوئي التّنظيم سوى بعض التنظيمات الكردية الانفصالية، ذات خلفية فكرية مخالفة لهوية البلاد، مما ينبئ بملامح الدّور الذي يراد لهذه التنظيمات القيام بها، وربما ملامح التخطيط القادم.
  • لم يقم التّحالف بعملٍ جادٍّ لمنع آلاف المهاجرين مِن دوله، بما فيهم خبرات علمية دقيقة، تسهم في دعم التنظيم وتقويته.

مما يعني أنّ الحلف الدّولي ليس جادًا في إنهاء التّنظيم حاليًا، وبذلك يبقى عامل جذب للشّباب المتحمّس، فيتمّ حرقُهم في أتون هذا التّنظيم ومعاركه العبثية الإجرامية، إلى أنْ يحين القضاء عليه بعد استنفاد أسباب وجوده.

وجميعُ ما سبق يؤكّد أنَّ (الانتصارات) التي يسجّلها التّنظيم ليست بسببِ جهوده القتالية، أو صحّة منهجه، بل لوجود إرادةٍ ما بتضخيمِ هذا التّنظيم ليؤدّي دورًا يراد منه في المناطق التي تشهد مقاومةً سنّيّة، سواء كان ذلك بالتّوظيف، أو التّسهيل، أو الاستدراج، أو الاختراق.

ولا يمنع هذا من وقوع العديد من الضحايا والخسائر في صفوف النظامين الطائفيين، لكنها خسائر يسيرة مقابل الفوائد الكبيرة التي سيحصلون عليها.

  • سابعًا:

لو كان تحقيق الانتصاراتُ دلالةً على صحّة المنهج لكان ذلك دليلًا لبقية الفصائل العسكرية السورية والعراقية وغيرها، ولا خصوصية لاحتكار تنظيم (الدولة) ذلك. وهل لو حقق (حزب الله) انتصارًا على إسرائيل أن يعدَّ ذلك دلالةً على صحة منهجه؟

إنَّ مجرد تحقيق انتصار عسكري أمرٌ يشترك فيه المسلم والكافر، صحيح العقيدة والمنحرف عن المنهج الصحيح، وليس حكرًا على المسلم أو صحيح العقيدة بحيث يُعدُّ دلالة على صحة المنهج أو سلامة المعتقد.

  • والخلاصّةُ:

أنَّ ما يُشاع عن انتصارات تنظيم (الدّولة) إنما هو في حقيقته استيلاءٌ على مناطقَ حرّرها المجاهدون مِن قبل، أو مناطقَ تركتها له الأنظمةُ الطّائفية لتستخدمه في تحقيق أهدافها، بينما معظمُ أعماله العسكرية موجهةٌ ضدّ بقية الفصائل المجاهدة، وأمّا جهوده الحقيقية في قتال النّظام لا تكاد تُذكر.

ولو حصل قتالٌ وحقّق التّنظيمُ انتصاراتٍ، فإنَّ ذلك لا ينفي عنه العقائدَ الخارجيّة الغالية، ولا يعفيه مِن دماء المسلمين في رقبته.

المصدر: كتاب "شُبهات تنظيم "الدولة الإسلامية" وأنصاره والرَّد عليها" الشبهة التاسعة، د. عماد الدين خيتي

1 - (د. معن كوسا).
2 - الفتاوى الكبرى (6/360).
3 - ومِن تناقضات تنظيم (الدولة) في ذلك: أن بثُّوا أشرطة فيه تنفيذ حكم القتل بعدد من أفراد الفصائل في سورية، لأنَّهم قدروا عليهم قبل التوبة، وبالتالي فلا توبة لهم، بينما بثوا إصدارات فيه إعلان قبول توبة بعض النصيريين بعد أسرهم! وقد تكرَّر منهم هذا مرارًا.
4 - وللمزيد ينظر: رسالة الشيخ أبي سليمان العتيبي للقيادة في خراسان، http://syrianoor.net/article/9380، وقد أوضح العتيبي في رسالته أخطاء عديدة، وانحرافات كبيرة للتنظيم أدت لاستقالته من منصب القضاء، واعتزال التنظيم.
5 - ومن طرائف ذلك: نشر التنظيم لإصدارات تصور الحياة في مناطق وجوده عن (صناعة الخبز في مدينة كذا، أو صناعة النسيج في ولاية كذا، أو صور منشآت من جسور أو مصانع أو مستشفيات ونحوها)، وهي مما ليس للتنظيم فيها يدٌ أو عمل، بل هي إما مملوكة للسكان، أو من منشآت الدولة قبل أن يظهر التنظيم. بل يعمد التنظيم إلى نشر صور طبيعية لبحيرات، أو مراعٍ ونحو ذلك من المظاهر الطبيعية أنعم الله بها على تلك المناطق، ويعدّها من الرخاء الذي منَّ الله به عليهم! كما يعمد التنظيم إلى نشر خرائط تظهر سيطرته على معظم العراق وسوريا، وأنَّه قاب قوسين أو أدنى من إحكام السيطرة عليهما، بينما لا تعدو سيطرته على بعض المدن، والطرق بينها، أما الغالبية العظمى من المناطق فهي إما صحارٍ غير مأهولة وليس عند التنظيم ما يغطي حراستها أو البقاء فيها، أو يوجد فيها أعداد قليلةٌ من مقاتليه. فيظن الجاهل بالمنطقة وغير العارف بها أن منجزات التنظيم عظيمة، ويستقي رسالة مفادها أن دولة التنظيم مستقرة ثابتة الأركان، وأنَّ لها منجزات تنموية ضخمة.
6 - وعلى الرغم من مرور السنواتِ الطوال على ظهور تنظيماتِ الغلو هذه، وتهديدها للشرق والغرب فإنها لم تستطع أن تجدَ لها موطئَ قدم في الدول غير الإسلامية، مما يوضَّح حقيقة قدرة هذه التنظيمات، ودور الدول الأخرى في إفساح المجال لها للعبث في مناطق السنة بهدفِ إنهاك هذه المناطق وتدميرها، مستغلين ما هو معروف من معتقدات هذه الجماعات في تقديمِ (قتال المرتدين) على المشركين. كما يُحقق هذا الوجودُ (إنجازًا ما) لتلك الجماعات في مقابل عجزها عن الوجود في تلك الدول، وتستغله في الترويجِ لمشروعها وأهدافها.
7 - ويلحظ أنَّ ظهور التنظيم في مناطق السنة قد أضر بأهل السنة اقتصاديًا دون أن يضر بالمناطق الأخرى، ففي العراق سيطر التنظيم على المقدرات الاقتصادية من مصانع، ومخازن حبوب، وسدود، ونحو ذلك، بينما بقيت مناطق النفط، والممرات المائية بيد النظام. وفي سوريا سيطر التنظيم على المناطق النفطية التي خرجت من يد النظام، كما سيطر على المصانع، والمخازن، والسدود، ولم يتأثر النظام بها حيث بقي له تمويله الخاص من إيران وروسيا، واستمرت المحروقات وغيرها تأتيه من التنظيم عبر وسطاء. والخاسر الوحيد في كلا الحالتين الثورتان السُّنيتان!
8 - وبنظرة سريعة في إحصائيات الثورة السورية خلال السنوات السابقة: فإنَّ خسائر النظام السوري منذ أن انطلقت شرارة العمليات العسكرية -على وجه التقريب- كما يلي: 1- أكثر من (70.000) ألف جندي، منهم ما يقارب (30.000) نصيري "علوي". 2- أكثر من 3700 دبابة وآلية عسكرية. 3- حوالي 100 طائرة. 4- بالإضافة لعدد كبير من كبار الضباط والرتب العسكرية العالية. وبالنظر في إعلانات معارك تنظيم (الدولة) والتي تكاد تنحصر في المطارات الثلاثة في الرقة، والتي كانت الخسائر فيها تقارب (1000) قتيل، ولو زادت لما تجاوزت بأقصى حساباتها (5000) قتيل خلال سنوات الثورة. بالإضافة لعدد الثكنات العسكرية التي حررتها الفصائل الأخرى، وقتلى كبار الضباط. فإذا كان الحساب بكمية الانتصارات والإنجازات فما قيمة ما قام به التنظيم أمام عمل بقية الفصائل الأخرى؟ (وهذه الإحصائيات منذ إعداد الكتاب للطبعة الأولى، لم يدخل فيها تحرير إدلب، والمناطق المحررة مؤخرًا في الغوطة).
9 - صدرت العديد من التحليلات السياسية والعسكرية للانتصارات الكبيرة لتنظيم (الدولة)، وللتمثيل ينظر: (أحداث العراق الأخيرة ومشاركة تنظيم (الدولة) فيها) http://islamicsham.org/article/1837، و(من الموصل إلى تدمر .. الرهان على "حصان" داعش) http://syrianoor.net/revto/12614.
10 - تمتاز السجون العراقية بأنَّها شديدة التحصين والمراقبة، ومع ذلك تكرر حدوث عمليات فرار جماعية للمئات من عناصر التنظيم، وغالبًا ما تقع عمليات الفرار هذه قبل عمليات كبيرة للتنظيم، كما حدث قبيل تمدده في سوريا،. ويلحظ في عملية الفرار الأخيرة أنها ترافقت مع الاستيلاء على البنوك والمؤسسات المالية في الموصل، وكذلك الأسلحة الحديثة، فاجتمع للتنظيم القوة البشرية، والمالية، والعسكرية! أما المطارات الثلاثة في الرَّقة، فقد كانت محاصرةً من بقية الفصائل وبعضها كان على وشك السقوط، لولا مهاجمة التنظيم لهم: 1- فسقطت في يد التنظيم بعد أن انسحب غالب جنود النظام وخاصة كبار الضباط من خلال ممرات آمنة، ولم يُمَسُّوا بسوء. 2- لم تستمر المعارك إلا بضعة أيام، بينما في مناطق أخرى يخوض فيها المجاهدون قتالًا ضد النظام يستمر فيها شهورًا طويلة. 3- لم يستخدم النظام في قتاله للتنظيم إلا قوة نارية يسيرة، في مقابل ما يستخدمه في معاركه ضد الفصائل الأخرى، من عشرات الآلاف من القذائف، والصواريخ، ومئات الطلعات الجوية، بل والسلاح الكيميائي.
11 - في مقابل الحرب على النظام العراقي الأسبق والذي كان يُعد الجيش الرابع في العالم! فقد تحالفت (49) دولة في معركة استمرت منذ 20/ 3 مارس / آذار 2003م إلى إعلان انتهاء العمليات الحربية في 1/ 6 مايو/ أيار 2003م، أي قرابة الشهرين ونصف.
12 - بل نقلت وسائل الإعلام تصريحًا لأحد جنود البيشمركة تأكيده على منع القيادة لهم من التعرض لخطوط إمدادات التنظيم من العراق إلى سوريا.
13 - وقد صرح جون ماكين -رئيس لجنة الشؤون العسكرية التابعة للكونغرس في مقابلة مع CNN أن "75 في المئة من الغارات الجوية تعود لقواعدها دون إلقاء القنابل، ذلك بسبب عدم وجود أي أحد على الأرض يمكن أن يعطيهم قدرة على تحديد الأهداف"!
14 - حسب تقريرٍ أعدَّه موقع أورينت فإنَّ (75 %) من الغارات كانت من نصيب بلدة عين العرب الصغيرة، "حيث تقول الإحصائيات حسب الصحيفة بأن (428) غارة جوية استهدفت مواقع داعش في مدينة "عين العرب"، بينما قام التحالف بتنفيذ (21) غارة على مواقع داعش في محافظة حلب، من أصل (559) غارة شنها التحالف منذ الأول من أيلول حتى 30 كانون الاول الماضي".
15 - ففي تصريح صحفي للائتلاف السوري أوضح أنَّه "منذ اليوم الأول للعدوان الروسي على سورية كانت الاستراتيجية واضحة لا لبس فيها، فالمدنيون يقعون على رأس الأهداف الروسية، وذلك بقصد قتلهم أو تهجيرهم، فقد أسفرت الغارات التي شنتها طائرات الاحتلال الروسي حتى يوم (٢٦ شرين أول) عن استشهاد ١٥١١ مدنيًا، بينهم نساء وأطفال، وتدمير ١٢ مشفى ومركزا طبيا، إضافة إلى مدارس ودور عبادة ومؤسسات خدمية ومناطق أثرية".

إضافة تعليق جديد