الجمعة 15 نوفمبر 2019 الموافق 17 ربيع اول 1441 هـ

شبهات وردود

شبهات تنظيم الدولة وأنصاره والرد عليها: الشبهة السابعة: وجود المهاجرين في صفوف تنظيم (الدّولة) دلالةٌ على صحّة المنهج

14 رمضان 1437 هـ


عدد الزيارات : 1715
عماد الدين خيتي

 

 

يستدل الغلاة على صحة منهجهم بأن بينهم مهاجرون تركوا ديارهم وأهليهم هجرة إلى الله وجهادًا في سبيله، وهذا يدلّ على أنَّهم على الحقِّ والمنهج الصّحيح!

وفي الرد على هذه الشبهة:

  • بيان حقيقة الهجرة، والتفسير الصحيح لنصوص الهجرة.

  • بيان الخلل في تكفير أهل الشام الذين قدموا لنصرتهم.

  • حكم النفير للجهاد بالتفصيل. 


 

تقول الشبهة: المهاجرون تركوا ديارَهم وأهلَهم هجرةً وجهادًا في سبيل الله، وهذا يدلّ على أنَّهم على الحقِّ والمنهج الصّحيح، وأكثرُهم موجودون في تنظيم (الدّولة)، مما يدلّ على صحة منهج التنظيم. 

الإجابة عن هذه الشبهة:

  • أولًا:

تسميةُ القادمين إلى سورية -وغيرها مِن بلدان الجهاد والمقاومة- بالمهاجرين غيرُ مُسَلّمة. فالهجرةُ لغةً تُطلق على معانٍ أهمها: القطعُ، والتّرك، التّباعد، والانتقال إلى بلاد أخرىينظر: تاج العروس تاج العروس من جواهر القاموس (14/397)، ولسان العرب (5/250).. وهي في الشّرع: تركُ دار الكفرِ، والخروجُ منها إلى دار الإسلامينظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب (1/72)، والتعريفات، للجرجاني ص (256)..

وإنما تكون الهجرةُ شرعيةً إذا كانت فرارًا بالدّين، أو نجاةً مِن الاضطهاد، قال القرطبي -رحمه الله- في قوله تعالى: {َاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً}[الأنفال: 25]: "قال علماؤنا: فالفتنةُ إذا عمّت هلك الكلُّ، وذلك عند ظهور المعاصي، وانتشار المنكر، وعدم التّغيير، وإذا لم تُغيَّر وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجرانُ تلك البلدة والهربُ منها. وهكذا كان الحكم فيمَن كان قبلنا مِن الأمم.. وبهذا قال السّلف رضي الله عنهم"تفسير القرطبي (7/932)..

وغالبيةُ هؤلاء جاؤوا مِن بلادٍ إسلامية غيرِ كافرة، ومَن جاء منهم مِن بلاد غير إسلامية لم يخرج منها فرارًا بدينه، ولا هربًا مِن اضطهادٍ أو مضايقة، بل كان يعيش فيها آمنًا مطمئنًا قبل انتقاله.

فلا يستقيم أن يُطلق على هؤلاء المنتقلين اسمُ "المهاجرين" ولو قُصد المعنى اللُّغوي، لأنَّ الهجرةَ أضحت مصطلحًا شرعيًا له معناه، وأحكامه الخاصة به، لا سيما وأنّهم يبنون على هذه التسمية أحكامًا ومواقف. وحتى لو كانوا مهاجرين حقيقةً، فليس في مجرّد الهجرة ما يدلّ على صحّة المنهج، والترجيح بين الحقّ والباطل. 

  • ثانيًا:

ظهر في كلام تنظيم "الدّولة" غلوٌّ في فهم نصوص الهجرة وتطبيقها، ومِن ذلك: 

تنزيلُ النّصوص الشرعية الواردة في الصحابة المهاجرين على مَن التحق بالتنظيم، قال العدناني في كلمته (ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) في كلام طويل عن (المهاجرين): "يا مَن يبغي الرشاد: لقد قال نبيُّكَ صلى الله عليه وسلم: (عليكَ بالشام فإنّها خيرةُ اللهِ من أرضه، يجتبي إليها خيرته من خلقه). فانظُر إلى المهاجرين في أرض الشام في أيّ صفٍّ هم اليوم؟...

يا أيّها الأنصار: تأمّلوا في قول ربّكم عزّ وجل: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَـئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ}[البقرة: 218]... فلوذوا بالمهاجرين أيها الأنصار، فإن الله تبارك وتعالى قال: {وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}[النحل: 41]...

لوذوا بالمهاجرين فإنّ الله ضامِنٌ لهم.

لوذوا بالمهاجرين وآووهم وانصروهم، فإنّ الله لن يضلّهم.

لوذوا بالمهاجرين فإنّ الجهاد لا يقوم إلاّ بالمهاجرين والأنصار.." انتهى.

  • وفي هذا الكلام انحرافٌ في فهم هذه النّصوص الشّرعية مِن وجوه:

  1. أنَّ هذه النّصوص نزلت في الصّحابة المهاجرين رضي الله عنهم، وهم الذين شهدت لهم النّصوص الشّرعية بالرضا مِن الله تعالى، ورسوله -صلى الله عليه وسلم- ، والجنة والمغفرة، فأنى ذلك لغيرهم؟

  2. أنَّ تنزيل النّصوص الشّرعية الواردة في مهاجري الصّحابة على مَن أطلقوا عليهم تسمية "المهاجرين"، ثم تنزيل ما ورد في الصّحابة مِن أحكام وفضائل على مهاجريهم، والاستدلال بتلك الفضائل على صحّة منهجهم كما كان منهج الصّحابة صحيحًا، لهو أمر واضح الفساد والبطلان.

  3. ليس في هذه النّصوص الشرعية ما يدلّ على أنَّ مجرد الهجرة يستلزم (النجاة مِن الضلال، وصحة الأعمال والأقوال).

  4. دعوى أنّ الجهادَ لا يقوم إلا بالمهاجرين والأنصار ادعاءٌ باطلٌ، لا أساسَ له في الشّرع، بل إنَّ جهاد الدفع – وهو جهاد الكفار المعتدين على بلاد المسلمين- يجب على أهل تلك البلاد، ولا يجب على أهل البلاد الأخرى إلا إن احتيج إليهم، كما سيأتي بعد فقرات.

ثالثًا:

مَن جاء إلى العراق وسورية بقصد النُّصرة فقد وجد مِن أهل البلاد التّرحيب والاستقبال، وفتحوا لهم قلوبهم قبل ديارهم وبيوتهم، وآووهم وأعانوهم، وقدّموا لهم ما يحتاجون، وفرحوا بهم.

لكن عندما يتحوَّل هذا القادم إلى شخصٍ يكفِّر أهل البلاد، ويستحل دماءَهم وأموالهم، ويرميهم بالخيانة والعمالة، ويريد حرفَ ثورتهم إلى أهدافٍ ومشاريع ليست في صالح البلاد أو العباد، ويُعين الطّاغية المستبد، أو المستعمر المتربِّص بطريقةٍ مباشرةٍ أو غيرِ مباشرة، قصد ذلك أو لم يقصد، فلا مناصَ مِن دفع بغيه وعدوانه، لاستعادة الحقوق، والحفاظ على الثورة والجهاد، لا فرقَ في ذلك بين مَن كان مِن أهل البلاد أو مِن خارجها، ولا تعفيه نيتُه -إنْ كانت حسنةً- مِن المسؤولية عن الخطأ والمحاسبة عليهمن أهم أسباب اعتماد هذه التنظيمات على (المهاجرين) والحرص على تنصيبهم وتوليتهم المسؤوليات القيادية: عدم الثقة بأهالي البلاد التي يخرجون فيها، لمعرفتهم أنّ تلك المجتمعات لا تتقبل أفكارهم ومشاريعهم التي تُفرض عليهم، ولا تراعي أحوال مجتمعهم وظروفه، بخلاف من جاء (مهاجرًا) من منطقة أخرى، فإنَّه لم يأتِ إلا بعد اقتناعٍ كامل بهذه الأفكار، وبعد أن أحرق جميع أوراق العودة، فلم يبق له إلا هذا المشروع الذي يُقبل عليه بكل جهده واجتهاده، ويتفانى في خدمته والقيام به. لذا يلحظ: أنَّ غالبية من يقوم بـ (العمليات الاستشهادية) لهذه التنظيمات هم مِن غير أهالي تلك البلاد، وأنَّ بداية ظهور خلايا هذه التنظيمات تكون على أيديهم، وأنَّ انهيارها يكون بعد القضاء عليهم.  كما أنَّ غالب الإنتاج الإعلامي -مقروءًا ومرئيًا- والذي يحمل حقيقة فكر هذه التنظيمات موجَّه لغير العرب بلغات أجنبية، كمجلة "دابق" التي يصدرها تنظيم (الدولة)، فهي تنشر العديد من المواد الشرعية المليئة بالغلو والتكفير، بما لا يوجد في منتجات التنظيم العربية، وتصويرًا لأوضاع (الخلافة) والبلاد التي تحكمها، والتنظيمات (المرتدة) التي تقاتلها على خلاف الواقع، استغلالًا لجهل الفئة الموجهة إليها بحقيقة الأوضاع في سوريا وغيرها، وخداعًا لها، وحشدًا للأتباع والأعوان منها. ولما قام بعضهم بترجمة بعض أعداد المجلة للغة العربية كثرت المطالبات بالحذف، وهو ما كان! ولم يبق إلا بعض المقالات المختارة بعناية لأهداف يريدونها.

  • رابعًا:

تكرارُ الحديث عن أنهم ما هاجروا إلا ابتغاءَ مرضاة الله، ونصرةً للحقّ، ودفاعًا عن المستضعفين يندرجُ تحت ما نهى اللهُ عنه مِن تزكيةِ النّفس بقوله : {فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}[النجم:32]، فضلًا عمّا يترتب على ذلك مِن تصرفاتٍ مذمومةٍ، ومَنٍّ وأذى، وتكبّرٍ واستعلاءٍ بالأقوال والأفعال.

وكان الواجبُ عليهم الاعترافَ لله –تعالى- بالفضل على أنْ يسَّر لهم هذه النعمة العظيمة، وشكرَه عليها، والتواضعَ للناس، فهذا مِن دلالات صلاح العمل وقبوله ، قال ابن كثير رحمه الله: "{يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا}: يعني: الأعراب الذين يمنُّون بإسلامهم ومتابعتهم ونصرتهم على الرسول عليه  الصلاة والسلام، يقول اللهُ ردّا عليهم: {قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ}: فإنّ نَفْعَ ذلك إنّما يعود عليكم، ولله المنَّةُ عليكم فيه، {بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} أي: في دعواكم ذلك، كما قال النّبي صلى الله عليه وسلم للأنصار يوم حُنين: (يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلاَّلًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟، كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ)"تفسير ابن كثير (7/390). وحديث الأنصار أخرجه البخاري (5/157، برقم 4330)، ومسلم (2/738، برقم 1061) مِن حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه.

وقد جاء في سبب نزول هذه الآية: "أنّ ناسًا مِن العرب قالوا: يا رسول الله، أسلمنا ولم نقاتلك وقاتلك بنو فلان! وورد أنهم قالوا: يا رسول الله، إنّا شهدنا أنَّ لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأنك عبده ورسوله، وجئناك يا رسول الله ولم تبعث إلينا! ونحن لمن وراءنا سِلمٌ. فأنزل الله هذه الآية"لباب النقول في أسباب النزول ص (182).

علمًا أنَّه يوجد في بقية الفصائل المجاهدة في سورية كثيرٌ من المقاتلين غير السوريين، ويعامَلون معاملة طيبة وما زالوا، ولم يتعرض لهم أحدٌ بأذيةٌ أو مظلمةٍ، وهذا يدلّ على أصلِ الخلاف وسببه.

  • خامسًا: حكم النفير إلى الجهاد:

تعمد التنظيماتُ "الجهادية" إلى حشد الأتباع للقدوم مِن خارج البلدان التي يقع فيها القتال بزعم أنَّ الجهادَ فرضُ عينٍ على كلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ في مشارق الأرض ومغاربها إذا اعتُدي أو احتُلَّ أيُّ بلدٍ مِن بلاد المسلمين، وسماها بعضُهم بالفريضة الغائبة، ووصفها آخرون بأنّها الفرض الأعظم في هذا الوقت. ويستدلّون على ما ذهبوا إليه ببعض النّقول عن أهل العلم، وعند النّظر فيها يتَّضح أنَّ هذه الأقوال فُهمت على غير مرادها، أو استُعملت بطريقةٍ غير صحيحة. فكلامُ أهل العلم وفتاواهم قديمًا وحديثًا على أنَّه لا يجب الجهادُ بالنّفس وجوبًا عينيًا إلا في حالات:

  1. إذا استنفر الامامُ قومًا فيلزمهم النّفيرُ.

  2. عند التقاء الصفين.للانسحاب عند التقاء الصفين حالات وشروط ليس هذا موضع بيانها، لكن لا بدّ مِن التنبيه أنَّ حالات الانسحاب في جهاد الطلب تختلف عن حالات الانسحاب في جهاد الدفع، وينظر فتوى (حكم الانسحاب مِن المدن وجبهات القتال) http://islamicsham.org/nashrah/1129.

  3. إذا هجم العدو على بلدٍ للمسلمين فيتعيَّن قتالُهم على كلِّ قادر مِن أهل ذلك البلد، فإن عجَز أهلُ البلدِ انتقل لمن بعدهم، الأقرب فالأقرب، وهكذا حتى تتحقّق الكفاية، وتنقضي الحاجة.

نقل ابن عابدين -رحمه الله- في حاشيته: "أنَّ الجهاد إذا جاء النفير إنما يصير فَرْضَ عَيْنٍ على من يَقْرُبُ من العدو، فأما مَن وراءهم بِبُعْدٍ من العدو فهو فرضُ كفايةٍ عليهم، حتى يسعهم تركه إذا لم يُحتج إليهم، فإن احتيج إليهم بأن عجز من كان يقرب مِن العدو عن المقاومة مع العدو، أو لم يعجزوا عنها، لكنّهم تكاسلوا ولم يجاهدوا فإنه يُفترض على مَن يليهم فرض عين..." رد المحتار على الدر المختار "حاشية ابن عابدين" (4/124)..

وقال القرطبي رحمه الله: "وقد تكون حالة يجب فيها نفيرُ الكلّ - وهي: الرابعة - وذلك إذا تعين الجهادُ بغلبة العدو على قطرٍ مِن الأقطار، أو بحلوله بالعُقْرِ، فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافًا وثقالًا، شبابًا وشيوخًا، كلٌّ على قدْرِ طاقته، مَن كان له أبٌ بغير إذنه، ومَن لا أب له، ولا يتخلّف أحدٌ يقدر على الخروج، مِن مقاتل أو مكثر".

فإن عجَز أهلُ تلك البلدة عن القيام بعدوّهم كان على مَن قاربهم وجاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهلَ تلك البلدة، حتى يعلموا أنّ فيهم طاقةً على القيام بهم ومدافعتهم. وكذلك كلُّ مَن علم بضعفهم عن عدوّهم، وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثُهم لزمه أيضًا الخروجُ إليهم، فالمسلمون كلُّهم يدٌ على مَن سواهم، حتى إذا قام بدفع العدو أهلُ الناحية التي نزل العدوُّ عليها واحتل بها سقط الفرضُ عن الآخرين"تفسير القرطبي (8/151)..

وقال الدّردير رحمه الله: "(وتعيّن) الجهادُ (بفَجْء العدوِّ) على قومٍ (وإن) توجّه الدّفعُ (على امرأةٍ) ورقيقٍ (و) تعيّن (على مَن بقُربهم إن عجَزوا) عن كفِّ العدوِّ بأنفسِهم"الشرح الكبير (2/174)..

وقال النووي رحمه الله: "الجهاد اليومَ فرضُ كفاية، إلا أنْ ينزل الكفارُ ببلد المسلمين، فَيَتَعَيَّن عليهم الجهادُ، فإنْ لم يكن في أهل ذلك البلد كفايةٌ، وجب على مَن يليهم تَتْمِيمُ الكفاية"شرح النووي (13/9)..

وقال ابنُ قدامة رحمه الله: "ويتعين الجهاد في ثلاثة مواضع:

  • أحدها: إذا التقى الزّحفانِ، وتقابل الصّفّان حرم على مَن حضر الانصرافُ، وتعين عليه المقامُ …

  • الثاني: إذا نزل الكفارُ ببلدٍ، تعيّن على أهله قتالُهم ودفعُهم.

  • الثالث: إذا استنفر الإمامُ قومًا لزمهم النّفيرُ معه …"المغني (9/197)..

وقال ابنُ تيمية رحمه الله: "وإذا دخل العدوُّ بلادَ الإسلام فلا ريبَ أنه يجب دفعُه على الأقرب فالأقرب، إذ بلادُ الإسلام كلُّها بمنزلة البلدة الواحدة... وقتالُ الدّفع مثل أن يكون العدوُّ كثيرًا لا طاقة للمسلمين به، لكن يُخاف إن انصرفوا عن عدوّهم عطَفَ العدوُّ على مَن يخلفون مِن المسلمين، فهنا قد صرحّ أصحابُنا بأنه يجب أن يبذلوا مُهَجَهم ومهَجَ مَن يُخاف عليهم في الدّفع حتى يَسلموا"مجموع الفتاوى (5/539)..

وكلام أهل العلم طويل، وفي بعضه إطلاقات وعمومات يُقصد بها أهل تلك البلاد، لا عموم المسلمين. أمّا إطلاقُ القول بوجوب النّفير العام على جميع المسلمين مِن جميع الأقطار والبلدان، فليس عليه كلام أهل العلم، ولا فتاواهم، وهو مِن الأخطاء والمبالغات التي وقع فيها كثيرٌ من الجماعات التي تدعو إلى الجهاد.

ويُضافُ لذلك أنَّ كثيرًا مِن البلاد التي حصل فيها جهادٌ ضد المحتلّين أو المعتدين لا تعاني مِن نقصٍ في الرّجال، وإنّما حاجتُهم ماسّةً إلى الدّعم المادي للتّسليح، والغذاء، وكفاية الأهل، وغير ذلك. بالإضافة لجهالة حال القادم بالبلاد وأهلها، وطبيعة الجماعات التي يقبل إليها، والتي كثيرًا ما تحرص على استقدام غير أهل البلاد، لسهولة خداعهم، والتّلبيس عليهم، كما كشفت العديد مِن التّقارير والاعترافات التي بثتها جهاتٌ عديدةٌ في سورية من أنَّ عددًا ممّن كان يُدفَع لقتال الفصائل بالعمليات الانتحارية أو غيرها كانوا يوهمونه أنه في قتالٍ مع النّظام، أو مع مرتدين!

وما يعانيه القادامون من عزل عن المجتمع، وحصار في مجمعات خاصةٍ، وقطع لسبل التواصل مع خارج هذا العالم، حتى يسهل التوجيه والخداع كما يريدون. أما إذا أصبح الجهاد فرض عين فحين ذاك لا يُشترط إذنُ الغريم، ولا إذنُ الوالدين، ولا إذنُ الحاكم ،  قول بعض أهل العلم: إنّ جهاد الدفع لا يشترط له إذن حاكم ليس على إطلاقه، بل يختلف بحسب اختلاف الأحوال، فإذا كان الصيال على بلدٍ لها حاكم فلا بدَّ مِن إذنه، لأمرٍ قد يراه، أو خطةٍ يضعها، وكذا إن لم يكن للبلد حاكمٌ واحد، لكن كان فيها من هو مسموع الكلمة أو له مكانة، كقادة الفصائل ونحوهم.  وإنما يسقط إذن الحاكم في حال المدافعة عن النفس واقتحام العدو، قال ابن قدامة -رحمه الله- في المغني (9/213): "ولأنَّهم إذا جاء العدو، صار الجهاد عليهم فرض عين، فوجب على الجميع، فلم يَجُز لأحدٍ التخلف عنه، فإذا ثبت هذا فإنهم لا يخرجون إلا بإذن الأمير، لأنَّ أمر الحرب موكولٌ إليه، وهو أعلم بكثرة العدو وقلتهم، ومكامن العدو وكيدهم، فينبغي أن يُرجع إلى رأيه، لأنه أحوط للمسلمين، إلا أن يتعذر استئذانه، لمفاجـأة عدوّهم لهم، فلا يجب استئذانه، لأن المصلحة تتعين في قتالهم، والخروج إليهم، لتعين الفساد في تركهم. وإن قالوا : المراد بجهاد الدفع: دفع الصائل الذي يصول على النفس والمال، قلنا صحيح أنه في هذه الحالة يجوز القتال دون إذن ولي الأمر، لما روى مسلمٌ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: (فلا تعطه مالك) قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال : (قاتله) قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: (فأنت شهيد) قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار)". ونحو ذلك مِن الأحكام التي ذكرها أهل العلم. 
  • والخلاصةُ:

أنَّ مَن جاء منضمًّا إلى تنظيم "الدّولة" أو أيِّ فصيل آخر بهدف الجهاد في سبيل الله، فلا تصحُّ تسميته بالمهاجر، ولو صحّت التّسميةُ فليس لمجرد "هجرته" أثرٌ في صحّة منهجه، أو سلامة تصرفاته

المصدر: كتاب "شُبهات تنظيم "الدولة الإسلامية" وأنصاره والرَّد عليها" الشبهة السابعة، د.عماد الدين خيتي

1 - ينظر: تاج العروس تاج العروس من جواهر القاموس (14/397)، ولسان العرب (5/250).
2 - ينظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب (1/72)، والتعريفات، للجرجاني ص (256).
3 - تفسير القرطبي (7/932).
4 - من أهم أسباب اعتماد هذه التنظيمات على (المهاجرين) والحرص على تنصيبهم وتوليتهم المسؤوليات القيادية: عدم الثقة بأهالي البلاد التي يخرجون فيها، لمعرفتهم أنّ تلك المجتمعات لا تتقبل أفكارهم ومشاريعهم التي تُفرض عليهم، ولا تراعي أحوال مجتمعهم وظروفه، بخلاف من جاء (مهاجرًا) من منطقة أخرى، فإنَّه لم يأتِ إلا بعد اقتناعٍ كامل بهذه الأفكار، وبعد أن أحرق جميع أوراق العودة، فلم يبق له إلا هذا المشروع الذي يُقبل عليه بكل جهده واجتهاده، ويتفانى في خدمته والقيام به. لذا يلحظ: أنَّ غالبية من يقوم بـ (العمليات الاستشهادية) لهذه التنظيمات هم مِن غير أهالي تلك البلاد، وأنَّ بداية ظهور خلايا هذه التنظيمات تكون على أيديهم، وأنَّ انهيارها يكون بعد القضاء عليهم.  كما أنَّ غالب الإنتاج الإعلامي -مقروءًا ومرئيًا- والذي يحمل حقيقة فكر هذه التنظيمات موجَّه لغير العرب بلغات أجنبية، كمجلة "دابق" التي يصدرها تنظيم (الدولة)، فهي تنشر العديد من المواد الشرعية المليئة بالغلو والتكفير، بما لا يوجد في منتجات التنظيم العربية، وتصويرًا لأوضاع (الخلافة) والبلاد التي تحكمها، والتنظيمات (المرتدة) التي تقاتلها على خلاف الواقع، استغلالًا لجهل الفئة الموجهة إليها بحقيقة الأوضاع في سوريا وغيرها، وخداعًا لها، وحشدًا للأتباع والأعوان منها. ولما قام بعضهم بترجمة بعض أعداد المجلة للغة العربية كثرت المطالبات بالحذف، وهو ما كان! ولم يبق إلا بعض المقالات المختارة بعناية لأهداف يريدونها.
5 - تفسير ابن كثير (7/390). وحديث الأنصار أخرجه البخاري (5/157، برقم 4330)، ومسلم (2/738، برقم 1061) مِن حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه
6 - لباب النقول في أسباب النزول ص (182).
7 - للانسحاب عند التقاء الصفين حالات وشروط ليس هذا موضع بيانها، لكن لا بدّ مِن التنبيه أنَّ حالات الانسحاب في جهاد الطلب تختلف عن حالات الانسحاب في جهاد الدفع، وينظر فتوى (حكم الانسحاب مِن المدن وجبهات القتال) http://islamicsham.org/nashrah/1129.
8 - رد المحتار على الدر المختار "حاشية ابن عابدين" (4/124).
9 - تفسير القرطبي (8/151).
10 - الشرح الكبير (2/174).
11 - شرح النووي (13/9).
12 - المغني (9/197).
13 - مجموع الفتاوى (5/539).
14 - قول بعض أهل العلم: إنّ جهاد الدفع لا يشترط له إذن حاكم ليس على إطلاقه، بل يختلف بحسب اختلاف الأحوال، فإذا كان الصيال على بلدٍ لها حاكم فلا بدَّ مِن إذنه، لأمرٍ قد يراه، أو خطةٍ يضعها، وكذا إن لم يكن للبلد حاكمٌ واحد، لكن كان فيها من هو مسموع الكلمة أو له مكانة، كقادة الفصائل ونحوهم.  وإنما يسقط إذن الحاكم في حال المدافعة عن النفس واقتحام العدو، قال ابن قدامة -رحمه الله- في المغني (9/213): "ولأنَّهم إذا جاء العدو، صار الجهاد عليهم فرض عين، فوجب على الجميع، فلم يَجُز لأحدٍ التخلف عنه، فإذا ثبت هذا فإنهم لا يخرجون إلا بإذن الأمير، لأنَّ أمر الحرب موكولٌ إليه، وهو أعلم بكثرة العدو وقلتهم، ومكامن العدو وكيدهم، فينبغي أن يُرجع إلى رأيه، لأنه أحوط للمسلمين، إلا أن يتعذر استئذانه، لمفاجـأة عدوّهم لهم، فلا يجب استئذانه، لأن المصلحة تتعين في قتالهم، والخروج إليهم، لتعين الفساد في تركهم. وإن قالوا : المراد بجهاد الدفع: دفع الصائل الذي يصول على النفس والمال، قلنا صحيح أنه في هذه الحالة يجوز القتال دون إذن ولي الأمر، لما روى مسلمٌ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: (فلا تعطه مالك) قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال : (قاتله) قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: (فأنت شهيد) قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار)".