الخميس 28 مايو 2020 الموافق 05 شوال 1441 هـ

بحوث ودراسات

فكر التكفير عند جماعات الإسلام السياسي

09 رجب 1441 هـ


عدد الزيارات : 457
د. أحلام محمد سعدي الفرهود

شغلت ظاهرة التكفير حيّزاً كبيراً من اهتمام علماء المسلمين طوال تاريخ الفكر الإسلامي، فمنذ عهد الخوارج حتى الآن ظهرت صيحات التكفير، تعلو أحيانًا وتخبو أحيانًا أخرى.

إلّا أنّ تجدّدها في السنوات الأخيرة من القرن العشرين اصطحب معه أنماطاً من العنف غير المسبوق، جعل من الخلاف في الرأي تكئة للاعتداء على الغير، وتحوّل الاختلاف في وجهات النظر من ظاهرة صحيّة تمدّ العقل بخصوبة رأي وعمق وتمحيص واطّلاع على وجهات نظر متعددة، إلى مرض عضال أدّى إلى التآكل والتناحر، وطال فكر التكفير الأخضر واليابس؛ مما أهدر طاقات الأمّة وزاد من نار الاختلاف استعارًا وتأجّجًا. 

وكان لتصدي غير المتفقّهين والعوام لقضايا الفتوى والاجتهاد أثره في إشاعة التكفير ورمي الاتهامات جزافًا دون جريرة أو وجه حق، وارتبط ازدهار مناخ التكفير ذلك الوقت بصعود ما يمكن أن نطلق عليه مجازًا "جماعات الإسلام السياسي"، ومثّلت تلك الجماعات ملمحاً مميزاً للنظم السياسية العربية في هذه الآونة. وبدا للجميع أنّ ثمة تغير واضح في بنية الأفكار والأيديولوجيات التي تتبناها، يميل إلى المفاصلة مع الآخر، ويرفض التعامل مع الأفكار المغايرة لها ولا يقيم معها جسوراً، ويصل به الحال إلى حدّ تكفير مَن لا ينخرط معها في التنظيم لشبهة خروجه عن جماعة المسلمين.

هذا الظهور الحدّي لأفكار تتناقض مع وسطية الإسلام دفع الكثيرين إلى طرح تساؤلات عدّة حول: الأطر الفكرية والقيمية التي تستقي منه حركات الإسلام السياسي توجهاتها، والظروف والملابسات التي تؤدي إلى ازدهار تلك الأفكار، والآليات التي تتخذها تلك الحركات في تحقيق أهدافها، ووضعيتها داخل مجتمعاتها.

هذه التساؤلات وغيرها تفتح أبواباً أمام فهم ظاهرة نشوء وازدهار التيارات الإسلامية الراديكالية وتبنّيها رؤى تكفيرية. وتهتم الدراسة الحالية بمناقشة وتحليل الرؤى والأفكار التكفيرية لجماعات الإسلام السياسي ومرجعيتها، سواء في حال الاعتناق التي صاحبتها موجة واسعة من العنف ضد السلطة والأفراد في الكثير من المجتمعات العربية، أو في حالة المراجعة الفكرية التي أسفرت عن مراجعة أسس التكفير عند الجماعات مصحوبة بتراجع واضح عن ممارسة العنف ضد الدولة والنظام. ولما كان من غير الممكن التطرق لدراسة فكر هذه الحركات في كل أرجاء العالم العربي أو الإسلامي نظرًا لاتساع النطاق الزماني والمكاني، وتنوّع وكثرة حركات الاحتجاج الإسلامية، ومحدودية الحيز الممنوح للدراسة؛ فقد اهتمت الدراسة الحالية بالتعرّف على رؤى المرجعيات الأساسية للجهادية الإسلامية، مع الاهتمام بدراسة البدايات الأولى لمراجعاتها، والتي مثّلت الشرارة التي انطلقت منها باقي المراجعات.

وتمثل التساؤلات التالية أساساً لخطة البحث في هذا الموضوع:

1- ما العوامل التي أدّت إلى ازدهار ظاهرة التكفير المعاصرة في العالم العربي في النصف الأخير من القرن العشرين؟

2- ما المعين الذي اغترفت منه جماعات الإسلام السياسي أفكارها، وما هو أثر تلك المرجعية على تبنيها لفكر التكفير؟

3- أيُعدّ التكفير مكوّنًا أصيلًا في البناء الفكري والتنظيمي للجماعات الإسلامية؟ أم يعبّر عن لحظة استثنائية في مسار عمل تلك الجماعات؟

4- إلى أي مدى ساهمت الرؤية التكفيرية للمجتمع في بناء الأفكار السائدة داخل النسق العقدي والاعتقادي لتلك الجماعات؟

5- ما الأسس التي قام عليها فكر التكفير وإلى مَن تُوجّه اتهامات التكفير؟

6- هل تختلف أفكار جماعات الإسلام السياسي من مصر لآخر، ومن جماعة لأخرى داخل نفس الأمصار؟ وما ملامح الاختلاف والاتفاق؟

 

أخيرًا: هل مثّلت مراجعات الجماعات الإسلامية في مصر والدول العربية تراجعاً حقيقياً عن فكر التكفير؟ وهل تمثّل هذه المراجعات قطيعة معرفية مع جذور التطرف؟ وما هي الآثار المتوقعة لمراجعات جماعات الإسلام السياسي على مسيرة عمل تلك الجماعات؟

في ضوء هذا التصوّر تسعى الدراسة إلى قراءة وتحليل كتب ووثائق جماعات الإسلام السياسي قراءة سوسيولوجة معرفية، تنتهج من تحليل المضمون الكيفي أداة لقراءة النص، مع استخدام أسلوب "التحليل الاستشهادي عن طريق اختيار فقرات من نصوص الخطاب" دعمًا للتحليل .

 

خطّة البحث:

المبحث الأول: الخطاب التكفيري عند جماعات الإسلام السياسي من قطب إلى تنظيمات العنف الراديكالي.

1- ملحوظات عامة تأسيسية: من الأفكار القطبية إلى الأفكار الجهادية: قطعية أو تواصل؟

2- سيد قطب ومعالم في طريق التكفير.

3- الجماعات الإسلامية الراديكالية وفكر التكفير.

المبحث الثاني: نقد خطاب التكفير، المراجعات الفكرية لجماعات الإسلام السياسي.

1- بداية فقه المراجعات: حسن الهضيبي "دعاة لا قضاة".

2- مبادرة وقف العنف.

3- المبررات الفكرية للمراجعات.

4- المراجعات هدنة حركية أم وقفة فكرية؟

5- مراجعة أحكام التكفير.

 

وقد خلصت الدراسة إلى عدد من النتائج من أهّمها:

1- أنّ الفكر المتشدّد للجماعات الإسلامية ارتبط في البداية بقراءة لفكر سيد قطب الذي حمل في داخله بذور التشدد؛ نتيجة لما شهده من عدوانية في التعامل مع رموز الحركة الإسلامية في عصره، وهي تلك الظروف التي واكبت فشل الدولة القومية في عهد الاستقلال في تحقيق أهدافها في ظل الدولة العلمانية.

2- أنّ الخلاف بين الجماعات التكفيرية التي اعتنقت فكر التكفير لم يكن خلافًا في اعتناق الفكر التكفيري، وإنّما في درجة التشدد في التكفير، وهو ما أدّى ببعض هذه الجماعات إلى رفض المجتمع، والتعامل معه من منطلق الرؤية التكفيرية التي تدعو إلى هجره والخروج منه، وبناء المجتمع الإسلامي الصحيح مثل جماعة التكفير والهجرة. أو تكفير النظام باعتباره رأس الكفر، والدعوة إلى الخروج عليه مثل جماعات الجهاد.

3- أنّ المراجعات التي قامت بها الجماعات الإسلامية الجهادية -وإن بدت عند البعض تطبيقا لمبدأ التقية، وانحيازًا إلى المسالمة؛ نتيجة الخسائر المادية والمعنوية التي لحقت بهم- إلا أنّها خلخلت دون شكّ مسار الفكر التكفيري، وخلقت حالة من السجال الفكري حول العديد من القضايا.

4- أنّ احتمالات تبنّي فكر التكفير قائم، وأنّ قابلية الأمة للإصابة بهذا الداء قائمة.

5- أنّ علاج مثل تلك الظواهر يتطلب التشخيص الدقيق لمسبباتها بعيدًا عن التهوين أو التهويل، ثم الانتقال إلى مقارعة الحجّة بالحجّة والبرهان بالبرهان دون تفريط في أسس العقيدة، وهذه مسؤولية العلماء والباحثين وأولي الأمر بالدرجة الأولى.

 

 

إضافة تعليق جديد