الخميس 28 مايو 2020 الموافق 05 شوال 1441 هـ

إضاءات فكرية

الجاهليّة والحاكمية عند سيّد قُطب

06 رمضان 1441 هـ


عدد الزيارات : 160
عبدالله بن عبدالحميد الأثري

توضيحٌ لأهم مصطلحين عند سيّد قُطب أُسيء فهمهما: الجاهليّة والحاكمية

أولًا: مصطلح "الجاهليّة" وهل يعني به تكفير المجتمعات؟

سيّد قُطب -رحمه الله عاش- في كنف هذه الدّعوة المباركة؛ يحطّم جيوش الطواغيت والظلمة بقلمه السيّال المبارك .. الذي كان في يده كسوطِ صاحب الحق .. لا يُخطئ متجبّرًا على الله تعالى .. ولا مُعتديًا على شرعه الحكيم .. ولا ظالمًا لعباده المكرمين؛ فطاردهم في عالم الأفكار والضمائر .. وفي واقعهم، وبيّنَ أنّهم يمثّلونَ الجاهليّة بجميع سماتها وأشكالها. والجاهليّة ليست فترة تاريخيّة .. وإنّما هي حالة نفسية ترفض الاهتداء بهدي ريّها الكريم، ووضع تنظيمي يرفضُ الحكم بما أنزل الله تعالى! ثمّ سَخَّرَ حياته الدّعويّة لمكافحة الظلم بكل أنواعه .. وحرّض ضدّ قوى البغي ورموزه .. وجعل ذلك من مقتضيات الإسلام .. ووقف مع المظلومين وقفة قويّةً .. وعرض الدين الحنيف بحرارةِ إيمانِهِ الصّادق .. وطرحه تصوّرًا حيًّا يستقطبُ القلوب المؤمنة، بقدر ما يزعج أنصار الإسلام الأمريكاني!

كما أزال التُراب عن إسلام الخرافة .. الذي تحبّه وتنشره الجاهليّة قديمًا وحديثًا .. وتستخدمه مطيّة لأطماعها؛ فأبرز دين الإسلام الحق .. إسلامِ الحرّيّة والقوة والتمكين .. الذي لا يعرف الانحناء لغير الله تعالى .. ولا يؤمن بأنصاف الحلول مع نظام الجاهلية؛ لأنّ دين الإسلام هو منظومة متكاملة .. عقيدة في القلب وشريعة في الحياة .. الإسلام تصوّر واضح للكون والدين والإنسان والحياة .. لا يسع العباد إلا أن يقبلوه كاملًا أو يعرضوا عنه.

وهكذا عرّف سيد قطب الإسلام بعيدًا عن التشويهات التي علقت به منذ عصور الانحطاط، وحَصَرته في تديّنٍ فردي، أو في مظاهر أقرب إلى العاداتِ والتقاليد؛ فذهب بهاءُ الإسلام، وحُجِبت حقائقه عن النّاس .. بل عن المسلمين أنفسهم!

واجه سيّد قُطب رحمه الله نظام الجاهلية بجميع أنواعها وأشكالها، جاهلية الحكم بغير ما أنزل الله، جاهليّة القصور .. جاهليّة الفن المنحرف .. جاهليّة الغرب .. جاهليّة العلماء المنحرفين! فلا غرابة إذًا ... أن يتبنّى أبناء الأمة في الحركاتِ الإسلاميّة فكرَه ومشروعه، ويحبّه كل مسلم له فهم دقيق لدينه.

وقد اعترض البعض على استعمال كلمة "الجاهليّة" وقالوا: إنّها تعني الحكم بالكفر على الأفرادِ والمجتمعاتِ. وقال آخرون: لا يجوز وصف المجتمعات المعاصرة -بعد أن وصلت درجةً متقدّمة من العلوم والمخترعات والتكنولوجيا- بالجاهليّة!

ونسي هؤلاء أنّ سيّد قُطب المفسّر لكتاب الله قد استعمل كلمة "الجاهلية" على أنّها مصطلح قرآني: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُون}[المائدة:50]،  والجاهلية في القرآن ليست محدّدة بزمن معيّن، أو مكان معيّن؛ فهي تعني الجهل بحقيقة الألوهية، والجهل بما يحبّه الله تعالى من إخلاص العبودية له وحده لا شريك له، ولا يقصد بها إطلاق الكفر ألبتَّة؛ بل يقع تحت مسمّى الجاهليّة أصناف شتى من الناس الذين يسودهم ويحكمهم وينظّم حياتهم نظام غير إسلامي.

ثم إنّه استخدم مصطلح "الجاهليّة" ولم يستخدم لفظ الكفر في وصف المجتمعات الإسلاميّة؛ فلم يصرّح بتكفير فرد أو مجتمع في كلّ كتاباته.

ولفظ "الجاهليّة" استُخدم في النّصوص الشرعية، وأريد به العمل بالمعصية؛ لأنّ الأفراد أو المجتمعاتِ التي تعمل أو تسلك سلوك الجاهلية تُوصف بذلك، ولا يُشترط أنْ تكونَ كافرة؛ لأنّها لم تعتقد الجاهلية، كما في قوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى}[الأحزاب:33]، فالجاهليّة المنهي عنها هنا جاهليّة العمل -أي: المعصية- وليست جاهليّة الاعتقاد.

وقد وصف النّبي -صلى الله عليه وسلم- استعداد الأوس والخزرج للقتالِ بينهم بقوله: (أبدعُوى الجاهليّة وَأَنَا بَيْنَ أَطَهُركُمْ؟!). وكذلك قولُ النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- لأبي ذر الغفاري رضي الله عنه عندما عيّر رجلًا بأمّه حيث قال له: "يا ابنَ السّوداء"! فقال له صلى الله عليه وسلم: (إنّك امرؤ فيك جَاهِلِيّة)، أي: بعض عاداتها، ولم يقل أحد: بأنّ أبا ذر قد كفر بهذا العمل! فلو كانتِ الجاهلية هنا هي الكفر؛ لحكم بردّته وطلب استتابته؛ لأنّ الكفر الذي يُخرج صاحبه من الملَةِ هو الذي يخالف أصل الإيمان قليلاً كان أو كثيرًا.

فالحكم هنا في بعض سمات الجاهلية وأعمالها .. وهذه الأعمال مهما كثرت لا تخرج عن الملة إلا إذا اقترنت باعتقادٍ جاهليٍّ مهما قلَّ هذا الاعتقاد، والمعصية لا تُخرج العبد من الإيمانِ مهما كثرت؛ طالما أنّه لا يستحلّها؛ لأنّ الكفر -عند أهل السُنّة والجماعة- يتحقّقُ باعتقاد مسألة .. ولو لم يصاحب هذا الاعتقاد أيّ عمل؛ فمن اعتقد أنّ الزّنا ليس حرامًا، أو أنّه علاج لمشكلة، أو أنّ حكم الإسلام فيه أنّه متشدّد، أو أنّ الخمر ليست حرامًا، أو أنّ حكم الإسلام فيها قد جانب الصّواب؛ فمثل هذا الشخص يُعَدُّ كافرًا، ولو لم يرتكب هذا الفعل أو ذاك؛ لأنّ الإيمان بشرع الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والتصديق به سببُ الدّخول في الإسلام؛ فإنكار الحكم وجحوده سببُ الرّدَةٍ عن الإسلام، ولو لم يقترن هذا الجحود بأيّ عمل من أعمال الجاهلية والكفر .. ولهذا وصف الله من اقتتل من المسلمين بالإيمانِ، قال تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا}[الحجرات:9].

وقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: (سِبَابُ الْمُسْلِم فَسُوقٌ وَقِتالُهُ كَفَرٌ) متّفق عليه.

فأهل مكّة قبل الفتح كانَ ينطبق عليهم تعريف المجتمع الجاهلي؛ فهل يُكفَرُ كلّ شخص كان في هذا المجتمع، ولقد كان بينهم من يخفي إسلامه؟ كالعبّاس -رضي الله عنه- عم النّبي صلى الله عليه وسلم.

قال سيد قطب -رحمه الله- في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير}[الأنفال:72]:

"فهؤلاء الأفراد ليسوا أعضاءَ في المجتمع المسلم، ومن ثمّ لا تكون بينهم وبينه ولاية، ولكن هناك رابطة العقيدة".

فليس كل شخص يعيش في المجتمع الجاهلي كافر ..

وعليه: فإنّ وصف سيّد قُطب المجتمعاتِ بالجاهليّة .. لا يعني أنّه حكمٌ على كلّ أفرادها بالكفر .. كما يظنّ بعض السّطحيّين!

وقال بعضُ مَن تغلب عليهم عقيدة الإرجاء: إنّ مصطلح المجتمع الجاهلي .. هو وصف لازم للتكفير!

سبحان الله! فهذا القول يلزم منه أن نقول: إنَّ أَئَمّة أهل السُنّة والجماعة يكفّرون العباد! وهذا قولٌ باطلٌ بالإجماع؛ لأنّ من قواعد التكفير عندهم: التفريق بين التكفير المطلق والتكفير المعيّن؛ فالتكفير المطلق يكون للاعتقاد والأقوال والأعمال .. ولا يعني هذا تكفير فاعله أو تكفير الأعيان بالضرورة؛ حتى تقام عليه الحجّة وتُبيّن له الـمحَجة؛ لأنّ مَن ثبت إسلامه بيقين لم يُزَل ذلك عنه بالشكّ، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجّة وإزالة الشبهة.

وفي تفسير قوله تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ}[الزمر:53]، قال سيّد قُطب رحمه الله: "يدخل الكافر في الإسلام بالنّطق بالشهادتين؛ حتى لو كانَ يُظهر الإيمان ويبطن الكفر؛ لأنّ الله أمرنا في هذه الدنيا أن نأخذ بظاهر أحوالِ النَّاس وأن نترك البواطنَ لحكم الله في الآخرة".

فتهمة تكفير المجتمعاتِ تهمةٌ لا أصل لها في فكر سيّد قُطب رحمه الله، وأحسن أحوالها أن تكون قراءة فقهية اجتهاديّة لنصٍّ شرعي، وأسوأ أحوالها أنّها قراءة مريضة للسطحيين، أو قراءة عَلمانية ماكرة خبيثة؛ غرضها تشويه فكر سيد قطب ومشروعه، لا صيانة الإسلام من الغلو!

ثانيًا: حقيقة مصطلح "الحاكميّة" وماذا يُغنى به؟

ومن الشُّبه التي أثيرت حول فكر سيّد قُطب رحمه الله قولهم: أنّه يُنادي بالحاكميّة، ويركز عليها، وقد انفرد بإطلاق هذا المصطلح، ولم ينصّ عليه كتاب ولا سنَة؛ بل إنّ أَوّل مَن قال به هم الخوارج!

وصفوة القول: أنّ أصل مصطلح الحاكميّة ليس من مفرداتِ "سيد" ولا "أبي الأعلى المودودي" من قبله رحمهما الله، بل هو مأخوذ من علم أصول الفقه، واتّفق عليه الأصوليُونَ، وصرّحوا في مبحث الحكم: أنّ الحاكم هو الله، لا حاكم غيرُه. نعم! إن أراد المعترضونَ كلمة الحاكميّة؛ فهي لم ترد في القرآن والسُنّة بالحرف، ولكنّ معناها واضح في القرآن .. فالحاكمية لله يوضحُها قوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ}، والحكم هنا مصدر، والحاكميّة مصدر أيضًا، بنفس المعنى، و"إن" هنا بمعنى "ما" أي: ما الحكم إلا الله، وهذا تأكيد بـ "ما" و"إلا" التي تفيد الحصر.

إذن .. لا ضرر في استخدام هذا المصطلح علميًا؛ فإنّه لا مشاحّة في الاصطلاح، وليست كلّ المصطلحاتِ العلميّة قد وردت في القرآن والسنّة، ومن غير المعقول أن نرفض كلّ مصطلح لم يرد فيهما.

فالحاكميّة في المفهوم الشرعي إنّما هي لله وحده لا شريك له، فهو المشرّعُ لعباده في جميع شؤون دنياهم وآخرتهم، وإليه المرجع كل أمورهم، ومَن جحد ذلك فقد كفر، وقامت على ذلك الأدلة العقلية والنقلية من القرآن والسنّة، وقد أُجمع على هذا.

أي: إنّ الحاكميّةً لله مطلقًا؛ تعني المشروعيّة العليا للدّولة وشؤونها حتى لا تحرفها تصرُفاتُ الحاكمين عن هذا المبدأ.

فمصطلح الحاكميّة: مصطلح شامل جامع مانع .. فهو من الابداعات الأدبيّة لسيّد قُطب؛ فلا يجورُ ردّه بسبب استخدام الخوارج له، واستخدام الخوارج كان خاطئًا، ولذا لا يجورُ التشنيع على المصطلح لمجرَّدِ استخدام الخوارج له.

واعلم أنّ من عقيدة أهل السُنّة والجماعة الإيمانَ بالله تعالى، ومن الإيمان بالله: الإيمانَ بوحدانيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وذلك بإقرار أنواع التوحيد الثلاثة واعتقادِها والعمل بها، وهي: توحيدُ الرُبوبيّة، وتوحيدُ الألوهية، وتوحيد الأسماء والصّفات.

وإنّ من مقتضيات الإيمانِ: الإقرار بحق التشريع لله وحده، فالحكم لله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، قال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ}[يوسف:40] فالحكم لله، والعبادة لله، ولا تجوز منازعه الله في حكمه، ولا يجورُ صرف شيء من ذلك لغيره مطلقًا!

فالحاكمية تعني: أنّ الله هو الحاكم الأوحد، وهذه الحاكميّة نابعة من أنّ الله خالق الكون بكل ما فيه، وأنّ الله وحده المستحق للعبادة والطاعة، بل إنّ الطاعة المطلقة حقّ ينفرد به الخالق، ومن ثمَّ يمنحه لمن شاء من عباده بالحدود التي يشاء، فالنّبي والحاكم والأب والزوج طاعتهم ممنوحة ومشروطة.

وقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين أن يتحاكموا إلى شريعته التي تصلح لكل زمان ومكان، وشرع الله وحده هو الذي ينشر العدل والنفع والخير .. والتاريخ شاهد لمن لم يُصدّق!

فتوحيدُ الحاكميّة نوع من أنواع التوحيد؛ فمِن حيث الحكم والأمرُ والنّهي والتّصرّف يدخل في توحيدِ الرُبوبيّة؛ لأنّ الله تعالى له الحكم والأمرُ وحده. أمّا من حيث التطبيق والعمل؛ فالعبد مكلّف باتباع حكم الله فيدخل توحيدُ الحاكميّة في توحيد العبادة والألوهية.

فتوحيدُ الحاكميّة يتكوّنَ من قسمين:

الأول: ما يتعلّقُ بتقدير الحُكم الكوني، وتشريع الحكم الشرعي، فهذا داخل تحت توحيد الربوبيّة، لأنّه من فعل الربّ سبحانه، وهو المشرّع وحده، قال تعالى: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِين}[الأعراف:54].

وقال تعالى منكرًا على مَن جعل للبشر حق التشريع: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ}[الشورى:21].

 الثاني: هو ما يتعلّق باستجابة العبادِ للحكم الكوني والشرعي لله رب العالمين، وتُحَاكَمهم إلى شرعه ورضاهم به، قال تعالى : {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا}[النساء:65].

فالتحاكم من العباد عبادة، لا يجورُ صرفها لغير الله، وهو من إفراده عزّ وجل بالعبادة في التحاكم إلى شرعه، وهذا داخل تحت توحيد الألوهية.

ومعنى مصطلح الحاكميّة عند سيّد قُطب: هو ردّ الحكم والتشريع إلى الله وحده، وليس لأحد كائنًا مَنْ كانَ أن ينتزع هذه الحاكميّة لنفسه أو لأي شخص آخر؛ فالحاكميّة إنّما هي لله وحده، وهو المشرّعُ لعباده في شتى شؤونهم المتعلّقة بدنياهم وآخرتهم، وهو المرجع في حلّ كلّ مشكلة من مشاكلهم.

وأمّا جعل توحيدِ الحاكميّة نوعًا رابعًا من أنواع التوحيد فليس له وجه؛ لأنّه داخل في الأنواع الثلاثة، والتقسيم بلا مقتضٍ يكونَ زيادة كلام لا داعي له.

ثمّ اعلم أنّ تقسيم التوحيد بأنواعه غيرُ منصوص عليه شرعًا؛ بل هو مأخوذٌ من الاستقراء والتأمُّل؛ فعلماء أهل السُنّة والجماعة لما استقرؤوا ما جاءت به نصوص الكتاب السُنّة ظهر لهم هذا، وزاد بعضهم نوعًا رابعًا هو توحيد المتابعة، وهذا كلّه بالاستقراء.

فلا شكّ أنّ من تدبّر القرآن العظيم وجد فيه آيات تأمر بإخلاص العبادة لله وحده، فهذا هو توحيد الألوهية والعبادة، وهناك آيات تدلّ على أنّ الله هو الخلّاق والرزّاق ومدبّر الأمور؛ فهذا هو توحيد الربوبيّة، كما أنّ هناك آيات أخرى تدلّ على أنّ له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأنّه شبيه له ولا كفؤ له؛ فهذا هو توحيد الأسماء والصفات، وآيات أخرى تدلّ على وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ورفض ما خالف الشرع؛ فهذا هو توحيد المتابعة .. فتقسيم التوحيد قد عُلم بالاستقراء وتتبع الآياتِ ودراسة السُنّة.

وفي تفسير قوله تعالى {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُون}[الأنعام:44] يقول سيّد قُطب رحمه الله:

"بهذا الحسم الصارم الجازم، وبهذا التعميم الذي تحمله مَنْ الشرطية، وجملة الجواب بحيث يخرج من حدود الملابسةِ والزّمانِ والمكان، وينطلق حكمًا عامًّا على كلّ مَن لم يحكم بما أنزل الله في أي جيل ومن أي قبيل، والعلّة هي التي أسلفنا؛ هي أنّ الذي لا يحكم بما أنزل الله إنّما يرفضُ ألوهية الله، فالألوهيّة من خصائصها ومن مقتضاها الحاكميّة التشريعيّة، ومن يحكم بغير ما أنزل الله يرفضُ ألوهيّة الله وخصائصها في جانب، ويدّعي لنفسه هو حقّ الألوهية وخصائصها في جانب آخر، وماذا يكونَ الكفر إن لم يكن هو هذا وذاك؟ وما قيمة دعوى الإيمان أو الإسلام باللسان، والعمل -وهو أقوى تعبيرًا من الكلام- ينطق بالكفر أفصح من اللسان؟!".

فاستعمال مصطلح الحاكميّة ليس فيه محذور شرعي؛ لأنّ العبرة بالمدلول الشرعي للفظ، والحاكميّة كمصطلح له نفس الدّلالة الشرعية التي تكلّم عنها أئمة أهل السُنّة والجماعة، وإنّ سيّد قُطب لم يجعل من الحاكمية توحيدًا مستقلّاً نظّر له ودعا إليه، بل جعله من باب الشرح والتوضيح لما يقتضيه حال الأمّة من عدم تحكيم شرع الله تعالى.

ففكرة الحاكمة أساء فهمها كثيرون، وأدخلوا في مفهومها ما لم يُرده "سيّد" رحمه الله، وملخّص ما أراده من مصطلح الحاكميّة هو:

  1. الحاكميّة بالمعنى التشريعي: مفهومها أنّ الله هو المشرّع لخلقه، وهو الذي يأمرُهم وينهاهم، ويُحلّ لهم ويُحرّمُ عليهم، وهذا ليس من ابتكار سيّد؛ بل هو أمر مقرّر عند المسلمين جميعًا؛ ولهذا حين قال الخوارج لعلي رضي الله عنه: "لا حكمّ إلا لله"! لم يعترض عليٌّ -رضي الله عنه- على المبدأ، وإنّما اعترض على الباعث والهدف المقصودِ من وراء الكلمة، فقال ردًّا عليهم: "كلمة حقٍّ يُراد بها باطل".
  2. الحاكميّة لا تعني أنّ الله تعالى هو الذي يولّي العلماء والأمراء ليحكموا باسمه؛ بل المقصود بها الحاكميّة التشريعيّة فحسب، أمّا سند السُلطة السياسيّة فمرجعه إلى الأمّة –الـمُتمَثّل بأهل الحل والعقد- فهي التي تختار حكّامها، وهي التي تُحاسبهم وتراقبهم، بل تعزلهم. والتفريق بين الأمرين مهم، والخلط بينهما موهم ومضلّل، فليس معنى الحاكميّة الدعوة إلى دولة ثيوقراطية.
  3. الحاكميّة التشريعية التي يجب أن تكونَ لله وحده وليست لأحد من خلقه هي الحاكميّة العليا والمطلقة التي لا يحدّها ولا يُقيّدها شيء، فهي من دلائل وحدانية الألوهيّة، بل من مقوَماتِ التوحيد، كما بيّن القرآن في قوله تعالى {أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً}[الأنعام:114].

وهذه الحاكمية لا تنفي أن يكونَ للعبادِ قدر من إصدار أحكام مسائل النوازل بضوابط شرعية؛ لأنّ النصوص الشرعية في غالب الأمر كلّية إجمالية لا تفصيليّة .. إنّما هي تمنع أن يكونَ لهم استقلال بالتشريع غيرُ مأذون به من الشارع الحكيم، كالتشريع في أمر العبادات، والتشريع الذي يُحلّ ما حَرّم الله، ويُحَرّم ما أحل الله، ويُسقط ما فرض الله؛ لأنّ هذه المسائل من العبادات التوقيفيّة.

أمّا التشريع في النوازل، أو فيما لا نصّ فيه، أو في المصالح المرسلة .. أي فيما للاجتهاد فيه نصيب -بضوابطه الشرعية- فهذا من حقّ العلماء العاملين، لأنّهم ورثة الأنبياء عليهم الصّلاة والسلام.

 

 

المصدر: "معالم إلى المعالم"، ص (44-56) .. مقدمة المؤلّف لكتاب "معالم في الطريق"، طبعة مكتبة الغرباء، الأولى، 1440-2019

إضافة تعليق جديد