الأحد 15 ديسمبر 2019 الموافق 17 ربيع ثاني 1441 هـ

إضاءات فكرية

تكفير الأشخاص بأعيانهم حكم قضائي ليس من باب الفتوى

10 ذو القعدة 1440 هـ


عدد الزيارات : 530
وليد مصطفى شاويش

 

 

الملخَّص

التكفير حكم قضائي شرعي إذا تعلق بشخص بعينه، يحكم به القاضي المنصَّب من قبل الحاكم الذي نصبته الأمة، ومن ثَم فهو حُكم الأمة، وواجبٌ له الاحترام والحماية، ولا يجوز أن يَصدُر التكفير من قِبل الأفراد في: مؤتمرات، أو ندوات، أو حلقات حوارية، ذلك لأنّ التكفير حكم في الدماء والأموال، ولا بد فيه من تَحَري البينات، وتحقق الشروط وانتفاء الموانع، وهذا غير ممكن إلا للسلطة القضائية، ويكون دور جهات الفتوى والعلماء التحذير من تلك المقولات العاديَة على المجتمع الإسلامي، فإن لم تتوفر الجهة القضائية التي تحاكم أولئك المتعدِّين على الأمة ودينها، فيجب أن يُحتاط للدماء والأموال، ولا يجوز الحكم بالتكفير لعدم إمكانية الإجراءات القضائية، ولكن يجري عليهم حكم المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكون جهادهم بالكلمة والتحذير منهم، والصبر عليهم مع استمرار تتبع أقوالهم ودحضها، أما العدوان على دمائهم وأموالهم في هذه الحالة فهو يتنافى مع الصبر الإيجابي المأمور به شرعًا، وهو تغليب لشهوة الانتقام على أحكام الشرع، دون إبداء أي مسوغات شرعية، وتفريط في معركة الكلمة الحقيقية مع المنافقين.

****

ما زالت مفردة التكفير تُتَداول تداولًا إعلاميًا مبتذَلًا، وهذا الابتذال لهذه المفردة دون إبداء أي ضوابط للتداول، أو تحديد الجهة المؤهلة علميًا وأخلاقيًا لإبداء الحكم الشـرعي في التكفير، مما يؤدي إلى استخدام مفردة عَقَديَّــة استخدامًا مفْرِطًا في غير محلّه، سواء كان من خصوم الفكر والاعتقاد، أو خصوم السياسة، وفيما يأتي محاولة لوضع اليد على هذه المفردة، وتسليمها للجهة ذات الاختصاص، حمايةً لمصطلحات العقيدة الإسلامية من العبث والتوظيف لغايات دنيوية ساقطة، وهي استخدام الدين مَطِــيَّــــة للدنيا، كالذي مثّل له بعض علماء الأمة بذلك الشخص الذي يمسَح حذاءَه بغطاء رأسه.

 

أولًا: تكفير الأعيانتكفير الأعيان: ويقصد به تكفير شخص بعينه وباسمه، كأن يقال فلان ابن فلان كافر؛ لأنه سب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو اختصاص القاضي، أما دور الإفتاء والعلماء فإنّهم يبينون أنّ سب الله ورسوله كفر، ويبينون الأدلة، دون ذكر شخص معين، أو ذكره دون إصدار حكم عليه للتحذير من قوله، يعني بحث العلماء والإفتاء على الفعل والقول، دون عين الشخص.حكم قضائي ليس من باب الفتوى:

سمعنا وما زلنا نسمع أنّه في الندوة الفلانية، أو الشخص الفلاني قالَ بكفر فلان، وربما يكون هذا القائل من أفاضل الدعاة الذين يُسمع لوعظهم، وقد يكون المكفَّر الآخر خَيّرًا دَيـِّـنًا صالحًا، وربما لا يكون هناك تكفير أصلًا، ولكن تستخدم بعض الفضائيات أي كلمة أو أي موقف لاستغلاله من طَرْف خفيٍّ لتشويه الإسلام، وربما يكون ذلك صريحًا مرة، وغَمْزًا مرات، وهذا مع -الأسف- دَيْدن الـمُتحَــيِّـرين في الطريق إلى الله تعالى الذي قال الله تعالى فيهم: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ}[محمد: 30].

إنّ تكفير الشخص المعـــيـَّن يحتاج إلى تقصِّي حالة المتهم الصحية، والفكرية، وظروفه التي أدت إلى قوله، وما يعلمه من الدين بالضرورةالمعلوم من الدين بالضرورة: ما استوى فيه العالم والجاهل، كفروض الصلاة الخمسة، وصوم رمضان، والحج، والزكاة، وحرمة الزنا، وشرب الخمر.وما لا يعلمه، وهل وقَف على دعائم الإسلامدعائم الإسلام: وهي الإقرار بالرسالة المحمدية، وشرائع الإسلام جُملة، من زكاة وصلاة وصيام وحج، فإذا شهد المتـّهم بالردة بالشهادتين، ولم يكن يعلم هذه الدعائم ثم أنكرها بعد إسلامه، فلا يحاسب على أنه مسلم مرتدّ ولكن يؤدب، فإذا تمادى على الترك للدعائم فإنّ إسلامه لا يُقبل، لعدم اطلاعه على الدعائم أصلًا، والله غني عن العالمين، وهذا بطبيعة الحال في الجاهل الذي أسلم لم يعرف شيئًا عن الإسلام، بخلاف من عاش بين المسلمين فإنّ دعائم الإسلام معلومة لديه أصلًا عند النطق بالشهادتين وقبلهما، ولا يقبل منه ما يقبل من الجاهل.قبل إسلامه أم لا، وما حظُّه من التعليم الديني، كما يجب مناقشته فكريًّا من لجنة من العلماء الذين يقدمون له الحجج والبراهين، وله حق الرجوع عن قوله بعد التبيّن، كل ذلك يكون بمحضـر القاضي في الإسلام المنصَّب من الحاكم.

 

ثانيًا: لماذا التكفير حكم قضائي وليس من باب الفتوى؟

إنّ الحكم بتكفير الشخص المعين، هو حكم في الأموال والدماء، وهذا ليس من شأن الفتوى لا من قريب ولا من بعيد، ولا من شأن الندوات والمؤتمرات، والبرامج الحوارية، ذلك لأنّ القصد من الفتوى هو طلب البراءة عند الله تعالى، أما القضاء فهو رفع الخصومة وحماية المال والدماء حسَب البيـِّـنات في ظاهر الحال.

والمؤسسات غير القضائية، كالمؤتمرات والندوات والبرامج الحوارية ليست مؤهّلة للقيام بإجراءات التأكد من تحقّق الشروط وانتفاء الموانع للتكفيرشروط تكفير الأعيان وموانعة: وهي شرط العلم بأن هذا القول كفر، ويقابله مانع الجهل أو التأويل، وشرط الاختيار فلا بد أن يكون القائل مختارًا، ويقابله مانع الإكراه، وشرط القصد إلى القول، وهو أن هذا القول مقصود له ويقابله مانع الخطأ، كأن يخطئ من شدة الفرح، أو الحزن، أو الخوف.، وإصدار الأحكام، وذلك لأنّها مفتقرة إلى القوة الشرعية التي فوّضتها الأمّة للحاكم، من أجل حماية المجتمع من العابثين بالإسلام الذي يمثّل قاعدة المجتمع الفكرية، الحافظة لبقائه واجتماع كلمته، وهذا الحاكم أناب القاضي مكانه للقيام بهذه الوظيفة الحارسة للمجتمع من التفكك وعبث العابثين، ومن ثَمَّ فإن حكم القاضي ليس حكم القاضي فحسب، بل هو حكم الأمّة، لأنّ سلطته مستمدة من الحاكم الذي يستمد سلطته من الأمّة، ومن ثَمَّ فإن مَن حَكَم وقضـى هو الأمّة في شخص القاضي المنصَّب من قبلها.

 

ثالثًا: ما دور جهة الفتوى في هذا الموضوع؟

بالرغم مما ورد عن بعص علماء المسلمين المقتدى بهم بيّنوا حكم كفر بعض الزنادقة الذين أظهروا فلسفات معادية للإسلام، إلا أن هذا العمل العلمي ليس هو الأصل وإن كان مشروعًا لمن هو في مثل أولئك الأئمة المقتدى بهم، كما أنّ جهة الفتوى والعلماء المختصين يجب عليهم البيان للحكم الشـرعي، لا على التعيين للشخص، كأن يقال: هذا القول كفر، ولا يلزم من كون القول كفرًا أن يكون صاحبه كافرًا إلا بعد التحقق من الشروط وانتفاء الموانع التي هي مهمّة القضاء، ويكون بيان دوائر الفتوى والعلماء ليس على التشخيص والأعيان، بمعنى أنّهم يتناولون المقولات التي يقول بها الناس، ويبينون خطأها من صوابها، وليس لهم صلاحية الحكم على شخص بعينه، لافتقارهم -بحسب مهمتهم- إلى قوة استجلاب المتهم ومساءلته عن قوله وقصده، ومناقشته بالحجة، والتحقق من حالته الصحية، والتأكد من تحقق شروط الحكم بالكفر وانتفاء موانعها، يعني أنّ على المجتمع واجب وهو محاصرة المقولات المُــتَعرِّضة لدين الأمة ورسولها، وعلى عموم الناس عدم الخوض بغير علم، بل لا بد أن يكون هناك تريُّث لما سيقوله العلماء وأهل الاختصاص في هذا الموضوع، ثم تَلقِّي هذا العلم وتداوله بعد صدوره من أهله، وهنا نقضي على الفوضى والتشويه في فكر المجتمع وتجاذبه من قبل أفراد ليسوا من أهل العناية والاختصاص بهذا الأمر.

 

رابعًا: إذا لم يوجد قضاء يتولى محاكمة المعتدين على دين الأمة:

في حالة عدم وجود قضاء يتولى حماية العقيدة ورسولها من الغمز والطعن، فلا يعني هنا أن يَـــبْـــرُز عموم الناس لتولي القضاء والحكم بأنفسهم، لافتقارهم إلى القوة اللازمة للحكم القضائي، وربما يؤدي ذلك إلى خلل كبير في المجتمع، حيث يلجأ كل فرد أو جماعة إلى الحكم حسبما يريد بغير علم، بل وقد يتعدى في ذلك ظانًّا أنّ حكمه هو حكم الله، وهو واجب النفاذ، فيقوم بالاعتداء على الأموال والدماء دون حكم قضائي شرعي صادر ممن هو له أهل، وهذا الحكم الاعتباطي إذا فتح له الباب سيكون له أثر وخيم على الحياة المجتمعية الإسلامية، شعاره الاستهانة بالدماء بناء على الهوى الشخصي باسم الدين، وندخل في اضطراب يُـــوْدي بكل مقدِّرات الأمة الاجتماعية، وعلى رأسها الدين نفسه.

ولا يعني هذا الكلام أنّ موقف المسلمين سيكون سلبيًا من المتعدِّين على رسولهم والهُدى الذي جاء به، بل يصبح الحكم على العابثين بدين الأمة هو حكم المنافق أو الجاهل، حيث تجرى عليه أحكام الإسلام ظاهرًا، ويُحتاط لدمه فلا يجوز التعرّض لحياته ولا دمه شرعًا، لعدم القدرة على تقصّي حاله حسبما أمر الشرع، لعدم تولي الحاكم هذا الواجب، واحتياطًا للشهادتين، فالأموال والدماء معصومة ولا يجوز استباحتها بالشك أبدًا، ولا يحكم فيها إلا القاضي المنصَّب من قِبـَل الحاكم، والافتئات على الحاكم عبث بالدماء والأموال، لا تجيزه الشريعة أبدًا.

 

خامسًا: جهاد المنافقين يكون بالكلمة فقط:

إنّ المنافقين يكمن خطرهم في أنّ ظاهر حالهم مع الأمة، ولكن يظهر منهم في فلتات لسانهم كلمات تدلّ على حالة عداء للإسلام وأهله بوصفه دينًا، أو يتخذون الممارسات الشاذّة من بعض المسلمين ستارًا للطعن في الدين نفسه، وسلاحهم في حربهم على الإسلام هو الكلمة، وجهادهم يكون بالكلمة أيضًا، وليس بغير الكلمة، فيجب بيان زيغ مقولاتهم، وما تؤدي إليه من تفكيك بنيان المجتمع المسلم، وتهديد تماسكه، لعبثهم بالجهاز العصبي للأمة ممثلًا في الإسلام الكلمة الجامعة للمسلمين، على اختلاف أقوامهم وبلدانهم.

وإنّ التعرض لدماء المنافقين وأموالهم يخالف هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في تعامله مع منافقي المدينة الذين اتخذوا الإسلام ستارًا للطعن فيه، إنّ الصبر على أذى المنافقين وجهادهم بالكلمة يحتاج إلى إيمان كالجبال، لا تقدر على تحمله تلك التصرفات الطائشة التي لم تصبر على الحكم الشرعي، وخرجت لتعبّر عن شهوتها بالانتقام باسم الشرع، فهي شهوة لم تصبر على حكم الشرع الآمر بالصبر الفاعل والمؤثر الذي هو أكبر قوة تطفيء المنافقين وكيدهم، كما أطفأ النبي -صلى الله عليه وسلم- نارهم في المدينة.

 

سادسًا: التكفير حكم شرعي قضائي ليس من باب محاكم التفتيش:

مما سبق يتضح أنّ التكفير حكم شرعي، لأنّه حكم الأمة يصدره القاضي المنصَّب من الحاكم الذي نصبته الأمة، وهو قائم على أسس علمية موضوعية ليس فيها كهنوتًا ولا سرًّا مقدسًا، وأنّ سلطة القاضي هي تنفيذ الدين والشرع الذي ارتضاه الله تعالى لهذه الأمة، وارتضت الأمة هذا الدين لنفسها، واتخذته سبيلًا لسعادتها في الدارين، ولا يجوز ابتذال هذا الحكم بأن يستخدم سُبَّة أو وسيلة للتشويه أو التحريض أو الإيذاء.

ومن فعل ذلك فهو تسفيه للإسلام الذي رضيه الله لنا دينًا، وهو أيضًا تسفيه للأمة التي رضيت لنفسها هذا الدين، وكذلك هو تسفيه للقضاء في الإسلام الذي يجب احترامه لأنه أساس لنظامِ المجتمع ورفعِ الظلم عن المظلومين، وهذا أمر مختلف عما قامت به محاكم التفتيش في أروبا التي حاولت أن تكشف عما في قلوب الناس عبر وسائل التعذيب والإيذاء، بينما حرّم الإسلام على القضاء الشرعي الحكم على الباطن، وأنّ القضاء شرعًا يكون على الظاهر والله يتولى السـرائر، ولو تيقّن القاضي أو المسلم النفاق خلال زلّات المنافقين، فإنّ سنّة النبي -صلى الله عليه وسلم- عاملتهم بالظاهر، واتبعت أسلوب الكلمة في جدالهم، وكان ذلك وسيلة نافعة في إطفاء النفاق، ومحاصرته في مجتمع المدينة الأول في عهد النبوة، فأولى بالمؤمنين الصادقين متابعة رسولهم والاقتداء به في طريقته في إطفاء النفاق والقضاء عليه.

 

سابعًا: خطورة التكفير:

التكفير حكم قضائي بين يدي القاضي المختص للآثار الخطيرة المترتبة، وقد بنى الفقه الإسلامي الحكم بالتكفير على الاحتياط في الدماء والأموال والشهادتين، وجعل له إجراءات خاصة في منتهى الدقة، وذلك حفظًا للمجتمع والدين معًا، ومن هذه الآثار التي تترتب على التكفير وتجعله أمرًا في غاية الخطورة الآثارُ الآتية:

  • التفريق بين المرتد وزوجته.
  • عدم إبقاء أولاده تحت يده وسلطانه حتى لا يؤذيهم بتفكيره.
  • فقدان الولاية والمناصرة من المسلمين.
  • ليس له حقوق الميت المسلم من غسل وتكفين وصلاة ودفن في مقابر المسلمين.
  • الطرد من رحمة الله والخلود في جهنم إن مات على كفره.
  • القتل بالحكم القضائي، ولا يجوز لأحد تنفيذه إلا الدولة.

فإذا تأملت هذه الآثار الوخيمة يا أخي العزيز، فاعلم أن الاحتياطات الشـرعية الكثيرة، والحواجز العالية التي أقامتها الشريعة للحكم بالتكفير، إنّما هو لآثاره الخطيرة على المجتمع، وليس إنجازًا رائعًا أن نسارع إلى التكفير، وأن يصبح الأمر سهلًا على ألسنة الناس، وكأنه حديث عن مباراة ثقافية، فالقاضي الذي يُنظِر ويمهل، ويأتي بالعلماء للحجة وهو يتحرَّق شوقًا لرجوع هذا الشخص عن جريمته بحق العقيدة الإسلامية، ويأتي رجوعه على قلبه وقلوب المؤمنين فرحًا يَسْعَد به المسلمون، بينما بقاؤه على ردته هو مأساة للمجتمع المسلم.

وأي شخص يمكن أن يبقى على تكذيب الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- ويقبل بتنفيذ الحدّ فيه، ولا يرجع عن الطعن في دين الأمة؟ إلّا أن يكون شديد الحرب لهذه الأمة في أعزِّ ما تحب، وهو ربها سبحانه وتعالى، ورسولها صلى الله عليه وسلم، ويأتي الحدّ الشـرعي هنا كمِبْضَع الجراح، الذي يستأصل الـجُذام من الجسد الصحيح، ليس حُـــبًّــا في القطع والدماء، إنّما صيانة للجسم الصحيح من أن يتلوّث بذلك الـجُذام، ثم ينهار جسم الأمة بعد ذلك، بسبب استشـراء المرض فيه، وضعفِه أمام القوى المعادية.

 

ثامنًا: خلاصة القول:

التكفير حكم قضائي شرعي إذا تعلّق بشخص بعينه، يحكم به القاضي المنَصَّب من قبل الحاكم الذي نصَّبته الأمة، ومن ثَم فهو حُكم الأمة، وواجبٌ له الاحترام والحماية، ولا يجوز أن يَصدُر التكفير من قِبل الأفراد في: مؤتمرات، أو ندوات، أو حلقات حوارية، ذلك لأنّ التكفير حكم في الدماء والأموال، ولا بد فيه من تَحَري البيـِّـنات، وتحقق الشروط وانتفاء الموانع، وهذا غير ممكن إلا للسلطة القضائية، ويكون دور جهات الفتوى والعلماء التحذير من تلك المقولات العاديَة على المجتمع الإسلامي، فإن لم تتوفر الجهة القضائية التي تحاكم أولئك المتعدِّين على الأمة ودينها، فيجب أن يُحتاط للدماء والأموال، ولا يجوز الحكم بالتكفير لعدم إمكانية الإجراءات القضائية، ولكن يجري عليهم حكم الجاهلين الذين ربما يفيد فيهم التعليم، أو حكم المنافقين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلاهما يكون جهادهم بالكلمة والتحذير منهم، والصبر عليهم مع استمرار تتبع أقوالهم ودحضها، أما العدوان على دمائهم وأموالهم في هذه الحالة، فهو يتنافى مع الصبر الإيجابي المأمور به شرعًا، وهذا العدوان تغليب لشهوة الانتقام على أحكام الشَّـرع، دون إبداء أي مسوغات شرعية، وتفريط في معركة الكلمة الحقيقية مع المنافقين.

1 - تكفير الأعيان: ويقصد به تكفير شخص بعينه وباسمه، كأن يقال فلان ابن فلان كافر؛ لأنه سب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو اختصاص القاضي، أما دور الإفتاء والعلماء فإنّهم يبينون أنّ سب الله ورسوله كفر، ويبينون الأدلة، دون ذكر شخص معين، أو ذكره دون إصدار حكم عليه للتحذير من قوله، يعني بحث العلماء والإفتاء على الفعل والقول، دون عين الشخص.
2 - المعلوم من الدين بالضرورة: ما استوى فيه العالم والجاهل، كفروض الصلاة الخمسة، وصوم رمضان، والحج، والزكاة، وحرمة الزنا، وشرب الخمر.
3 - دعائم الإسلام: وهي الإقرار بالرسالة المحمدية، وشرائع الإسلام جُملة، من زكاة وصلاة وصيام وحج، فإذا شهد المتـّهم بالردة بالشهادتين، ولم يكن يعلم هذه الدعائم ثم أنكرها بعد إسلامه، فلا يحاسب على أنه مسلم مرتدّ ولكن يؤدب، فإذا تمادى على الترك للدعائم فإنّ إسلامه لا يُقبل، لعدم اطلاعه على الدعائم أصلًا، والله غني عن العالمين، وهذا بطبيعة الحال في الجاهل الذي أسلم لم يعرف شيئًا عن الإسلام، بخلاف من عاش بين المسلمين فإنّ دعائم الإسلام معلومة لديه أصلًا عند النطق بالشهادتين وقبلهما، ولا يقبل منه ما يقبل من الجاهل.
4 - شروط تكفير الأعيان وموانعة: وهي شرط العلم بأن هذا القول كفر، ويقابله مانع الجهل أو التأويل، وشرط الاختيار فلا بد أن يكون القائل مختارًا، ويقابله مانع الإكراه، وشرط القصد إلى القول، وهو أن هذا القول مقصود له ويقابله مانع الخطأ، كأن يخطئ من شدة الفرح، أو الحزن، أو الخوف.

إضافة تعليق جديد