الجمعة 25 سبتمبر 2020 الموافق 07 صفر 1442 هـ

إضاءات فكرية

ملامح في فقه الخلاف والتعامل مع المخالف

06 شوال 1441 هـ


عدد الزيارات : 538
د. فهد العجلان

(1)

أتمَّ الخليفة الراشد عثمان بن عفان -رضي الله عنه- الصلاة في منى، فتابعه ابن مسعود -رضي الله عنه- مع أنّه يرى أنّ هذا خلاف السنّة، فلما قيل له في ذلك، قال عبارته الشهيرة: "الخلاف شرّ".
يقول ابن بطال (شرح البخاري ٣/ ٧٣): "وإنّما قال ابن مسعود: الخلاف شرّ؛ لأنّه رأى أنّ الخلاف على الإمام فيما سبيله التخيير والإباحة شرّ".
وهنا تفريق دقيق بين التخيير والاباحة .. فالخلاف شرٌ فيما هو من المباحات، وفيما هو داخل في التخيير، وهذا يشمل ما احتمل الإباحة من المسائل الاجتهادية.
وهذه قضية علمية منهجية، ومسلك عاقل في التعامل مع كلّ الخلافات، وهي كفيلة بتخفيف الشرّ إلى أدنى حالاته، وهو أن يعوّد المسلم نفسه على تجنّب الخلاف، والحرص على الوفاق قدر ما يمكن.
والتزام هاتين القاعدتين: (الإباحة الواسعة) و (مساغ الاجتهاد الواسع) كفيل بتحقيق الوفاق، وتخفيف الشر، فلا يبقى إلّا الخلاف في المحرّم الذي لا يرضى الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم.
وكلّما اتسع علم الشخص، وكمل عقله؛ قوي حبّه للوفاق، وكان سبيلًا لجمع الكلمة، وإلفة القلوب، وإصلاح ذات البين.
والناس في هذا على مشارب، منهم من وسّع الله عليه في العقل والعلم ما يجمع الله به أكثر الناس مهما احتدّت خلافاتهم، ومنهم من هو ضيّق العطن، يحيي الخلافات، ويعمّق النزاعات، ويثير الكوامن .. وهم بين ذلك متفاوتون بحسب ما رزقهم الله من علم وعقل.

 

(2)

كلام أعلام هذه الأمة -رضي الله عنهم أجمعين- بعضهم في بعض ليس على وزان واحد ..

  • فمنه ما هو من قبيل الكلام الذي يقال في مثله: يُطوى ولا يُروى.
  • ومنه ما هو من قبيل الاجتهاد المعتبر السائغ.
  • ومنه ما هو من قبيل بيان الحقّ وردّ الباطل، وتبيين غلط من خالف السنّة.
    فتشبيه الكلام الذي جرى بينهم بحال ما جرى بين الصحابة لا يعني التسوية بين المقولات والوقائع، وإنّما هي تشبيه في الموقف والدوافع، كما أنّ ما جرى بين الصحابة لم يكن على وزان واحد.

فالمراد هو إحسان الظن بأفاضل هذه الأمة، والكفّ عن الطعن فيهم بلا موجب ولا حاجة شرعية، وحسن القول فيهم، مع تجنّب ما وقع منهم من أغلاط وأخطاء، وموالاتهم جميعًا، والترضّي عنهم، وإحسان القول فيهم جميعًا.

وإحسان الظنّ في المخطئ، وحسن التأوّل له لا يعني الطعن في العالم الذي انتقده وبيَّن الغلط في كلامه؛ فاذا كنّا نُحسن الظن في المخطئ، فحُسن القول في المصيب من باب أولى.

ومَن شقّ عليه الجمع بين الأمرين، وظنّ أنّ مثل هذا التأوّل وحُسن القول هو طعن في أئمة السلف وتجهيل لهم؛ فلقُصورٍ ظاهر ..

قَصُرَ فيه علم الشّخص وضَاقَ صدره عن الأخذ بالحقّ وردّ الباطل، مع إعذار المتأوّل، وحسن الظنّ به.

ولم يجد في ضرورة اتباع السلف وتقدير مواقفهم ما يدفعه ليتعامل معها كما يتعامل مع نصوص الكتاب والسنة.

ارعِ سمعك لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله عليه- في سياقٍ بديعٍ يضع منهجًا قويمًا في التعامل مع أغلاط العلماء، بعلمٍ وعدلٍ يحفظ الحق ويشرح الصدر:

"يجري بين العلماء أشياء لا أحبّ ذكرها؛ لأن المتكلِّم بها عظيم، والمتكلَّم به عظيم، وهم أئمة مجتهدون، فالكلام في ذلك يشبه الكلام فيما وقع بين الصحابة ... إذ كلّ طبقة متأخّرة ينبغي أن تُستعمل مع الطبقة المتقدمة هذه الآية: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر:١٠].

ومعلوم أنّ كلام العلماء بعضهم في بعض -بالاجتهاد تارة، وبنوع من غيره أخرى- يُشبه ما وقع بين الصحابة وبعضٍ من القال والفعال.

فالمؤمن يجمع بين القيام بحقّ الله، بمعرفة دينه والعمل به، وحقوق المؤمنين متقدّميهم ومتأخريهم؛ بالاستغفار وسلامة القلوب، فإنّه مَن كان له في الأمّة لسان صدق -بل ومن هو دونه- إذا صدر منه ما يكون مُنكرًا في الشرع، فإمّا أن يكون مجتهدًا فيه، يغفر الله له خطأه، وإمّا أن يكون مغمورًا بحسناته، وإمّا أن يكون قد تاب منه. بل مَن هو مِن دون هؤلاء إذا فعل سيئةً عظيمة فالله يغفرها له؛ إمّا بتوبة، وإمّا باستغفاره، وإمّا بحسناته الماحية، وإمّا بالدعاء له، والشفاعة فيه، والعمل الصالح المـُهدى إليه، وإمّا أن يكفّر عنه بمصائب الدنيا، أو البرزخ، أو عرصات يوم القيامة، أو برحمة الله تعالى، فلهذا ينبغي للمؤمن أن يتوقّى القول السيئ في أعيان المؤمنين المتقين، ويؤدّي الواجب في دين الله، والقول الصدق، واتباع ما أمر الله به، واجتناب ما نهى الله عنه.

وكما أنّ هذا الواجب في المسائل العلمية فكذلك في هذا المسائل الخبرية، لاسيما فيما يَغمُضُ معناه، ويشتبه على عموم الناس الحق فيه بالباطل، فهذا المسلك يجب اتباعه، إذ قلّ عظيم في الأمّة إلّا وله زلّة، وقد جاء في الحديث التحذير من زلّة العلماء".

 

(3)

الذي استقرت عليه طريقة علماء الإسلام في التعامل مع الوقائع التاريخية التي حصل فيها نزاع بين الأئمة، أو طعن بعضهم في بعض .. هو مسلك رشيد متزن، يقوم على ميزان العدل والعلم، وحفظ الحقوق مع صيانة الأحكام، وطهارة القلب على جميع من سبقونا بالعلم والإيمان.
وهي طريقة مطّردة في كلّ الأحداث التي جرت بين أفاضل هذه الأمّة، بدءًا مما شجر بين صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وما جرى بعدهم، ومنه: الموقف من الطعون التي قيلت في آحاد العلماء، كالذي قيل في حقّ الإمام أبي حنيفة من جملة من سادة أئمة السلف رحمهم الله ورضي عنهم أجمعين.
وهذه الطريقة قائمة على وعي بأنّ هذه وقائع تاريخية، تتعلق بأشخاص معينين، وقد لقوا الله، وتلقّاهم الناس بقبول حسن، وأحسنوا الظن بهم، وشاع ذكرهم الحسن بينهم، وهم أئمة في الدين يقتدي الناس بهم، وينتفعون بأثرهم الحسن.
فالطعن في أشخاصهم، أو الانتقاص منهم، لا يدفعه حاجة شرعية معتبرة، وليس له ثمرة عملية نافعة، ولا يفيد الناس شيئًا في دينهم ولا دنياهم.

هذا إن سلم الناقد من تجاوز الحدّ، والوقوع في البغي والظلم والاستطالة بغير حق.

ولهذا .. يشدّد العلماء في الأحكام التي يبنى عليها علم أو عمل، ويردون غلط من أخطأ فيها، ويحذّرون من اتباع زلّات العلماء في ذلك، لأنّ هذا له أثر عملي، فلا يراعون حرمة العلماء ومكانتهم بما يضر أصل الأحكام.

وأما ما لا يضرّ بذات الأحكام، وإنّما يتعلّق بأشخاصِ أعلامٍ أفاضل لقوا ربهم، فالخوض فيهم سبب للوقوع في البغي والجور، ولو سلم من ذلك .. فأحسن أحواله أن يكون من قبيل المراء الفارغ الذي لا ثمرة حقيقية منه، ولن يسلم من إثارة الخصومة بين المسلمين.
فهذا الموقف الرشيد من أعلام الإسلام لم يكن دافعه الجهل بما حدث، ولم يكن خافيًا عليهم تلك الوقائع، إنّما توصلوا لهذا الموقف بعد معرفةٍ كافيةٍ:

  • فَحَصت المرويات، فَمَيّزت الصحيح من السقيم.
  • ومَيّزت ما صحّ إلى قائله، ولم يصح إلى من طُعن فيه.
  • وما صحّ منه، واحتفّت به أمور أخرى، كتَوْبتهِ ورجوعه عنه.
  • وما كان من قبيل الغلط من القائل، فيُتأوّل له ويُحمل على محمل حسن.
  • وجُمعت لذلك بقية المواقف والأقوال المخالفة لها.

وأمّا ما صحّ من غلطٍ في أصول الدين أو فروعه فبيّنوه، ولم يستهينوا بالحكم مراعاة لقدر الرجال، ولم يسقطوا أفاضل الرجال لأغلاطٍ وقعوا فيها.
يستحضرون في هذا الميزان الشرعي العادل: أنّ من اجتهد واتّقى الله قدر طاقته في البحث عن الحق فاخطأ أنّه معفو عنه، و{لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}.

والظنّ بأمثال هؤلاء الأئمة ممن عُرف دينهم وفضلهم وتجرّدهم للحق، أنّهم ما تركوا اتباع الحق إلا لسببٍ هم معذورون فيه، فلا يلحقهم في ذلك إثم، فضلًا عن التفسيق أو التكفير.
وهو ميزان عظيم أطال شيخ الإسلام ابن تيمية النَفَسَ فيه كثيرًا، وأزال الشبهات عنه، في مواضع عدّة من كتبه.
بل ذكر -رحمه الله- أنّ هذا كان في زمانه مما يصدّ الناس عن الحق، فيرون أنّ القول بتغليط أعلام الإسلام الكبار سبب للحكم عليهم بالوعيد، فبيّن لهم هذه القاعدة الشرعية العظيمة في العفو والتجاوز عمن غلط في تأوّله من أئمة الإسلام.
وهو منهج عظيم يجمع بين تعظيم الأصول والنصوص الشرعية، والإعذار للمتأولين، فيجمع بين تمسّكٍ بالشرع، وطهارةِ قلبٍ على المخطئين المتأوّلين من أعلام الإسلام.

ولهذا كان أسعد الناس بهذه القضايا التاريخية هم أعداء الإسلام وخصوم السنة، يوظّفون هذه الوقائع للطعن في الأئمة، ويستغلّون حبّ الناس لعالمٍ معيّن في تمرير الاستطالة على من طُعن فيه من الأئمة.

ومن القصور لدى بعض المتمسكين بآثار السلف أنّهم -بلا قصد- قد يعينون أمثال هؤلاء على مقصدهم هذا بإذاعتهم لهذه المواقف، وتعاملهم الظاهري القاصر معها.
فهذه الطريقة في إثارة هذه القضية والطعن في الأئمّة وأعلام الأمّة، فيها ثلاثة مفاسد ظاهرة:

  1. الطعن في أفاضل أعلام لقوا الله، بلا موجبٍ ولا ثمرة.
  2. إثارة الخلاف والشقاق بين المسلمين الذين يُحسنون الظن في هذا العالم، ويقتدون به في فروع دينهم، فتُثير الشحناء والبغضاء بلا موجب شرعي لذلك، من بيانٍ لحق أو ردٍّ لباطل.
  3. أنّه يفتح الباب لتطاول خصوم الإسلام والسنّة على أئمة الإسلام.

بل حتى ولو سلم الناقد من هذه المفاسد جميعًا، فمن سلم لسانه من الخوض في أعراض أفاضل هذه الأمة، وأحسن الظنّ بهم وتأوّل الخير لهم؛ هو أحسن حالًا منه.
وهذا يكشف لك شرف موقف العلماء في الوعي بمثل هذه القضايا، ووضعها في ميزانها الطبيعي، وحسن الظن والتأوّل للجميع، بما يجمع النفوس، ويحفظ الحقوق، ولا يضر بمكانة الأحكام والأصول الشرعية.
{رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا}

 

(4)

يستهويني جداً ذلك الحديث عن آداب الاختلاف، والتذكير بقيم العدل والإنصاف وحفظ الحقوق التي قد تُنتهك بسبب غلواء الخصومة ..
غير أنّي -شخصيًا- أتحسّس من التذكير بهذه القيم الجميلة والأخلاقيات الرائعة حين يأتي في سياق نقد الخصوم، وبيان تقصيرهم في هذه الجوانب.
لماذا؟
لأنّ مقام النقد للآخرين، هو مقام خصومات تتأثر كثيرًا بالأهواء، وغلواء الخصومة؛ فاستدعاء هذه القيم في وقت الخصومة يختلف عن الحديث عن الاختلاف وأحكامه وآدابه حين يأتي ابتداءً واستئنافًا بدافع النصح وبيان الحق.
ولهذا .. أختبرُ كثيرًا من هؤلاء بتطبيق هذه النصائح التي يسوطون بها ظهور الناس بتطبيقها على سلوكهم العملي، وهل هم ملتزمون -في الجملة- بهذه القيم في خصوماتهم، فأجد أنّ الكثير منهم يسقط سريعًا، وتتبخر كل قيم العدل والرحمة والانصاف التي كان يتغنّى بها.
شاهدُ هذا الكلام: تغريدةٌ قرأتها لأحدهم هذا اليوم .. موغلة في البغي والفجور في الخصومة على المخالفين، وهضم حقوقهم، والاستطالة عليهم، بطريقة فجّة لا تحتملها النفوس السوية، بل تجاوزت كسر ميزان العدل وحقوق الخلاف وآدابه إلى أنّها تفتقد للاعتدال النفسي والاتزان الشخصي في النقد والتقويم.
لماذا يقع مثل هذا؟
لأنّ صفصفة الكلام أمر سهل، والاختبار الحقيقي هو في الالتزام والتطبيق العملي.
فمن السهل أن تصوغ أجمل المقطوعات الفنّية في آداب الاختلاف وحفظ الحقوق، لكن يبقى التحدّي في كيفية ضبط النفس، وتحييد الهوى، وتجنيب الخصومات عند الحكم على الآخرين، وبيان ما لهم وما عليهم.

 

هي عبرة وذكرى ..
بأن نعتني بآداب الاختلاف، ونتواصى على ضرورة حفظ الحقوق، وصيانة الأعراض، ونتمسّك بالحرص على بيان الحق، والرحمة بالخلق، ونراجع أنفسنا دائمًا في صدق التزامنا بها؛ لتكون مبادئ عميقة ثابتة، نُكره نفوسنا وأهواءنا على الحفاظ عليها، لا أن نحوّلها إلى عصى غليظة نضرب بها في رؤوس المخالفين إذا ما غضبنا عليهم!

 

(5)

من التعبيرات الآسرة في كلام أهل العلم: (الاستطالة بالحق على الخلق)
تعبير عظيم .. يفيض بمعاني العدل، والتجرّد للحق، وتزكية النفس، وتصحيح السلوك.
فالحقّ لا يبيح التهاون في ارتكاب أدنى باطل، والتزامك بحقٍ لا يسبل على سلوكك الصحّة والسلامة.
هي دعوة صريحة لمراجعة النفس، والتفطّن لمداخل الهوى، حتى لا يكون الحق سببًا للوقوع في الباطل، ولا ما تحمله من خيرٍ طريقًا للوقوع في الشر، من بوابة الاستطالة عل الخلق.
فالاستطالة على الخلق سلوكٌ مذمومٌ، حتى ولو كان دافعه هو التمسّك بالحقّ، فالتمسّك بالحقّ نعمة تستوجب شكر الله، واللجوء إليه، وترك الاعتماد على النفس، فما كنت لتهتدي لولا أن هداك الله.
واستحضار مثل هذا يحيي في النفس معانٍ عظيمة، منها:

  1. الرحمة في قلب المؤمن لكلّ من أخطأ أو ضلّ طريق الحق.
  2.  الصدق في دلالتهم إليه.
  3. التواضع للناس.
  4. ويبقى حارسًا يقظًا يحمي النفس من مداخل الهوى التي قلّ مَن يسلم منها، ويصون المسلم من مواقف البغي والفجور والظلم التي قد يرتكبها من حيث لا يشعر.

إضافة تعليق جديد