الجمعة 25 يونيو 2021 الموافق 15 ذو القعدة 1442 هـ

إضاءات فكرية

مفهوم السياسة الشرعية | د عمار العيسى

19 ربيع ثاني 38 هـ


عدد الزيارات : 4893
رابط الفيديو: 

 

  • ملخّص:

السياسية في اللغة: مأخوذة من ساس الأمر إذا دبّره وقام عليه فيما يصلحه، وبهذا المعنى جاء حديث النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، غير أن لا نبي بعدي) ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (تسوسهم الأنبياء) أي: تقوم عليهم وتدبّر شؤونهم كما يفعل الولاة بالرعية.

المعنى الاصطلاحي للسياسة الشرعية: تدبير الشؤون العامة للدولة الإسلامية بما يكفل تحقيق المصالح ودرء المفاسد.

ووصفها بالشرعية: لأن من السياسة ما لا يكون شرعياً، بل يكون مخالفاً للشريعة، فلا يصدق عليه أنه سياسة شرعية

  • السياسة الشرعية تتسع لتشمل دائرتين:

الدائرة الأولى: ما ورد فيه نص شرعي يبيّن أحكامه بتفاصيله.

الدائرة الثانية: ما لم يرد فيه نصّ شرعي، لكنه لا يخالف الشريعة، بل يوافق أصولها العامة وقواعدها الكلية ومقاصدها المرعية.

  • ضابط السياسة الشرعية:

السياسة تتعلق بحياة الناس وبما يحتاجونه من مصالحهم الدينية والدنيوية، فمرجع ذلك إلى ما يختاره الناس، وإلى ما يرونه مناسباً لتحقيق تلك المصالح، بشرط ألا يخالف دين الله سبحانه وتعالى.

فكل ما لا يخالف النصوص الشرعية من السياسة فهو شرعي؛ لأن الشريعة جاءت لتحقيق المصالح ودرء المفاسد، وكل ما حقق مصالح الناس ودرء المضار والمفاسد عنهم فهو شرعي.

  • خصائص النظام السياسي الإسلامي:

يتميز بأنه نظام رباني المصدر، ورباني الغاية والوجهة. وهذه الخصيصة تعطي هذا النظام جملة من المزايا التي تميزه وتفضّله على غيره من الأنظمة الأخرى البشرية الوضعية، فمن ذلك:

  1. العصمة من الخطأ والتناقض، كما قال سبحانه وتعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرًا}.
  2. حمايته من التحيز والهوى؛ لأن كثيراً من النظم الأرضية والقوانين الوضعية يراعى بها مصالح فئة معينة على حساب فئات أخرى.
  3. الانقياد والاتباع؛ لأن الإنسان بطبيعته يأنف أن يذل لغيره أو يتبع غيره، لكن عندما يعلم أن هذا النظام من عند الله سبحانه وتعالى، فإنه يخضع لله.
  • السياسة الشرعية تراعي الفرد والمجتمع:

الشريعة جاءت لتراعي مصالح العباد في الدين وفي الدنيا، ولتراعي الفرد والمجتمع، فنصوص الكتاب والسنة وقواعد الإسلام وضوابط الشريعة جاءت للفرد تعالجه كفرد، ولتعالج حال وجوده في مجتمع أو في أمة أو في دولة. ونصوص الشريعة عامة، وتشمل كلتا القضيتين، حتى بما يتعلق بالتيسير على الناس ورفع الحرج، فالنصوص جاءت عامة تشمل الحالتين، وليست خاصة بحال الفرد، بل جاءت بعض القواعد الفقهية التي تدل على تقديم المصلحة العامة ودفع الضرر العام، ولو أدى ذلك إلى الاخلال ببعض المصالح الشخصية. وبعض القواعد الفقهية التي ذكرها أغلب أهل العلم تقول: (يُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام)، وضربوا على ذلك أمثلة، مثل الحجر على الطبيب الجاهل حفظاً للمصلحة العامة، ومثل هدم البناء الآيل للسقوط إذا كان يُخشى منه الضرر العام، ومثل تحتم القتل في قطاع الطرق إذا قاتلوا، ولا يقبل عفو أولياء الدم لأن لها علاقة بالمصلحة العامة وبدفع الشر عن الناس.

  • العلاقة بين السياسة الشرعية والسياسات الوضعية:

أولاً: الفرق بين النظام الإسلامي والنظم الأخرى الغربية والشرقية كالفرق بين الخالق والمخلوق، كما أن الله -سبحانه وتعالى- خلق الخلق وهو بهم عليم وهو متميز عنهم لا يشبه شيء من تلك المخلوقات، وليس كمثله شيء، كذلك جاء الله -سبحانه وتعالى- بنظم وأحكام وترتيبات تختلف عن النظم البشرية، فهذه نظم كاملة جاءت من لدن حكيم خبيز، أنزلها لتحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل على وفق الحكمة والعلم الذي اتصف به رب العزة والجلال. أما تلك النظم فهي نظم وضعها الناس لتحقيق مصالحهم بحسب ما عندهم من علم محدود ومن نظرة قاصرة، ولا شك أن ما يقع فيه بعض المفكرين والباحثين من وصف النظام الإسلامي بأنه نظام ديمقراطي، أو ديموقراطية الإسلام، أو اشتراكية الإسلام؛ لا شك أن هذا نوع من الخلط بين النظام الرباني الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي مصدره الوحي، وبين هذه النظم الأرضية التي وضعها الناس لتحقيق مصالحهم، فهناك فرق شاسع وبون واسع بين هذا النظام وذاك.

ثانياً: النظم الوضعية تقوم على أساس سيادة الشعب وأنه مصدر السلطات، وأنه صاحب السياسة المطلقة التي ليس فوقها سيادة، فهو مصدر السلطات والتشريع والنظر والحكم بالأمور بالاعتبار أو الإبطال أو التحليل أو التحريم، فهناك فرق بين تلك النظم وبين نظام يجعل شريعة رب العالمين هي الأصل، فهو من الوحي، وهو المصدر الذي ينطلق منه المسلم، وهو الحاكم في حال الاختلاف.

ثالثاً: النظم الوضعية تحتوي على العديد من الوسائل والأساليب التي تدار بها أمور الدنيا، فهذه لا بأس بها، ويشترط فيها كما تقدّم ألا تخالف الشريعة.

  • مفهوم السياسة الشرعية بين التفريط والغلو:

يظن بعض الناس أن السياسة لا تكون شرعية إلا إذا نصّ عليها الشرع، وهذا غلط؛ لأنه يؤدي إلى الجمود، والصحابة -رضوان الله عليهم- قد وضعوا من التدابير ما لم يرد في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لكنه يندرج تحت المصالح الشرعية المعتبرة التي جاءت النصوص باعتبارها من حيث الجملة لا التفصيل، وقد قال الإمام الوفاء بن عقيل: السياسة الشرعية هي التي يكون الناس معها أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم ينزل بها وحي ولم يضعها الرسول صلى الله عليه وسلم.

ومن الناس من يتوسع في السياسة فيتجاوز دائرة المتغيرات التي يسوغ فيها الاجتهاد، ويدخل في دائرة الثوابت التي ليست محلاً للنظر والاجتهاد؛ فيؤدي صنيعه هذا إلى تغيير ثوابت الإسلام التي لا تتغير بتغير الأزمان والأماكن.

إضافة تعليق جديد